مصر وسياسة إخفاء البيانات الاقتصادية

12 اغسطس 2020
الصورة
غياب الزبائن بمتجر خضر في القاهرة بسبب الغلاء
+ الخط -

منذ مجيء السيسي إلى السلطة في يوليو/ تموز 2013، عبر انقلاب عسكري، والملاحظ أن هناك اتجاها لإخفاء البيانات الاقتصادية المتعلقة بأداء الحكومة، ومؤسسات الدولة بشكل عام، خاصة داخل وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، التي كانت واحدة من أهم الوجهات التي يقصدها الباحثون، للحصول على كل ما يتعلق بالاقتصاد المصري.

مثلاً، كان موقع وزارة التخطيط، قبل السيسي، يتيح البيانات الخاصة بالخطة العامة للدولة، سواء من خلال الخطة الخمسية، أو الخُطط السنوية، وكان بإمكان الباحث أن يجري مقارنات بسهولة بين أداء السنوات المختلفة، حسب المؤشر محل دراسته أو بحثه. 

لكن موقع الوزارة، بعد تحديثه ومجيء هالة السعيد كوزيرة للتخطيط والتنمية الاقتصادية، أصبح شحيحا في عرض الخطط الخمسية، والسنوية، فلا توجد إلا خطط الفترة من 2014/ 2015 إلى 2016/ 2017، ثم الخطة متوسطة المدى من عام 2018/ 2019 إلى 2020-2021.

كان موقع وزارة التخطيط، قبل الانقلاب العسكري، يتيح بجانب الخطط السنوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، سلاسل زمنية تمتد لعشرين عامًا، عن المؤشرات الاقتصادية الكلية، من الناتج المحلي الإجمالي، والدين العام، والاستثمارات الكلية، والبطالة، والتضخم، وعدد السكان، ومعدلات النمو، وغير ذلك.

ولكن الملاحظة المهمة، والتي تم رصدها خلال الأشهر القليلة الماضية، أنه تمت إزالة كل التقارير الخاصة بمتابعة خطة التنمية الاجتماعية والاقتصادية السنوية للدولة، وهي تقارير مهمة، وكاشفة، لأنها تبين الأداء الحقيقي للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وماذا تحقق من الخطط التي تقدمها الحكومة لمجلس النواب. فمن خلال تقرير متابعة الخطة يمكن رصد أداء كافة القطاعات الاقتصادية، وبيان حقيقة الخطاب السياسي والاقتصادي لنظام السيسي.

لذلك تم حذف هذه التقارير، على الرغم من أهميتها، سواء للمجتمع الأهلي، الذي يعد أهم أدوات الرقابة على عمل الحكومة، أو لمجتمع الأعمال ومتخذي القرار في القطاع الخاص، الذي يريد أن يقف على حقيقة أداء المؤشرات الاقتصادية الكلية، وكذلك الأحزاب والقوى السياسية، وكل من له اهتمام بالشأن العام.

الإفلات من المحاسبة الدستورية

نص دستور 2014، الذي أعد بعد الانقلاب العسكري، على تخصيص نسبة من الناتج القومي للإنفاق على كل من الصحة 3%، والتعليم ما قبل الجامعي 4%، والتعليم الجامعي 2%، والبحث العلمي 1%، ولكن مما يتم نشره في الأرقام الإحصائية المتاحة على منصات الحكومة المعنية بالإحصاء والنشاط الاقتصادي، يلاحظ أنه يتناول الناتج المحلي الإجمالي فقط، وهو مؤشر مختلف عن الناتج القومي.

فالناتج المحلي يتضمن مساهمة الأجانب المقيمين في مصر في النشاط الاقتصادي، ولا يضيف مساهمة المصريين المقيمين في الخارج، والذين يعودون بعائد نشاطهم الاقتصادي إلى البلاد، وبلا شك أن هذا السلوك لا يُفسر إلا بحالة الاستهتار بالمحاسبة الدستورية، فمن الواجب وفي ظل نص دستوري، يذكر بيان إحصائي ومؤشر اقتصادي مهم، أن تكون له الأولوية، وليس الهروب، من أجل تضليل الرأي العام، الذي لا يفرق جزء كبير منه بين هذه المصطلحات الفنية الدقيقة.

عدد الوفيات

في ظل أزمة كورونا، والتي تعد واحدة من الكوارث الكبيرة على صعيد العالم، وعلى صعيد المجتمع المصري، من المهم الوقوف على إحصاء دقيق يبين عدد الوفيات في المجتمع المصري، وهو أمر ضروري لمواجهة الأزمة، ويكشف بصدق عن حقيقة الرعاية الصحية التي يتلقاها المصريون في ظل أزمة كورونا.

