ملاحظات على هامش حصار قطر

03 يونيو 2020
الصورة
لا تنفع الأحكام المطلقة لتقييم مرحلة العداء الذي أعلنه محور السعودية ــ الإمارات لقطر قبل سنوات ثلاث. القول إنه أضفى تعدّدية سياسية على المشهد العربي، ومَنَع هيمنة يسعى إلى فرضها "المحور"، تقدير صحيح، لكنه لا يغطّي وحده أبعاد الصورة كاملة. أما التباكي على مصطلحات فضفاضة من نوع "العائلة الخليجية"، فلا يفي بالغرض إلا بالنسبة لهواة الإنشاء. 
مفاعيل ما بدأ كحرب سعودية ــ إماراتية من دون نيران، ذات 5 يونيو/ حزيران 2017، ضخمة، تشمل فسيفساء من قطاعات الحياة، ليست السياسة إلا إحداها. فقد سارت مياه غزيرة في نهر الحصار: وُلدت عداوات اجتماعية وعشائرية بين شعوب منطقة متداخلة في بعض أوجه قبلية وعائلية ومصلحية وفي المصاهرات وعلاقات القربى. ومَن يرصد تعاطي إعلام محور الحصار مع الشقاق الاجتماعي، وما يترتب عنه من أضرار إنسانياً واجتماعياً، يتيقّن أنّ هناك من هو مبتهج بتغذية العداء لشعب قطر والمقيمين فيها معهم، ولشعوب بلدان خليجية أخرى بشكل موسمي في كل مرّة أصرت الكويت وعُمان على عدم الانخراط في الحملة السعودية ــ الإماراتية. صُرفت أموال طائلة من كلا الطرفين في إطار الهجوم أو الدفاع عن النفس، على شاكلة صفقات أسلحة واستثمار سياسي في تمويل لوبيات في الغرب وأميركا خصوصاً، إما لتسويق رواية المحاصِرين، أو لتحصين الموقف القطري في مراكز صنع القرار. أموال كان يمكن وضعها في مشاريع اقتصادية تنموية تنفع المواطن الخليجي أو العربي غير الخليجي. لكن في كل هذا وذاك، اجتماعياً واقتصادياً، كان هناك فعل من "المحور"، يقابله رد فعل من قطر. وما استسهال مساواة الطرفين بصيغة أن "الكل مخطئون"، إلا ثرثرة على طريقة شيوخ الصلح، لا قيمة لها سوى في تبرئة الذمة والتهرب من تحديد المسؤوليات وهوية البادئ.
سياسياً، لم يعد هناك الكثير لكي يُضاف إلى ما سبق أن قيل. قطر تنظر إلى نفسها وإلى الخارج العربي خصوصاً، بشكل مختلف تماماً عن نظرة طرفَي المحور. ليست نظرة ثورية طبعاً، بل مجرد نظرة مختلفة. صحيحٌ أنها حاولت مراعاة "الأخ الأكبر" في قرارات سياسية كبيرة، مثل انخراطها في حرب التحالف السعودي في اليمن، إلا أن ذلك كان الاستثناء الذي يثبت القاعدة، قاعدة بحث قطر عن هوية دور سياسي خاص بها. كلام لم يعد فيه أسرار، إذ تجاهر الدوحة به، ويُترجم يومياً أفعالاً ومواقف في ساحات عربية عديدة، منذ اندلاع انتفاضات الربيع العربي، مروراً بالتعاطي مع الإسلام السياسي وحركاته، والعلاقة بإيران وتركيا، والرغبة بدور قطري خارجي ليس شرطاً أن يتلاءم مع التوجه السعودي ــ الإماراتي. والحال أن السعودية مثلما نعرفها، لم تكن، وعلى الأرجح لن تكون قادرة قريباً على التعايش الطبيعي مع جارٍ يملك طموحات وتطلعات سياسية منفصلة عن نظرتها هي لنفسها وللخارج. وكحال الأب المتسلط، ترفض الرياض، من تلقاء نفسها وبتحريض من أبو ظبي، الفصل بين الملفات، بدل الاعتراف بوجود خلاف سياسي حاد مع الدوحة يرقى إلى مرتبة الانفصال، وتنظيم العلاقة الثنائية على هذا الأساس، وتحييد العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عنه. من وجهة نظر هؤلاء، إما أن تكون قطر سياسياً حالها كحال البحرين تردد ببغائياً ما تقوله المملكة، أو أنها لا تكون: إما كل شيء أو لا شيء. سلوك لا سياسة فيه، تختصره صورة ذاك المشروع الأخرق بشق قناة تفصل بين الحدود السعودية القطرية.
أما وقد انقضت سنوات ثلاث على هذه الحال المرشحة للاستمرار، وأثبتت قطر قدرتها على التأقلم مع الوضع، و"المحور" راغب بنقل تجربة حصار أميركا لكوبا إلى الخليج، وجب تذكر أن ثمن أي مصالحةٍ بين الطرفين، إن لم تكن قائمة على قناعة سعودية ــ إماراتية بإمكانية التعايش مع جار "مختلف" وتنظيم الخلاف من دون عداء وتحريض وحملات ومؤامرات، ستكون كارثية سياسياً، كلفتها عربيا أكبر بكثير مما أنتجته مغامرات الشاب المتهور منذ سنوات ثلاث.
تعليق: