مع عزمي بشارة

10 اغسطس 2020
الصورة

.. والدفاع هنا ليس عن شخصٍ يتعرّض، على مدار الساعة، لموجات منظّمة من الاغتيال الشخصي والمعنوي والنفسي، من الغريب والقريب (للأسف!)، وإن كان هذا الدفاع واجبا أخلاقيا على كل من اقترب منه، أو احتكّ به، أو تعامَل معه، وإنما بالأساس هو دفاعٌ عن مشروع تنويري ناهض، وعن قامةٍ وقيمةٍ فكريةٍ وعلميةٍ، وعن بقيّة باقية من مفكرينا ومثقفينا، في زمن عربيٍّ بائس يتجاوز غثّه سمينه (وإن شئتَ ثمينه)، وفاض زيفه حتى طغى وغطّى على لمعانه وبريقه. وهو أيضا دفاعٌ عقلاني، بل وموضوعي، لا تخالطه مشاعر متكلّفة، ولا تدفعه رغبةٌ متزلّفة، وإن لم يخلُ من مشاعر تضامن إنساني وأخلاقي، تفرضها الهجمات التي يتعرّض لها مثقفنا ومفكّرنا بين الفينة والأخرى.
عرفت بشارة، شخصياً، منذ حوالي عشرة أعوام، حين أطلق المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وإنْ كانت معرفتي الفكرية والبحثية به، كآخرين من أبناء جيلي، تعود إلى منتصف التسعينيات، حين بدأنا في قراءة كتبه وإسهاماته الفكرية، خصوصا كتابه التأسيسي المهمّ "المجتمع المدني.. دراسة نقدية"، فضلاً عن التعرّف على تجربته السياسية والنضالية في مواجهة الكيان الصهيوني. وقد كنت محظوظاً بالمساهمة في النشاط البحثي والإنتاج المعرفي للمركز العربي منذ بداياته، وذلك في أثناء إقامتي في بريطانيا خلال النصف الأول من العقد الحالي، وذلك قبل أن ألتحق بالعمل الأكاديمي في معهد الدوحة للدراسات العليا الذي أنشأه بشارة عام 2015.

مشروع بشارة الفكري الضخم حول الدين والعلمانية يتفوق على إسهامات باحثين ومفكرين غربيين كبار اهتموا بالبحث في الموضوع نفسه

كان لقائي الشخصي الأول مع بشارة في خريف عام 2012، حين شاركت في مؤتمر المركز العربي "الإسلاميون والانتقال الديمقراطي" (صدرت أوراقه في مجلدين كبيرين عن المركز). وقتها حدّثني عن مشروعه الفكري الضخم حول الدين والعلمانية، والذي كان قد بدأ التفكير فيه، والاهتمام به، والعمل عليه قبل عقد على الأقل من صدوره في ثلاثة مجلدات كبرى. وهو مشروع يمثل، في اعتقادي، أهم إسهام عربي في بابه، بل لا مبالغة في القول إنه يتفوق على إسهامات باحثين ومفكرين غربيين كبار اهتموا بالبحث في الموضوع نفسه، مثل طلال أسد وبيتر برجر وتشارلز تايلور ورودني ستارك وغيرهم، وذلك لعمقه التاريخي، ونزعته التفكيكية، ومن ثم التأسيسية في حقل سوسيولوجيا الدين، والذي كشف عمق مفكرنا العربي وإلمامه، ليس فقط في الإسهام العربي، وإنما أيضا الغربي، في هذا المجال. وهو المشروع الذي لم يأخذ حقه وحجمه في النقاشات والدراسات العربية.

ألّف عن الثورات في تونس، وسورية، ومصر، ووثّقها وحللها، وأصّل ونظّر عن الطائفية، والعلاقات المدنية - العسكرية، وأخيراً عن الانتقال الديمقراطي

ثم تعدّدت اللقاءات والحوارات والتفاعلات، خصوصا بعد انضمامي لمعهد الدوحة، وفي كل مرة ألتقي فيها بشارة، كنت أشعر بأنني في حضور باحث جاد، ومفكّر كبير، وإنسان مهموم بقضايا أمته، وملمّ بتفاصيل مجتمعاتها وفاعليها، خصوصا في مرحلة ما بعد الربيع العربي. لذا لم يكن غريباً أن ترسم هذه المسائل والقضايا أجندته البحثية على مدار السنوات الماضية، فألّف عن الثورات في تونس، وسورية، ومصر، وكتب عنها ووثّقها وحللها، وأصّل ونظّر عن الطائفية، والعلاقات المدنية - العسكرية، وأخيراً عن الانتقال الديمقراطي في العالم العربي وخارجه. قطعاً لا يسع المجال هنا للحديث عن إسهامات بشارة، وهي في حاجة للاشتغال عليها بحثياً ومعرفياً سنوات، ولكن ما أودّ قوله إننا إزاء مفكّر ومثقف وباحث من الوزن الثقيل، ولا مجال هنا للتزيّد أو المزايدة، يكفيك فقط أن تعرف ذلك بضغطة زر على حاسوبك تكتب فيها اسم مفكّرنا على محرّكات البحث في الإنترنت. لاحظ أنني لم أتحدّث عن إنتاج (وإسهام) المركز العربي الذي يديره بشارة، وإنما عن إسهاماته هو فقط، وهو الذي لا يسع المجال، في أي حال، للحديث عنه في هذه المساحة المحدودة. وكيف لا وهو الذي يقف على ناصية عدد من الحقول المعرفية، بدءاً من تخصصه الفلسفي، مروراً بالسوسيولوجيا، والتاريخ، والعلوم السياسية.
أما إنسانياً، فيكفي القول إن عزمي بشارة من أكثر من قابلتهم تهذيباً واحتراماً وعفّة في اللسان، وهو من قلائل مثقفينا الذين لا تغشاهم الأنا المتضخّمة، ولا يهيمن عليهم التهاب الذات البحثية، وذلك على الرغم من إنتاجه البحثي وإسهامه المعرفي الوفير. كما لم أقابل شخصاً، بوزنه المعرفي والفكري، يتعامل بتواضعٍ وأريحيةٍ مع الجميع، سواء أكانوا مفكرين كبارا، أو باحثين وطلابا في بداية مشوارهم البحثي. ولولا احترام الخصوصية، لذكرت وقائع عديدة كنت شاهداً فيها على مروءة الرجل وإنسانيته وشهامته ورُقيه، ليس فقط في تعامله مع الباحثين والطلاب، وإنما أيضا مع مخالفيه ومنتقديه.