وبالرجوع إلى النشرة المعلوماتية التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بشكل دوري كل شهر، نجد أن إحدى هذه النشرات صدرت في يونيو/ حزيران 2020، بينما البيانات الخاصة بعدد الوفيات تتوقف عند مارس/ آذار 2020، الذي يمثل بداية الأزمة في مصر، حسب ادعاء الحكومة.

والملاحظ أن الحكومة تعلن الإحصاءات الخاصة بالمواليد كل ثانية، من خلال الساعة السكانية، التي تظهر بياناتها على واجهة جهاز الإحصاء، لتتيح للمتابع معرفة عدد سكان مصر في لحظة النظر إلى الساعة.

وهو ما يعني أن الإمكانيات المادية والتكنولوجية لمصر قادرة على أن تظهر كذلك عدد الوفيات، ولكن لأن عدد الوفيات يحتاج إلى أن يظهر بصور لا تدين أداء الحكومة في أزمة كورونا، فسيعلن عن أرقام تتماهى مع ما هو معلن من قبل وزارة الصحة خلال أزمة كورونا، مع الأخذ في الاعتبار عملية التزوير التي تتم في المستشفيات ومكاتب الصحة من خلال عدم تسجيل الأرقام الحقيقية للوفيات بسبب كورونا، وهو سلوك يتنافى ومقومات أي أداء حكومي يمكن أن يتسم بالشفافية، أو وجود اعتبار للمحاسبة المجتمعية.

الدين العام

تستمد البيانات الخاصة بالدين العامة أهميتها من عدة أمور، أهمها الأعباء التي تترتب على المديونية العامة، والتي تدرج في الموازنة العامة للدولة، والتي اقتربت أخيرًا من نسبة 40% من قيمة الإنفاق العام، فضلًا عما يترتب من زيادة أعباء الدين العام من اتجاه الحكومة فرض المزيد من الأعباء الضريبية وزيادة الرسوم على الخدمات والسلع المقدمة من قبل الحكومة للمواطنين.

ولكن يلاحظ أن بيانات الدين العام في مصر لا تظهر في التقارير والنشرات الرسمية الخاصة بذلك، إلا متأخرة 6 أشهر عن التاريخ المنشورة فيه، فمثلًا ونحن في يوليو/ تموز 2020، نجد أن بيانات البنك المركزي المصري ووزارة المالية تحدثنا عن بيانات الدين العام المحلي والخارجي بنهاية ديسمبر/ كانون الأول 2019.

والغريب أن المؤسسات الدولية تسبق مؤسسات الحكومة في الإعلان عن قيمة الدين العام المصري، على الرغم من أن هذه المؤسسات الدولية تحصل على تلك البيانات من تلك الحكومة، فلماذا لا تقدم الحكومة هذه البيانات للشعب في الوقت نفسه الذي تقدمها فيها للمؤسسات الدولية؟

لا يحتاج الأمر إلى بيان من أن هناك إكراهات تمارسها المؤسسات المالية الدولية على الحكومة للإفصاح عن البيانات، في ظل حاجة الحكومة للحصول على المزيد من القروض الخارجية والمنح والمساعدات، بينما المجتمع يفقد الدور الرقابي على الحكومة في ظل النظام العسكري الحاكم.

الموازنة العامة للدولة

في حالة تعكس الاستخفاف بالدور الرقابي لمجلس النواب، وكذلك بالمجتمع ككل، أعلن وزير المالية د محمد معيط، أنه تم اعتماد أرقام موازنة عام 2020/ 2021 في ضوء تقديرات ما قبل حلول أزمة كورونا، وأنه سيتم تنفيذ الموازنة، وفي ضوء أداء الربع الأول من عام 2020/ 2021، أي نهاية سبتمبر/ أيلول 2020، سيعاد النظر في تقويم موازنة العام المالي.

إن هذا الأداء يعكس حالة من العشوائية، وغياب أي دور لمؤسسات عريقة في مصر، مثل وزارتي التخطيط والمالية، ووجود جامعات ومؤسسات معلوماتية يمكنها الوقوف بدقة على ما تعكسه أزمة كورونا من أعباء مالية على الموازنة العامة.

وبخاصة أن كلا من معهد التخطيط القومي، وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، قامتا بإعداد دراسات تعكس تأثر الاقتصاد المصري بأزمة كورونا. لكنه الهروب من المسؤولية، وفرض الأمر الواقع، ولا نستغرب أن تحمل الموازنة العامة بأخطاء الإدارة الاقتصادية لمصر بشكل عام، تحت مظلة التداعيات السلبية لأزمة كورونا.

إن حق الشعوب في المعرفة، أصبح لا يقل عن أي حق من الحقوق الأخرى، ولكن الفارق هنا، أن نظم الحكم غير الديمقراطية، لا تعي معنى توفر المعلومات، وحق المجتمعات في المعرفة والرقابة على أعمال الحكومات.

المساهمون