من الانتفاضة الأولى إلى إعدام البطولة

08 ديسمبر 2019
الصورة
رام الله في شباط/ فبراير 1988 (Getty)
+ الخط -

في اليوم الأول من المدرسة، بعد قرار الحاكم العسكري الإسرائيلي فتح المدارس الابتدائية فقط بُعيد الإغلاق الذي استمر لأكثر من ثلاثة أشهر كردّ على نشاطات الانتفاضة، ذهبتُ إلى المدرسة بقدمٍ منتفخة جرّاء قرصة نحلة، سبّبت لي حساسية شديدة حالت دون قدرتي على ارتداء حذائي بما يليق بطفل يعود إلى مدرسته بعد غياب طويل.

وصلتُ المدرسة خائفاً، على نفسي أنا ابن الصف الثاني الابتدائي، ومن الحالة التي قد تنفجر في أيّة لحظة. كانت الأوضاع في غاية الفوضى والارتباك. طلبوا منّا الانتظام في الدراسة في المدرسة الثانوية التي تبعد عن المنزل مسافة طويلة جدّاً، ذقتُ أثناء رحلة الذهاب الأمرَّين بسبب القدم المتورّمة، وخوف القدم السليمة من أعباء الطريق وحدها. كان سلاح الناس في تلك الأيام الحجر وسرعة الركض أثناء هجوم الجيش، وكنتُ معطوباً؛ بقدم متورّمة وقلب صغير خائف من كل شيء. دقائق قليلة، وحدث ما كنتُ أخشاه... اشتعلت المواجهات في محيط المدرسة، ووجدتُ نفسي مثل قطّة ترتجف، مختبئاً في دكّان قريب، سرعان ما أعلن الجيش حظر التعليم وإغلاق المدارس مرّة أخرى.

شنّت قوّة الاحتلال بُعَيد ذلك أكبر عملية اعتقال طاولت كل نشطاء الانتفاضة من شبّان وطلبة مدارس وجامعات. قالوا، أيامها، إنها كانت أكبر حملة اعتقالات منذ مطلع الانتفاضة. أُغلقت المدارسُ كلّها، أعلن الحاكم العسكري وقف عملية التعليم إلى إشعار آخر، وحُوّلت مدرستنا الابتدائية التي كان اسمها - وما زال - "المرابطين" إلى ثكنة عسكرية، وتحوّلت الصفوف إلى غرف اعتقال، والساحة إلى مهبط طائرات عسكرية.

عبر شرفة بيتنا التي تطلّ على المدرسة، رأيتُ لأوّل مرة طائرات هليكوبتر عسكرية تهبط وتُقلع من هناك، وسمعت لأوّل مرّة أهازيج جنود الاحتلال، التي لم أفهم منها شيئاً، تُدوّي في ليالي البلاد المعتمة. لم يكن الجندي أيامها موقناً بنصره، ولم تكن اللحظة الفلسطينية قد انفجرت بكلّ ما فيها. كانت اللحظة تحمل من الأسرار ما هو عصي على التنبّؤ. استمرّت الأغاني البشعة القادمة باستمرار من المدرسة لوقت طويل، لوقت طويل جدّاً، ممزوجة بنداءات: "ممنوع التجوّل وكل من يخرج من المنزل يُطلق عليه الرصاص"، إلى أن فردت اللحظة الكابوس نفسه على زمن الفلسطينيّين الجديد، الزمن الذي جرى فيه توقيع اتفاق السلام بين الفلسطينيّين و"الإسرائيليين"، أو ما بات يُعرف بـ "اتفاق أوسلو للسلام"، والذي أُعلن معه انتهاء الانتفاضة تماماً.

في ذلك اليوم، تابع الفلسطينيّون في الساحات العامّة والملاعب والمدارس والمنازل مشهد التوقيع في "البيت الأبيض". كانت لحظةُ التوقيع هي اللحظة التي ارتطم فيها كل شيء بكل شيء. انفضت جموع المشاهدين بعد التوقيع وسالت في الشوارع، لم يكن الجيش الإسرائيلي قد غادر المدن، وفي اللحظة التي التقت فيها الجموع مع مركبات الجيش، انهمرت الحجارة على المركبات وفوق رؤوس الجنود. محض لحظةٍ تاريخية مرتبكة ومتداخلة، ألقت الجموع حجارتها الأخيرة على الاحتلال، احتاجت الجموع هذا النوع من الوداع. كان إلقاء الحجارة في الوعي الفلسطيني وعلى مرّ الزمان حالة نضالية، احتفالية، تعبير عن الغضب والاستعراض والفرح والمقامرة على زجاجة كولا أو لعبة ورق.

الحجارةُ في الوعي الفلسطيني مثل الرقص والرسم والسرقة والغش وكتابة الشعر، حالة مسكونة بالتفاصيل والحياة والوجدان، لم يكن من السهل أن تغادر الحجر إلى رفاهية التفاصيل اليومية، وتهمة العيشة العادية. عاش الإنسان الفلسطيني على بطولاته الصغيرة ومعاناته الهائلة حتى يبقى، حتى يصعد سلّم الحياة. كانت لحظة توقيع الاتفاق هي لحظة إعدام البطولة المفرطة والملائكية الأرضية.

قصّت الاتفاقية أجنحة الملائكة، وفقأت الدائرة أعلى الرؤوس. كانت الانتفاضةُ بمثابة الثورة على اللحظة الراهنة، تقتنص انتصاراتها من اليومي والراهن والتفصيل الصغير، ولعل من المحبط التذكُّر الآن أن فلسطين الشاملة الكبيرة لم تنتصر بعد كل ذلك، بل ذهبَت إلى ما هو أسوأ من الهزيمة والفشل والنكوص، بعدما كان الشعار فلسطينياً بامتياز، ومثلما تحوّل الزمن أثناءها إلى زمن فلسطين المطلق، ومثلما أحضرت الانتفاضة فلسطينَ من غيابها اليائس إلى الواجهة والوجدان والتلفاز.

كان الفلسطينيُّ يحب معاناته تلك، ولا يستطيب مغادرتها، مثل الكردي، "ليس له إلّا الريح". استيقظنا في اليوم التالي على الزمن الفلسطيني الجديد، زمن النقابة والمؤسّسة والابتسامات المتبادلة مع العدو على التلفاز. في تلك اللحظة، في تلك اللحظة بالذات، أُصيب الشعب الفلسطيني بفايروس السلام الوهم، سلام التنمية والبناء والحياة العادية والأمراض الاجتماعية وتشوُّهات الروح والكذب الوطني، والشعارات المجانية التي لا تفقس بيضة ولا تخلع ضرساً. صارت الكوفية المقدّسة قطعةَ قماش، والعلم الفلسطيني والنشيد الوطني مثل مرحباً، قريبة من الفم، بعيدة جدّاً جدّاً عن الوجدان.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8 ديسمبر 1987

تدخل اليوم ذكرى انتفاضة 1987 عامها الثالث والثلاثين وسط انتفاضات عربية مستمرة وتساؤلات حول فلسطين وقدرة شعبها على الانتفاض أو بالأحرى عدم انتفاضه. وإن بدا السؤال مشروعاً فإنه يغفل أن الشعب الفلسطيني جاوز قرناً كاملاً من النضال ضد المشاريع الاستعمارية التي بدأت بالاحتلال البريطاني أيضاً في 8 ديسمبر 1917، وهو اليوم ممزّق على أرضه المحتلة بجدران اتفاقية أوسلو وعقابيلها من "تنسيق أمني" و"انقسام".

المساهمون