بشارة من قلائل مثقفينا الذين لا تغشاهم الأنا المتضخّمة، ولا يهيمن عليهم التهاب الذات البحثية

قطعاً، من حق أي شخص أن يختلف مع عزمي بشارة، الباحث والمفكر، ويعترض على أفكار له وينتقدها، بل أعتقد أن ذلك واجب يقتضيه التدافع العلمي، ونحتاج لتعزيزه في ثقافتنا العربية، وممارساتنا البحثية، بل أخال بشارة يرحّب بذلك ويتفاعل معه، ما دام الاختلاف علمياً، والنقد موضوعياً، والخلاف يُعبَّرُ عنه بلغةٍ راقية تحترم قواعد البحث العلمي وأصوله، وتدفعه الرغبة في الفهم، بغية التراكم المعرفي. كذلك من حق أي شخصٍ أن ينتقد الطريقة التي تُدار بها المؤسسات البحثية والمشاريع الإعلامية التي يشرف عليها ويدعمها بشارة، وهو قطعاً لا يجب أن يُحاسب على أفكار بعض المنتسبين إليها أو المتعاونين معها وأخطائهم وحماقاتهم، ولكن أي نقد أو اختلاف يجب أن يتحلّيا بقيم المروءة، وشيم الرجولة، فلا يختلط النقد بالهجوم غير الأخلاقي، وألا ينزلق في فخ الكراهية، ورذيلة الابتزاز، وألا يختلط بالحقد والتحريض ومحاولة الهدم. نقول هذا من دون أن نتجاهل الدور المهم والمجهود الكبير الذي تقوم به هذه المؤسسات، سواء الأكاديمية أو البحثية أو الإعلامية، لمصلحة العالم العربي. وأن نعترف بأن قطاعا مهما من العاملين فيها، والمتعاونين معها، يمثلون نخبة واعدة يراهن عليها بشارة في تحقيق نهضة عربية حقيقية من المحيط إلى الخليج.
ليست هذه هي المرّة الأولى التي يتعرض فيها بشارة للهجوم والاغتيال المعنوي، أو التي تتعرّض فيها المؤسسات التي يديرها أو يشرف عليها أو أقامها، أو إحداها، للهمز واللمز والتحريض والاتهام بكل أنواع التهم، من معاداة الإسلام ومحاولة "تمسيحه" (أضحك كثيراً كلما قرأت هذا المصطلح العجيب!)، مروراً بالعمالة لإسرائيل (هنا يتحوّل الضحك إلى حسرةٍ على انحدار العقل العربي إلى هذا المستوى من التفكير!)، وليس انتهاء بالسعي إلى تدمير العالم العربي (على نحو ما قال أحدهم أخيرا). كما أنها لن تكون قطعاً المرة الأخيرة، فطالما هناك نجاح، سيظل هناك من يرغبون في هدمه وتدميره.
قد تكون شهادتي في عزمي بشارة مجروحة، كوني من العاملين في إحدى المؤسسات الأكاديمية والبحثية التي يديرها ويشرف عليها، ومن المتحمّسين لأعماله ونشاطه البحثي والفكري، ولكنها واجب أخلاقي، وكلمة حقّ نقولها ونمضي، لا ننتظر عليها جزاءً أو شكوراً. ولا أجد هنا لوصف الحال سوى كلمات المتنبي الرائعة:
عِشْ عزيزا أوْ مُتْ وَأنتَ كَرِيم/ بَينَ طَعْنِ القَنَا وَخَفْقِ البُنُودِ
فَرُؤوسُ الرّمَاحِ أذْهَبُ للغَيْـظِ / وَأشفَى لِغلّ صَدرِ الحَقُودِ
لا كَما قد حَيِيتَ غَيرَ حَميدٍ/ وإذا مُتَّ مُتَّ غَيْرَ فَقيدِ
فاطْلُبِ العِزّ في لَظَى وَدَعِ الذّلّ/ وَلَوْ كانَ في جِنانِ الخُلُودِ.