مقاهي بغداد القديمة... مقاومة الاندثار بفضل المرتادين الأوفياء

30 اغسطس 2019
الصورة
لطالما اجتمعت النخبة المثقفة فيها (العربي الجديد)
"عادة قديمة متجددة لا أستطيع تركها" ذلك باختصار تبرير عاصف حمادي، لزيارته المستمرة إلى مقاهٍ قديمة في بغداد، ومجالسة الكتّاب والمثقفين، الذين يحققون رغباته في التعبير عن مواضيع تشغله بطرحها عبر وسائل الإعلام المختلفة.
حمادي، وهو في أوائل السبعينيات، يقول إنّ عادته تلك لازمته منذ كان تلميذاً ثانوياً، أي قبل أكثر من خمسين عاماً، وقد التقى بشخصيات "كبيرة ومهمة" على مستوى الثقافة والأدب العربي، كلّهم جمعته بهم مقاعد المقاهي، وقد مات كثيرون منهم، وهو الآن على علاقة بنخبة كبيرة وواسعة من الكتاب والمثقفين والصحافيين الشباب والمخضرمين، بحسب قوله.
يؤكد حمادي لـ"العربي الجديد" أنّه على الرغم من "منفعة فكرية لا حدود لها" نالها بسبب مجالسته هذه النخب، فقد نفع بوجوده في هذه المقاهي "أدباء وصحافيين" أيضاً. يضيف: "كنت وما زلت حين أريد أن أوصل شكوى من أمر ما إلى الجهات الرسمية أو ملاحظة ما أو أنتقد حالة سلبية، أقول ما عندي لكاتب مرموق صاحب شهرة واسعة، أو صحافي يعمل في صحيفة واسعة الانتشار، ولاحقاً أجد المشكلة أو القضية التي طرحتها منشورة في مقال أو تقرير صحافي"، وهو ما يعني في الوقت نفسه تقديم أفكار ومعلومات وأخبار عما يدور من أحداث أحياناً إلى هؤلاء الكتّاب والصحافيين، وهي أساسية في عملهم إذا كان المصدر ذا مصداقية. يستدرك: "لكنّ هذا لم يكن السبب وراء إدماني الجلوس في هذه المقاهي القديمة، بل كون هذه المقاهي تحمل بصمات الطبقة المثقفة ومن بين أفرادها كبار باتت ذكرياتهم عالقة بين جدرانها وفي زواياها وعلى أرائكها".
في العاصمة العراقية بغداد عدد كبير من المقاهي القديمة التي على الرغم من بساطتها وشعبيتها عُرفت بأن مرتاديها من الطبقة المثقفة، من كتّاب وشعراء وصحافيين وفنانين، تنتشر على جانبي بغداد، لجهتي الرصافة والكرخ، وأبرزها كانت في شارع الرشيد، أقدم شوارع العاصمة، من أشهرها مقهى الزهاوي، ومقهى حسن عجمي، ومقهى الشابندر، ومقهى أم كلثوم ("الأسطورة" حالياً) ومقهى البرلمان، فضلاً عن مقاهٍ أخرى في عدة أحياء قديمة من بغداد، مثل مقهى إبراهيم عرب، ومقهى الحاج خليل القيسي، ومقهى البيروتي، ومقهى البلدية، ومقهى خليل، ومقهى المعقدين، ومقهى جزيرة العرب، ومقهى ناصر حكيم.




في مقهى الأسطورة، أحد أقدم مقاهي بغداد، يجلس مجموعة من الكتّاب المعروفين، من بينهم الكاتب كمال لطيف، والإعلامي هيثم مزبان، يشغلهم حديث عن الواقع الثقافي المحلي. يؤكدان لـ"العربي الجديد" أنّ المقهى لا غنى للمثقف عنه، لا سيما المقاهي القديمة، التي تمثل بالنسبة لهما وغيرهما من الكتّاب والشعراء والصحافيين والمثقفين "ملتقى معرفياً ومتنفساً لا غنى عنه"، بحسب لطيف.
الحال لا تختلف كثيراً بالنسبة للشاعر والصحافي علي سالم، الذي يجد في مقاهٍ قديمة كانت ترتادها منذ عشرات السنين النخبة المثقفة "ملجأ روحياً". يقول إنّه من خلال جلوسه فيها ينشد الهدوء النفسي: "للمقاهي هذه أثر بالغ في النفس، وأنا أتكلم عني وعن كثيرين غيري من زملاء شعراء وفنانين ومثقفين ومبدعين". يتابع سالم لـ"العربي الجديد" أنّ عوامل عديدة تعطي هذه المقاهي الصفات التي ذكرها، من بينها "ارتباطها بأحداث كثيرة مرت بها البلاد، وكانت هذه المقاهي حاضرة فيها، منها خروج الثورات، وعقد اللقاءات السرية للمعارضين، وزيارة شخصيات كبيرة لها، من بينهم رؤساء حكموا البلاد، وشخصيات عربية وأجنبية مهمة، من أبرزهم الشاعر الهندي طاغور الذي جلس في مقهى الزهاوي عندما زار بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي".



