مردود المواطنة

03 سبتمبر 2020
الصورة
مدينة نيويورك وطن لجميع الجنسيات (Getty)
+ الخط -

ليس الوطن مجرّد جغرافيا، بل هو مفهومٌ يتجاوز الأبعاد الحسّية إلى الأبعاد العاطفية النفسية. إنه الملاذ والمأوى، وهو الحمى الذي يمكن أن يقال فيه إن الكرة الأرضية قد تهون إلا ذلك الموضع الذي نعتبره الوطن. والوطن سَكن يستقر فيه الناس. ولذلك كان دعاء النبي إبراهيم عليه السلام "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)- سورة إبراهيم.

ويخلص الإنسان إلى أن الوطن لا يكون لواحدٍ إذا ما أريد له أن يكون مجتمعاً، يقبل الفوارق مصدر ثراء، ويدفع بالجوامع دعماً للتجانس والوحدة، فإقامة الصلاة ترمز إلى مبادئ يتفق عليها الناس باعتبارها ثوابت لا يختلفون عليها. وهم بحاجةٍ إلى أناسٍ تهوي قلوبهم إلى المكان الجدير ليصبح مجتمعاً، وهو بحاجةٍ إلى آلة العيش من اقتصاد وإنتاج وثمر، ليعطى ذلك المجتمع تعريف الوطن.
ومن توفرت فيه الشروط، صار مواطناً في ذلك الوطن ومنه. والقضية ليست مرتبطةً في هذه الحالة بأصل، أو بمدة إقامة. وإن كانت هذه الأمور تلقى قيمة اجتماعية بين بعض الفئات، إلا أنها ليست العوامل الفياصل في تحديد المواطنة.
وقد عقد منتدى الفكر العربي قبل أسبوعين ندوة "عن المواطنة"، تحدّث الأمير الحسن بن طلال، رئيس المنتدى، مرّتين في بدايتها، وفي ختامها. وقد راعى منظمو الندوة أن يكون الحديث مركزاً في الجلسة الأولى من المشاركين في هذه الندوة الافتراضية، والذين اختيروا بعناية، وتَحاشوْا فتح باب النقاش بعد إعلان البيان الختامي. وألقى الأمير كلمته، فالموضوع في الأردن ما يزال ينطوي على درجةٍ عاليةٍ من الحساسية، على الرغم من أن الدستور الأردني، بمبادئه الأساسية، حول الموضوع، وما يتعلق به واضح وضوح الشمس، ولا لبس فيه إلا لمن أراد أن يتجاهل ذلك.
وبغياب مفهوم المواطنة، وتطبيق مبادئه بعدالة ونزاهة، يتكبد المجتمع خسائر كبيرة، يصعب قياسها. ولهذا، أقدم فيما يلي بعض الشواهد على ذلك:

