مرضى نفسيون مهملون في سجون مصر

29 ابريل 2019
الصورة
كم من السجناء يتعرّضون للإهمال الصحي هنا؟ (فرانس برس)

عندما يُسجَن المرء فإنّه يواجه من دون شكّ واقعاً جديداً وتجربة قاسية. حياته تصير مقيّدة ومحكومة بعوامل مختلفة تؤثّر سلباً عليه. فكيف إذا كان الأمر يتعلّق بأشخاص يعانون أمراضاً نفسية في الأساس؟

"ذبح نفسه. انتحر". هذا ما ارتكبه الأستاذ الجامعي المصري أسامة أحمد مراد، الذي كان معتقلاً في سجن استقبال طرة (جنوب القاهرة) الذي يعاني مرضاً نفسياً منذ فترة طويلة، من دون أن تتعامل إدارة السجن مع حالته في يوم. الخبر أعلنه المحامي المصري عبد الحليم حنيش، موضحاً أنّ مرضه النفسي كان يجعله في وضع غير سويّ، إلى جانب تعرّضه لضغوط شديدة في السجن، بحسب شهادة زملائه في الزنزانة. أضاف حنيش أنّ حالته ساءت في 21 إبريل/ نيسان الجاري، لكنّ إدارة السجن رفضت نقله إلى المستشفى بحجّة أنه "يمثّل". وفي اليوم التالي عُثر عليه جثّة هامدة.

حالة مراد ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، إذ إنّ السجون ومقارّ الاحتجاز في مصر لا تعترف بالمرض النفسي، بالإضافة إلى الإهمال الطبّي المتعمّد من إدارات السجون تجاه المرضى المعتقلين عموماً. ولا تتوفّر بيانات خاصة بعدد المرضى عموماً والنفسيين خصوصاً في السجون المصرية، غير أنّ منظمات حقوقية من قبيل مركز عدالة للحقوق والحريات (منظمة مجتمع مدني مصرية)، رصدت حالات وفيات جديدة نتيجة الإهمال الطبّي في داخل تلك السجون. ومنذ بداية العام الجاري، رُصدت 10 وفيات بالإضافة إلى 30 حالة إهمال طبي في مقار الاحتجاز. وتفيد تقديرات حقوقية بأنّ عدد السجون في مصر يبلغ حالياً 54 سجناً، بالإضافة إلى 320 مقرّ احتجاز في داخل أقسام الشرطة، أما أماكن الاحتجاز السرّية فلا يُعرف عددها. كذلك يقدَّر عدد السجناء السياسيين في مصر بنحو 60 ألفاً.

تحت عنوان "كيف تعالج سجيناً حتى الموت"، أصدر مركز عدالة للحقوق والحريات تقريراً في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، كشف فيه أنّ حالات الإهمال الطبّي في داخل السجون في الفترة الممتدة من عام 2016 حتى عام 2018 وصلت إلى 819 حالة، بينما وصل عدد الوفيات إلى 60 وفاة. وقد جمع التقرير 46 شهادة من سجناء ومحبوسين احتياطياً وأهاليهم وأطباء ومحامين، حول المعاناة داخل السجون المصرية وتعنّت إدارتها في ما يخصّ تقديم الرعاية الطبّية إلى من يحتاج إليها. ولم يغفل التقرير الإشارة إلى 23 سجناً جديداً شيّدت بين عام 2013 وعام 2018، تماشياً مع منهجية التوسّع في الاعتقالات وغلق المجال العام والمحاكمات غير العادلة.




في كتاب "الجنون في غياهب السجون" للطبيب الأميركي تيري كوبرز، المتخصص في الأمراض النفسية والعقلية، يتناول المؤلف أزمة الصحة العقلية خلف القضبان وطرق مواجهتها، علماً أنّه وضع كتابه بمساعدة السجناء أنفسهم ومحاميهم، ومجموعة من الناشطين المهتمين بما يحدث وراء السجون. ورصد الكتاب أوضاع السجون الأميركية، مبيّناً أنّ معدّل انتشار الاضطرابات العقلية في تلك السجون يبلغ خمسة أضعاف معدّل انتشارها في خارجها. وبحسب البيانات التي ذكرها كوبرز، فإنّ نسبة تتراوح ما بين 10 و20 في المائة من إجمالي عدد السجناء على مستوى الولايات المتحدة الأميركية، تعاني من اضطراب عقلي خطير وتتطلب علاجاً مكثفاً.

كذلك أشار كوبرز في كتابه إلى زيادة نسبة الأمراض العقلية، خصوصاً الذهان، بين السجناء في العزل أو في وحدات الحبس المشدد، علماً أنّ كثيرين منهم يودعون في الحبس الانفرادي أو في وحدات العزل عندما تتدهور حالاتهم بسبب إلغاء برامج التأهيل. أضاف أنّ "اكتظاظ السجون، والوحشية التي يمارسها الحرّاس في حقّ السجناء، والاغتصاب الذي يرتكبه السجناء الأقوى، والتهديد الدائم بالتحويل إلى وحدات الحراسة المشددة، كلّ ذلك يزيد من صعوبة قضاء السجناء، المعرضين للانهيار العصبي والانتحار، عقوبتهم من دون النزوع إلى تدمير أنفسهم. والأمر يتعلّق كذلك بمن ليس له تاريخ سابق من الانهيار النفسي".

في دراسة تحمل عنوان "الآثار والاضطرابات النفسية للإيداع بالسجون"، كانت قد أصدرتها مبادرة ابدأ للعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان عام 2015، جرى التأكيد أنّ الإيداع في السجون يمثّل عبئاً نفسياً على السجين، ويؤدّي إلى ضغوط نفسية عديدة، يختلف تأثيرها باختلاف قدرة النزلاء على تحمّل تلك الضغوط. وتمثّل تلك البيئة الضاغطة مع الظروف الخاصة بالسجين، من النواحي النفسية والاجتماعية والاقتصادية، عوامل مسببة وأرضاً خصبة للإصابة بأشكال عدّة من الاضطرابات النفسية، التي تختلف حدّتها من شخص لآخر.




وتشدّد دراسة المبادرة نفسها، على أنّ العقوبة المفروضة على الفرد وإيداعه في مؤسسة عقابية أو إصلاحية نتيجة سلوك إجرامي أو انحراف، لهما انعكاسات كبيرة على نفسيته. هو لن يدرك من وراء الإجراءات المذكورة إلا أنّ المجتمع قد لفظه ورفض فهمه، بالتالي فإنّ ذلك المجتمع قاسٍ بالنسبة إليه ولا يتكيّف مع مختلف أفراده، ولا يعاملهم بالأسلوب نفسه. ونتيجة ذلك، يشعر المسجون بأنّه يعيش في دوّامة من الصراع النفسي والتوتر. كيف لا، وهو يرى أنّ المؤسسة السجنية فصلت بينه وبين أسرته وبيته وجيرانه وعمله. وعلى خلفية المشاعر السلبية التي تسيطر عليه، من قبيل الخوف والقلق، تكون مدّة سجنه فترة اكتئاب تغذّيها مشاعر العدوانية والكره تجاه المجتمع والقانون والمحكمة.