نفاق هنري كيسنجر

07 ابريل 2020
الصورة
حافظ كيسنجر على مكانة دولية لإرثه (آدم بيري/Getty)
على الرغم من أنه خارج مواقع صناعة السياسة الخارجية الأميركية منذ حوالي خمسة عقود، إلا أنّ هنري كيسنجر حافظ على مكانة دولية لإرثه، بحيث تركت المقالة الافتتاحية التي كتبها أخيراً في صحيفة "وول ستريت جورنال" صدى عالمياً لا بدّ من التوقف عنده، لما تتضمنه من تساؤلات ومغالطات. قارن كيسنجر بشكل مستغرب، المناخ المحيط بفيروس "كورونا" اليوم، بمعركة "الثغرة" التي استمرت ستة أسابيع، في نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما هزم الحلفاء ألمانيا النازية، وأشار إلى أنه خدم في فرقة المشاة 84 في الجيش الأميركي. كان الفتى كيسنجر حينها في الاستخبارات العسكرية لهذه الفرقة، وليس في الصفوف القتالية الأمامية، وبالتالي لم تكن لديه معرفة ميدانية أولية بهذه المعركة. كما أنّ إعادة نكء جراح هذه الحرب، لم يكن المثال المناسب في مرحلة تتطلب تضامناً دولياً ضدّ عدو غير مرئي يتفشى عالمياً بسرعة قياسية. وكلامه الرومنسي عن وحدة الأميركيين في تلك الفترة، مقارنةً مع انقساماتهم اليوم، غير دقيق. كانت هناك انقسامات جوهرية حينها في المجتمع الأميركي حول جدوى التدخل في الحرب العالمية الثانية، وكانت هناك صراعات سياسية داخلية حول "الصفقة الجديدة" التي طرحتها رئاسة فرانكلين روزفلت.

رسم كيسنجر الصراع الدولي ما بعد "كورونا"، بين التيار الاستبدادي الذي يضع حماية شعوبه من التهديدات الخارجية كأولوية، والتيار "التنويري" الذي يرى أنّ شرعية الدولة توفر الأمن والرفاهية الاقتصادية والعدالة في نظام متعولم. وبالتالي دعا الديمقراطيات الغربية إلى "حماية العالم الليبرالي الحرّ".

نفاق كيسنجر ليس فقط لأنه ينتمي إلى المدرسة الواقعية التي تضع التوازن الدولي فوق كل اعتبار، لا سيما اعتبار القيم الديمقراطية، بل أيضاً لأنه أعرب أكثر من مرة عن إعجابه، ولو بحذر، بظاهرة ترامب. كما كان الراعي لتقارب الرئيس الأميركي الحالي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. هوس كيسنجر بإيجاد التوازن الدولي، كان أيضاً محرك زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972، التي أدخلت الصين إلى الاقتصاد العالمي بدون إحداث تغيير في سياستها الخارجية، أو بنيتها الاقتصادية. بغض النظر عن تقييم دوافع ونتائج هذه السياسات، تاريخ كيسنجر في دعم التطبيع الأميركي مع هذا التيار الاستبدادي، لا يضعه في أفضل موقع للدفاع عن "العالم الليبرالي الحر".

تعليق: