ممرّضون لبنانيون... أبطال يروون حكاية إصابتهم بكورونا وشفائهم

25 مايو 2020
الصورة
تداوي أحد المصابين بكورونا (بن هاستي/ Getty)


مع بداية وصول فيروس كورونا الجديد إلى لبنان، أصيب عشرة ممرضين في مستشفى سيدة المعونات. اليوم، تأكد شفاؤهم جميعاً، وقد تحدث بعضهم لـ "العربي الجديد" عن ضرورة التفاؤل للمواجهة وأهمية التوعية، مؤكدين استمرارهم في رسالتهم الإنسانية 

حسَمَ العديد من الأطباء والممرّضين والمسعفين حول العالم خياراتهم بتقديم الرعاية الطبية اللازمة لمرضى فيروس كورونا الجديد، بهدف الحدّ من الانتشار المتسارع لهذا الوباء العالمي، غير مكترثين باحتمال التقاطهم العدوى من مرضاهم، انطلاقاً من تسلّحهم برسالة إنسانية.

في لبنان، وتحديداً في مدينة جبيل شمال العاصمة اللبنانية بيروت، لم يسلم عدد من أفراد الطاقم التمريضي في مستشفى سيدة المعونات الجامعي من الإصابة بالفيروس خلال الشهر الماضي، وتحوّلوا فجأة من ممرّضين وممرّضات إلى عشرة مرضى معزولين في قسم خاص داخل المستشفى نفسه، وذلك في المراحل الأولى لانتشار الفيروس في لبنان بعد تسجيل إصابة مريض لبناني قادم من مصر قبل أن يفارق الحياة لاحقاً.



الطاقم التمريضي الذي تماثل خمسة من أفراده للشفاء التّام قبل أن يُسجّل شفاء الخمسة الباقين، يروي لـ "العربي الجديد" مراحل اكتشاف الإصابة مروراً بالعزل الصحي والحجر المنزلي وما اختبروه من عوارض، وصولاً إلى مرحلة إعادة الفحوصات والتأكّد من الشفاء، لينضمّوا بذلك إلى قافلة الناجين من وباءٍ عالمي يستنزف أنظمة الدول الصحية والاقتصادية، ويعطّل مرافقها الحيوية، ويلزم غالبيّة شعوب العالم البقاء في المنازل.

بلغةٍ ملؤها التفاؤل، يروي الممرّض المُجاز في مستشفى "سيدة المعونات" الجامعي روي رميا لـ "العربي الجديد"، كيف التقط العدوى وهو يقوم برعاية أحد مرضى السرطان الذي كان قد أُصيب بدوره بالفيروس بسبب اختلاطه بمريض قدم من مصر. يقول: "بمجرّد أن تأكدت إصابة أول مريض بالفيروس في المستشفى، حتى بادرت إدارة المستشفى إلى إجراء الفحوصات المخبرية لجميع العاملين في الطابق الذي كان يرقد فيه المريض، سواء للممرّضين أو الأطباء أو الإداريّين وغيرهم".

يتابع: "منذ تسجيل تلك الإصابة، قرّرت قضاء ليلي ونهاري في المستشفى، خوفاً من نقل العدوى في حال كنت أحمل الفيروس إلى أهلي وأقربائي. وبعد إبلاغي بنتيجة الفحص وتأكّد إصابتي، تمّ نقلنا وزملائي المصابين إلى جناح خاص مخصّص للعزل، حيث وُضع كلّ منّا في غرفة منفصلة عن الأخرى ومجهّزة بكل ما نحتاجه، إضافة إلى الفطور والغداء والعشاء وخلطات لتعزيز المناعة، ومتابعة طبية ونفسية حثيثة واتصالات يومية من الإدارة للاطمئنان، ومجموعة من الألعاب للتسلية وغيرها، ما جعلنا نشعر وكأنّنا في بيوتنا".



ويشير رميا إلى أنّ "العوارض كانت طفيفة لدى المصابين العشرة من الطاقم التمريضي"، ويلفت إلى أنّه لم يعانِ من حرارة مرتفعة أو سعال أو ضيق تنفّس حاد، غير أنّه أُصيب فقط بألمٍ شديد في القدمين والأصابع وأنحاء أخرى من جسده على مدى ستة أيام متتالية بعد تأكّد إصابته، ولم تكن المسكّنات تجدي نفعاً إلا لساعتين فقط"، مشدّداً على أنّ "فيروس كورونا لا يدعو إلى الهلع، فهو مثله مثل الإنفلونزا العادية (الرشح)، ومناعتنا قادرة على محاربته في حال كانت قويّة وفي حال كنا مرتاحين نفسيّاً. حينها، لا نحتاج إلا لحبّتين من المسكّنات".

وفي حين يذكّر بأنّ "العزل ضروري نظراً لسرعة انتشار العدوى بالفيروس"، يقول إن "التقاط الفيروس بحد ذاته ليس عيباً. على العكس، أشعر بالفخر كوني أُصبتُ وأنا أؤدّي واجبي الإنساني"، مضيفاً: "مستشفى سيدة المعونات الجامعي ليس موبوءاً، وليس كلّ موظّفيه مصابين بالفيروس، لكن للأسف نتعرّض للتهميش الذي يلحق أيضاً بالموظّفين الإداريّين. كما أنّ بعضاً من زملائي المصابين تعرّضوا للتنمّر من قبل أقربائهم، وأنا بدوري واجهتُ ذلك بعد انتهاء فترة العزل وعودتي إلى المنزل. اتصل أحد أقربائي يطلب منّي عدم العودة إلى العمل أو السكن بمفردي، علماً أنّني واصلت العزل المنزلي مدّة أسبوع إضافي على الرغم من شفائي التّام كوني أسكن أيضاً مع والدي ووالدتي اللّذين أُصيبا بانهيار كامل لدى معرفتهما بإصابتي. كانا يبكيان عند كل اتصال بي، قبل أن تساهم التطمينات الطبية في إعادة الأمل والحياة إليهما". ويردّد ابن الثلاثة والعشرين عاماً: "تفاءلوا وابتسموا، تقبّلوا المرض والإصابة، لا تخافوا بل حاربوا للبقاء، فبعد كل حزن أو ضيقة فرج قريب".

لا خجل من الإصابة
حالة مشابهة عايشتها ممرّضة مُجازة في المستشفى ذاته، فضّلت عدم ذِكر اسمها. تقول لـ "العربي الجديد": "تخرّجت منذ عامين وبدأت مزاولة المهنة من دون أن أعرف أنّني سأكون يوماً ما المريضة لا الممرّضة، غير أنّني أفتخر بإصابتي. نحن أبطال حقيقيّون واجهنا الفيروس من دون أدنى خوف أو ذعر، فكلّ شخص منّا معرّض، كما أنّ فيروس كورونا مشكلته فقط في انتشاره السريع، إذ إنّ نسبة وفياته لا تزال قليلة جداً، علماً أنّ الإنفلونزا العادية تتسبّب بعدد وفياتٍ أعلى، غير أنّ البعض للأسف لا يفقه ذلك أو أنّ الخوف يسيطر عليه".

وتتحدث عن مدى الدعم الذي تلقّته من المستشفى ومن عائلتها والرعاية والاهتمام. "عُزلنا في جناح خاص وكانت كل غرفة مزوّدة بجهاز تلفزيون وإنترنت وكل وسائل الراحة والتسلية، إضافة إلى الوجبات الغذائية اليومية وغسل ملابسنا وغيرها من سبل الوقاية التي تبقى هي الأهم". تتابع: "طوال أيام العزل لم أشعر بأيّ عارض. ربّما يعود ذلك لمناعتي القويّة، كما أنّنا حظينا بمراقبة ومتابعة يومية من طبيب كان يرتدي ملابس الوقاية ويتحدث إلينا من أمام لوح زجاجي يفصل الجناح الذي كنّا فيه، إضافة إلى أخصائية تغذية كانت تتابع نظامنا الغذائي باستمرار".

وتشير الشابة العشرينيّة إلى أنّها، وقبل صدور نتيجة فحصها بيومين، بدأت بالحجر المنزلي وإجراءات الوقاية والتعقيم، وعزلت نفسها عن أهلها ولازمت غرفتها مع دورة مياه خاصّة ومناشف خاصّة، كما كانت تتناول الطعام بمفردها. وبعد صدور النتيجة توجّهت فوراً إلى القسم المخصّص في المستشفى حماية لأهلها، الذين خضعوا بدورهم للفحص وجاءت النتيجة سلبية. وعلى الرغم من ذلك التزموا الحجر المنزلي.



وتختم حديثها قائلة: "قضيتُ على الفيروس وشُفيت تماماً وجاءت نتيجة الفحص الثاني سلبية، وها أنا اليوم بين زملائي عاودت الانضمام إلى طاقم المستشفى بعد فترة استراحة بسيطة، وذلك استجابة لكل استغاثة أو نداء إنساني".

انعدام الوعي
يأسف الممرّض المُجاز في مستشفى "سيدة المعونات" الجامعي، روي رميا، لـ "انعدام الوعي لدى كثيرين. البعض لا يصدّق أنّني لم أعد أحمل العدوى، علماً أنّ رسالتنا كممرّضين هي الحماية والوقاية، ولا يمكن أن نشكّل أذى لأيّ شخص قريب أم بعيد". ويكشف أنّه عاد إلى العمل واختار القسم المخصّص للعناية بمرضى الكورونا.

دلالات

تعليق: