نادرة كيفوركيان: الفلسطينيات يعشن أشكالاً متعددة من القمع

07 مارس 2017
الصورة
نادرة كيفوركيان (العربي الجديد)
+ الخط -
ربما تكون الناشطة نادرة شلهوب كيفوركيان الأولى أو الوحيدة التي أجرت بحوثاً ودراسات عن الموت والولادة في فلسطين، كما ركزت على ارتباط مشروع الاستيطان الوثيق بالعنف الجنسي، من خلال عملها كمديرة لبرنامج الدراسات النسوية في "مدى الكرمل: المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية" في حيفا.

كان لـ "العربي الجديد" لقاء مع المتخصصة في علم الجريمة وقضايا الشعب الفلسطيني، تحدّثت فيه عن واقع المرأة الفلسطينية، والأمن الإسرائيلي، ومحاولة احتلال حواس الشعب الفلسطيني.


ما رؤيتك لوضع المرأة الفلسطينية في مواجهة أشكال العنف؟

واقع المرأة الفلسطينية يرتبط بعدّة مركّبات، منها جغرافي - سياسي مرتبط بالاستلاب الاستيطاني، ومنها الأبوي الذكوري، والقانوني الاجتماعي الذي يعتمد هيكليات في القمع، ويختلف تفاعل تلك المركبات باختلاف المنطقة الجغرافية، فحال المرأة في القدس المحتلة مثلاً يختلف عن مناطق أخرى، نتيجة وجود القانون الإسرائيلي والقانون الشرعي، وأجهزة القضاء الموازي المختلفة.

في أي منطقة جغرافية تعتبر أوضاع المرأة الفلسطينية أفضل؟

المرأة الفلسطينية عموماً تعاني من تمييز مركب، لأنّها تابعة لأقلية وطن، وموجودة في دولة تضم من يرفضها، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بقضية الإنجاب التي تقاوم بقوة محاولات السيطرة الديمغرافية الإسرائيلية. الفلسطينية داخل إسرائيل فقيرة، وأقل حقوقاً مقارنة باليهودية.

تحت أي غطاء قانوني تقرّر إسرائيل عدم منح شهادات ميلاد؟

تمنع إسرائيل عن كثير من الأطفال الحصول على هويّة، اعتماداً على القانون الإسرائيلي المشابه لأي قانون استعماري، وتسن قوانين للسيطرة على المقدسيين، والبرنامج الإسرائيلي الديمغرافي يهدف إلى أن يكون هناك 30 في المائة من الفلسطينيين و70 في المائة من اليهود في القدس. عدد الفلسطينيين اليوم يتضاءل، وهناك نساء ورجال وأطفال لا يملكون هويّات، ومنهم من تسحب هوياتهم.

وكيف تقيمين وضع المرأة المقدسية؟

قضية المرأة في القدس خاصة جداً، كونها تعاني من قمع مركب نتيجة صراع القوانين، بالتزامن مع وجود عدة منظومات قمع غير مرئية، ونساء بلا هوية، وظروف اقتصادية غير مساندة، وتأنيث الفقر، وتزويج القاصرات. لا شك أن العلاقة بين الوضع السياسي والعنف ضد المرأة من القضايا المهمة.

يُلقى اللوم على المرأة أو الضحية عموماً في مجتمعاتنا. كيف يمكن معالجة ذلك؟

لوم الضحية موجود في جميع المجتمعات وليس فقط في المجتمع العربي، ولوم المرأة وفق مظهرها الخارجي مثلاً أمر سهل، وهذا جزء من دراستي بعنوان "blaming Shaming and Naming" أي لومها وإحراجها ووصمها. في الماضي، درّبت قضاة فلسطينيين وأردنيين، وسمعت تعليقات من قضاة، منها أنّهم يستطيعون التعرّف على شخصية المرأة حين تطأ قدمها قاعة المحكمة، وهذا حكم مسبق على الشخص بسبب نوعه الاجتماعي.