سالم وهو شاعر شاب، أصدر قبل خمسة أعوام مجموعته الشعرية الأولى، ويسعى لنشر مجموعة شعرية جديدة، يعمل أيضاً في مجال الصحافة، إذ ينشر في صحف محلية وعربية حول الواقع الثقافي في العراق، يعبر عن اعتقاده أنّها "مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقي وغيري من المثقفين للإبقاء على روحية هذه المقاهي، فمثلما كانت تمتاز باحتضان الطبقة المثقفة والواعية لا بد من الإبقاء على هويتها تلك".
الحديث عن علاقة الطبقة والنخبة المثقفة بهذه المقاهي لا تعني أنّ بقية طبقات المجتمع تعتزل هذه الأماكن، بل إنّ سمعتها جعلت منها مقصداً للزائرين من مختلف الفئات. يؤكد أصحاب تلك المقاهي ومن يديرونها أنّ مقاهيهم لقدمها وبسبب رموزها من سياسيين وأصحاب فكر وشخصيات فنية ورياضية معروفة اعتادوا ارتيادها، يعتبرها جميع العراقيين من رموز بغداد. وبحسب محمد الخشالي، صاحب مقهى الشابندر، الذي يتحدث إلى "العربي الجديد"، فإنّ مختلف أطياف المجتمع تحرص على زيارة المقهى. يعتبر الخشالي أنّ حرص عدد كبير من الشعراء والأدباء والفنانين والصحافيين على ارتياد مقهاه دليل على علاقة وطيدة بين هذه النخبة والمقهى. وهو ما يرتدّ سمعة حسنة بالتالي لدى شرائح عراقية كثيرة تنظر بعين التقدير إلى هذه النخبة، بالرغم من مختلف الظروف التي مرت بها البلاد، وجعلت سطوة المليشيات على المشهد أكبر بكثير من تأثير المثقفين.

على الرغم من قدمها، وحاجة أغلبها إلى الهدم، لا سيما مع تحول الأحياء التي توجد فيها إلى مناطق تجارية؛ ما يهددها بالزوال، فهناك رفض كبير من الشارع العراقي لأيّ تغيير يطاول هوية هذه المقاهي. عدي ناظم، وهو شاب عشريني، يصف نفسه بأنّه لا ينتمي إلى "الطبقة المثقفة" بسبب تعليمه المتوسط، يقول لـ"العربي الجديد" إنّه يحرص على ارتياد المقاهي تلك، ويستمتع بمشاهدة شخصيات معروفة من قبل العراقيين في مجالات مختلفة يرتادون هذه المقاهي، مبيناً: "أحرص على الحضور إلى مقهى حسن عجمي كلما كنت قريباً منه، فأنا أسكن في حي يبعد نحو ثلاثة كيلومترات عنه". ويشاطره الرأي ناظم، وهو شاب آخر يجلس بالقرب منه في المقهى نفسه، ويدافع في حديثه إلى "العربي الجديد" عن بقاء هذه المقاهي والحفاظ عليها من الزوال لأيّ سبب كان: "المقاهي القديمة هذه لن تزول ولن تندثر، لأنّ الطبقة المثقفة ستنتفض من أجل الإبقاء عليها، فهي تمثل معالم مهمة في تاريخ العراق الحديث، مثلما حصل مع مقهى الشابندر الذي كان مخططاً من قبل ورثته لإزالته، لكنّ تبنّي الطبقة المثقفة حملة إعلامية واسعة كان له بالغ التأثير في الحفاظ على هويته".
تعليق: