نوار الدبس... مدينة من تأليف كافكا

02 اغسطس 2020
الصورة
أرتجل وأؤدي الراب في غرفتي (العربي الجديد)

 

مدينة دمشق التي تفقد كل يوم جزءاً من هويتها، نادراً ما تحتضن تجارب فنية جادة، تنقل بصدق هموم الناس فيها. ومن بين هذه التجارب القليلة، تجربة الرابر السوري نوار الدبس، المعروف بـ "الحارة"، الذي بدأ مشواره الموسيقي قبل سبعة أشهر، وأنتج خلالها ثماني أغان، عكست جوانب مغفلة فنياً من الشارع السوري.

التقت "العربي الجديد" بالشاب نوار الدبس، وهو ممثل سوري، تخرج قبل خمسة أعوام من المعهد العالي للفنون المسرحية، وكان له تجربة بسيطة في التمثيل لم تستمر لوقتٍ طويل. وفي اللقاء، تحدث "الحارة" عن الأسباب التي حولت مساره من التمثيل إلى الراب. يقول: "الشباب السوري تشرذم بعد الحرب التي وصلت لعامها العاشر، وصرنا كلنا اليوم حالات استثنائية؛ وأنا كواحد من الشباب المتخفين في سورية، صارت فرصي كممثل محصورة بالدراما المحلية التي لم أؤمن يوماً بها، منذ أن كنت طالباً في المعهد المسرحي، وفرصي بالمسرح شبه معدومة. ذلك خلّف لدي وقت فراغ كبيراً، فحاولت قتل الوقت بالكتابة. بدأت سنة 2016 بكتابة نصوص نثرية، وفي سنة 2018 صار عندي كتاب صغير بعنوان "الرجل الخشبي بالكامل"، لكنني لم أحصل على منحة لطباعته. وفي سنة 2019 كتبت أول نص راب في غرفتي الصغيرة بالشعلان".

يضيف "الحارة": "أستمع للراب العربي كثيراً، وأؤمن به كأسلوب للتعبير، وبالموسيقى عموماً. حينها، قمت بتصوير فيديو غنيت فيه لايف لأول مرة بحياتي، ونشرت الفيديو على فيسبوك، ففوجئت بانتشاره على نطاق واسع، وبأن الناس أحبوا الكلام". يتابع: "ذلك دفعني لمواصلة الكتابة، فأصبحت أرتجل وأؤدي الراب في غرفتي، حتى وجدت نفسي أغوص في السيرة. لذلك أحضرت عدة استوديو منزلي وانتقلت إلى جرمانا، لأتمكن من استئجار منزل بمفردي، وأخصص فيه غرفة وأعزلها لتكون استوديو خاصاً بي، وبدأت أتمرن وأجرب بجدية أكبر. هناك العديد من الأشخاص الذين شجعوني، منهم الرابر الأردني كرست الزعبي، الذي شجعني على خوض التجربة بعد أن شاهد الفيديو الأول. لكنني ما زلت في مرحلة التمرين والتجريب، وما زلت أبحث عن خصوصيتي في الكتابة والأداء، وعلي أن أعمل كثيراً لأتقن أصول اللعبة".

وعن السبب الذي دفعه لاختيار الراب كأسلوب فني للتعبير دوناً عن غيره، يقول "الحارة": "اخترت الراب لأنه يشبهني، ويجمع بين أشياء متعددة في شخصيتي. ولأنني من خلال الراب تمكنت من قول ما أريد قوله، وليس ما تريد الشخصيات التي أؤديها أن تقوله. ولكني لا أعرف إلى أين سيجرني ذلك، وليس لدي خطط للمستقبل، كل ما أعرفه أنني سأواصل هذه التجربة ببساطة وعفوية وسأعيش كل يوم بيومه من دون أن أرسم خطواتي القادمة في هذه اللعبة". وعن خصوصية "الحارة" التي اختارها نوار الدبس لتكون صوته في الراب، يقول: "إنني أحاول أن أصف الواقع السوري بأسلوب شخصية "الحارة"، وهي شخصية مثقفة تنتمي إلى الشارع؛ لأحكي من خلالها ببساطة عن شعوري بهذا المكان تجاه السلطة وتجاه الشعب الذي لم تنجح كل هذه السنين القاسية بتغييره. أحاول أن أستخدم لغة بسيطة ومفهومة، لأخاطب من خلالها المثقفين والبسطاء. ولم أتخل عن هذه اللغة البسيطة سوى بأغنيتي الأخيرة "كافكا" التي أنتجتها باستخدام موسيقى مجانية سحبتها من الإنترنت، والتي يستلزم فهمها معرفة كافكا على الأقل".

وعن أغنية "كافكا" التي أنتجها "الحارة" مؤخراً، يقول": "كنت أعاني من اكتئاب حاد عندما خطرت الفكرة على بالي؛ إذ شعرت أن هذه المدينة الغريبة التي أعيش بها هي من تأليف كافكا؛ وكأن المسخ يستولي على المدينة، وأنا سأكون كافكا لأنتصر".