هل هناك جهات في فلسطين قادرة على حماية المرأة من العنف؟

لدينا ملاجئ عدة في فلسطين. لكن السؤال الأساسي: هل الملجأ هو عنوان؟ لا أعتقد ذلك فهو أحد أساليب التعامل مع المشكلة. ربما تشعر المرأة في الأشهر الأولى بالارتياح في الملجأ ولكنّها لن تمضي حياتها داخل مأوى. الأمر يحتاج إلى مؤسّسات، أو وزارة رفاه اجتماعي، وتحقيق ذلك يتطلب دولة، بينما نحن في وضع اللادولة.

تتناول محاضراتك ارتباط الاستعمار الاستيطاني بالعنف الجسدي ضد المرأة الفلسطينية، فكيف ترين ذلك؟

تحدّثت كثيراً عن كيفية قراءة جنسية المرأة في ظل عنف الاستيطان الإسرائيلي، وأحد الأمثلة في كتاباتي، أنّه خلال حرب غزّة أعلن مردخاي كيدار، وهو أكاديمي خدم 25 عاماً في شعبة الاستخبارات الإسرائيلية، عند سؤاله عن كيفية التعامل مع المقاومة الفلسطينية، أن "الطريقة الوحيدة هي تخويفهم واغتصاب نسائهم"، وفي أحداث جنين، قال إسرائيليون عبر مكبّرات الصوت: "يا أهالي جنين سلّموا أنفسكم وارحموا نساءكم".

وأشرت في كتابي "لاهوتية الأمن، المراقبة، الملاحقة وسياسات الخوف" إلى العلاقة الوطيدة بين الأرض والجسد في مسار الاستعمار الاستيطاني. ومحاولة إسرائيل محونا، من منطلق إيمان اليهود باللاهوتيات التي تلعب دوراً في مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني، ومنها لاهوتية الأمن ولاهوتية التوراة التي حوّلت الله إلى سمسار أراضٍ يقدّمها لليهود.
أنا أيضا مهتمة بما أسميه "احتلال الحواس" الأبعد من احتلال الأرض، فحين يرشون مياه المجاري على مدارس البنات أو على العيادات، وحين تنتشر الأعلام الإسرائيلية في كل مكان، وتخرج موسيقى وأغانٍ تمجد المُحتَل، تخترق تلك المظاهر حواسنا رغماً عنّا.

ماذا تقصدين بـ"قانون النكبة"؟

قانون النكبة يمنع عنّا حق التحسّر أو الشعور بالألم في داخلنا، فأنا ابنة امرأة حاولت مرّتين العودة إلى أرضها بعد أن أرغمت على الرحيل إلى لبنان. وحين عادت إلى بيتها في حيفا سمّيت بالمتسلّلة. عادت على الرغم من الخوف الكبير حين كانت إسرائيل تطلق النيران على أي شخص يحاول العودة. تعرّضت لمتاعب كثيرة أثناء الطريق، وقصّت شعرها كالصبيان كي لا تلفت الانتباه. وبعد وصولها سلمها والدها إلى اليهود، لأنّ أي شخص كان يخفي في منزله ما يصفونه بالمتسلّل كان يعتبر خارجاً عن القانون ويمكن هدم بيته. سجنت فترة وخرجت بعدها.

هل حسّنت المؤتمرات التي تعقد باسم المرأة الفلسطينية من وضعها؟

المؤتمرات مهمة، لكن الأساس هو البحث في دقائق الأمور في الحقل، وفي الشوارع، وبين الناس، وفي المدارس، كي تتمكن الباحثة والناشطة النسوية من قراءة المجتمع بدقة.

كتاباتي تعكس هذا الاهتمام، خصوصاً دراستي لسياسات الولادة والموت في القدس. فقضايا هدم البيوت كُتبت بشكلها القانوني البحت، وقراءتي لها مختلفة كليّاً، إذ عملت مع عائلات دمّرت منازلها في القدس، أو هدّدت بتدميرها. القراءة القانونية الجافة لا تكفي في فلسطين، لأن القانون هو أداة للقمع والسلب.

المساهمون