نانفو وانغ: حيوات مبتورة في مجتمع سلطوي

04 أكتوبر 2019
الصورة
نانفو وانغ (فيسبوك)
خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، فرضت نانفو وانغ، المخرجة الصينية التي تعيش في الولايات المتحدة الأميركية، نفسها كواحدة من أهم الصانعات الشابات للسينما الوثائقيّة في العالم. عام 2016، اختير فيلمها الأول Hooligan Sparrow في القائمة القصيرة لجوائز "أوسكار"؛ وعام 2017، فاز فيلمها الثاني I Am Another You بجوائز عديدة. أما فيلمها الثالث، One Child Nation، فعُرض في الدورة الـ35 (24 يناير/ كانون الثاني ـ 3 فبراير/ شباط 2019) لـ"مهرجان ساندانس السينمائي"، وفاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، وأصبح مرجّحًا أن يُنافس على "أوسكار" أفضل فيلم وثائقي (2020)، لموضوعه وذاتيّته في آنٍ واحد. 

بدأت فكرة الفيلم بتزامن حدثين: الأول عام، يتمثّل بإلغاء "قانون الطفل الواحد" في الصين، الذي أُقِرّ عام 1975، فارضًا على كلّ أسرة إنجاب طفل واحد فقط، معرّضًا المولودين اللاحقين به للقتل. أُلغي القانون عام 2015. والثاني شخصي: وانغ صارت أمًا، وبدأت تفكر في الانجاب مرة أخرى، وبالتالي فكّرت أنّها وُلِدت في عصر "قانون الطفل الواحد"، وأنّ لا أخ لها ولا أخت، وأنّها لو عاشَت حياتها هناك ولم يُلغَ القانون غير الإنساني لاضطرت إلى كبت تلك الرغبة الإنسانية البديهية في الإنجاب ثانيةً، لأن الدولة تمنعها. أولاً، الفيلم عن القانون، إذْ تذهب نانفو وانغ إلى الصين، وتُجري بحثًا ضخمًا وعشرات المقابلات، بدءًا من قريتها الصغيرة، التي وُلدت وعاشت طفولتها ومراهقتها فيها. هناك، تساءلت عن أمور لم يكن يُسمح لها بالسؤال عنها: كيفية تطبيق هذا القانون، ومشاعر الأشخاص الذين يطبّقونه. التقت عمدة القرية، ونساء تعرّضن للإجهاض، أو أُخذ منهنّ أطفالهنّ، وسيدات أجهضن، أو "قتلن" مواليدهنّ. تسأل من دون حَرج، وتبحث عن إجابات حقيقية عن كيفية نشوء تلك الأمّة، وتحوّل القانون من نصٍ إلى تطبيق عاشه بلدها 40 عامًا كاملة.



أثناء اشتغالها، تكشّفت تفاصيل وحكايات درامية مؤثّرة: طفلتان توأم، عاشت إحداهما في الصين، بينما هرّب الأهلُ الأخرى خارج البلد، فبحثت الأختان إحداهما عن الأخرى. كلتاهما متشابهتان شكلاً وملامح، من دون أن يشتركا في أيّ شيء آخر.

هذا خَط لآلاف الحالات، التي دفعت منظّمات إلى وضع قاعدة بيانات للأحماض النووية للأطفال المُهرّبين من بلدهم، لمساعدة أهاليهم على إيجادهم، وصولاً إلى حكايات جانبية، كتلك التي عملت على إجهاض نساء وقتل مئات الأطفال، والآن باتت تعمل في مجال أدوية الخصوبة، "تكفيرًا" عن خطيئة قتلها مولودين جدد، وللمساعدة في ولادة أطفال جدد.

تتبع نانفو وانغ تفاصيل عن كيف أثّر هذا القانون على الناس جميعهم، وحمّلهم ذنبًا أو غضبًا، بطرقٍ مختلفة. مع هذه الحكايات، تظهر الطبقة الثانية في ما تريد وانغ أن تحكي عنه: الأنظمة المُتسلّطة، وما تفعله بالناس، وكيفية استغلال الإعلام والشرطة والترهيب لتنفيذ فكرة غير إنسانية لمشروع تتبناه السلطة. مؤثّر جدًا كيف تقوم وانغ، قبيل نهاية الفيلم، بتقطيع جملٍ مشتركة تقولها الشخصيات، الجناة والمجني عليهم، عن أنّه "لم يكن لدينا خيار آخر"، أو "كان من المستحيل المعارضة". إذاً، الفيلم أقرب إلى صورة واسعة عن حيوات مبتورة للناس، في ظلّ مجتمع سلطوي.