حسب الاقتصادي والفيلسوف الأميركي البارع، جوزيف سبينجلر، فإن المجتمعات التي تميّز بين أفرادها أو مجموعاتها تتعرّض بسبب تضييق المساحة الديمغرافية والتمييز إلى هدر كبير في مواردها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. فعلى سبيل المثال، عندما ترفض الفئات التزاوج في ما بينها، فإن نسبة العنوسة فيها ترتفع، وذلك لأن حصر الزواج ضمن دائرةٍ ضيقةٍ يقلل من احتمالات التماهي بين الشباب والفتيات في سن الزواج. أما فتح الباب للتزاوج، فإنه يحسن من فرصة الترابط والأهلية، ويقلل من نسبة العنوسة. وحصر البعثات والوظائف في فئات معينة يقلل من فرص تعيين الشخص المناسب في المكان المناسب في القطاعات العامة والخاصة والأهلية. وحصر استخدام فوائض الأموال في المستثمرين في الفئة نفسها التي توفرت فيها الفوائض يجعل إمكانية هدر الأموال، أو تعطيل الاستفادة منها، أعلى بكثير. 
وفي المجال نفسه، يرى روبرت باتنام في كتابه "لعبة البولينغ .. انهيار المجتمع الأميركي واستفاقته"، والصادر عام 2000 أن المجتمع الأميركي قد حقق تنافسية عالية، عندما كان الناس يتطوّعون للانضمام إلى المؤسسات والترتيبات، وتقدّم التبرعات للأعمال الخيرية، وتشارك في الأندية، وتمارس الألعاب المنتظمة. وهذا يؤدي إلى تبادل المعرفة والتعاون، وإيجاد ما يسميه المؤلف "رأس المال الاجتماعي". ولكن لما تراجعت أميركا في كل هذه المؤشرات، خصوصا في رأس المال الاجتماعي، تراجعت أيضاً إنتاجية الولايات المتحدة، وتزايد العنف فيها.
ولو طبقنا هذه النظرية على الأردن، لرأينا أن ميولاً مشابهة قد بدأت تحصل. أي أن هنالك تراجعا نسبيا في ما كنا نسميه "العونة"، حيث يقوم الناس بعقد سقف منزل جديد بالتعاون بعضهم مع البعض الآخر. وكذلك، كانوا يتعاونون في الحصاد، وفي القطاف. ولو أن كل عائلةٍ قامت بالقطاف أو بالحصاد بنفسها على مدى عشرة أيام، فإن حصيلة المجتمع من الحصاد الكلي ستكون أقل بكثير مما لو تعاون الجميع في حصاد حقل أسرة في يوم واحد، ثم انتقلوا إلى الحقل التالي، وهكذا. رأس المال الاجتماعي الناجم عن التمييز الآني، أو حسب الأصل، أو الدين، أو العرق، يفقد المجتمع تلك الخاصية التميزية. ويجعله أقل إنتاجاً وتنافسية.

والمواطنة بالمفهوم المالي واضحة، فالضرائب تجبى من الناس كل حسب استطاعته (ضريبة الدخل والأرباح)، أو كل حسب مشترياته (المبيعات والجمارك). وفي المقابل، فإن كل دافع ضريبة يستحق أن يمثل تمثيلاً متساوياً، ويحظى بتكافؤ الفرص التي يتمتع بها أي مواطن آخر. وإذا لم تراعَ مسألة التوازن في الغرم والغنم المالي والاقتصادي، فسيؤدي ذلك إلى الفساد. ودرجة تفشي الفساد لا تشي فقط بمستوى اللاحَوْكمة، ولكنها تقيس درجة الظلم السائد، فكلفة الفساد يتحملها في النهاية الضعفاء والمميز ضدهم. وهؤلاء إن فقدوا الثقة في العدل ضعفت عندهم روح المواطنة، فيبحثون عن موطنٍ جديد يكون لهم موئلاً.
وفي هذا الشأن، تقول الإحصاءات إن الهجرة لا تقتصر على المستضعفين والمهمشين والمقدور على ظلمهم، بل تمتد أيضاً إلى أصحاب الكفاءات، سواء كانت الكفاءة أكاديمية، أم إنتاجية أو صاحبة مهارة. وفي هذا خسارة كبيرة على المجتمع، لأن هذه ليست هجرة للعمل، بل هي هجرة نهائية. وإذا تناقص عدد العقول والكفاءات والمهارات، فإن إنتاجية المجتمع، ومرونته على التكيف، تتراجعان، بينما ترتفع نسب الاعتماد على المال العام والترزق عن طريقه، فتدخل الدولة في دوامات الديْن العام.
تراجع المواطنة في الوطن العربي مأساة كبرى، وضعف المواطنة يعني ضعف المشاركة ليس فقط في الانتخابات، ولكن في كل مرافق الحياة. وقد أحسن الأمير الحسن بن طلال في اختيار هذا الموضوع الهام في هذه المرحلة من تاريخ الأردن.