مرجعية النجف.. نفوذ يتآكل

26 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، ومرجعية النجف ممثلة بالمرجع الشيعي، علي السيستاني، تلعب دوراً كبيراً في رسم مسارات السياسة في العراق، فهي بالإضافة إلى أنها وقفت على الحياد في حرب احتلال العراق، ولم تفتِ بالجهاد ضد القوات الغازية، كانت ضامنة ورافعة رئيسية للعملية السياسية، على الرغم من مسارها المتعرّج منذ اللحظة الأولى لها. 
وعلى الرغم من ذلك كله، بقي لهذه المرجعية احترامها وكلمتها المسموعة في الشارع العراقي، وكانت صاحبة النفوذ الأقوى والأكثر تاثيراً على ملايين العراقيين. وبقي هذا الدور يكبر كلما مرت العملية السياسية بأزمةٍ هنا أو هناك، فقد كان للمرجعية الدور الحاسم في تشكيل الحشد الشعبي، عقب ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، واحتلاله نحو ثلث مساحة العراق، حيث دعت إلى تشكيل قوات شعبية للدفاع عن العاصمة بغداد، فكان الحشد الشعبي.
صحيحٌ أن هذا الحشد، بفصائله المختلفة، لعب لاحقاً أدواراً مختلفة، واتهم بارتكاب جرائم ضد أهالي المناطق التي دخلها عقب خروج تنظيم داعش، إلا أن المرجعية في النجف رفضت أن ترفع عنه الغطاء، ولم تدع إلى حله، على الرغم من انكسار "داعش" وهزيمته، بل ساندت ضمه للقوات الأمنية، ودافعت عن وجوده كيانا عسكريا لا يخضع إلى حد كبير لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.
مرجعية النجف، ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق تظاهرات أكتوبر/تشرين الأول في العراق،
 سعت إلى أن تدعم مطالب المتظاهرين، ودعت بما لا يقبل اللبس إلى أهمية سن قانون جديد للانتخابات، كما دعت إلى ضرورة تشكيل لجنة لمراجعة الدستور، هذا ناهيك عن دعوتها إلى محاسبة الفاسدين. وكان ذلك كله يتردد من جمعة إلى أخرى، غير أنه لم يكن كافياً على ما يبدو للمتظاهرين الشباب الذين كانوا يريدون موقفاً أكثر صراحة وصرامة بوجه الحكومة العراقية، برئاسة عادل عبد المهدي، كأن تدعو صراحة إلى استقالتها، وهو الموقف الذي لم يصدر، علماً أن كثيرين كانوا يتوقعون صدوره في خطبة الجمعة الماضية.
بالإضافة إلى ذلك، لم تُفتِ مرجعية النجف بحرمة قتل المتظاهرين العراقيين، على الرغم من كل المطالبات التي رفعها المتظاهرون في بغداد والمحافظات الجنوبية، مع ملاحظة أنها كانت تؤكد على أهمية عدم استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين.
مرجعية النجف، وعلى الرغم من عظم الأحداث التي شهدتها بغداد ومدن عراقية أخرى خلال الشهر المنصرم ومطلع شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، بقيت ملتزمةً بخطبة الجمعة التي تعبر من خلالها عن موقفها تجاه مختلف القضايا العراقية، من دون أن تسعى إلى إصدار أي موقف خلال أيام الأسبوع، ما أظهرها بمظهر غير المبالي بمطالب الجماهير العراقية ودمائهم 
التي سالت في شوارع بغداد والناصرية وكربلاء والبصرة وغيرها من المدن.
دفعت هذه المواقف التي قرأها بعضهم أنها لا ترقى إلى مستوى الحدث عراقيين كثيرين إلى طرح أسئلة عديدة يشأن حقيقة وجود السيستاني، وهل هو مدرك فعلاً ما يجري على الساحة العراقية. وفتحت الباب واسعاً للحديث عن دور نجله محمد رضا السيستاني الذي يقال إنه من يكتب خطبة الجمعة نيابة عن والده، مع ما يثار من علاقة له بمزاد العملة اليومي في البنك المركزي العراقي. وما يلفّ هذا الموضوع من غموض وقضايا فساد تناولتها عدة وسائل إعلام عراقية.
التساؤلات التي طرحها العراقيون بشأن دور مرجعية النجف من تظاهراتهم تحولت إلى موقف صريح وواضح، أعلن عنه المركز الوطني للبحوث والدراسات القانونية والقضائية، في بغداد، عندما قرّر رفع دعوى قضائية على مكتب مرجعية النجف في محكمة أحوال النجف، طالب فيها بإصدار قرار يعرض بموجبه السيستاني على لجنة طبية للتأكد من سلامة صحته وقدرته البشرية وقابليته الذهنية والعقلية. وهذه جرأة لم تكن معروفة سابقاً، وطرح جديد تمخض عنه 
الحراك العراقي، طرح يريد أن يعرف فعلاً ان كان المرجع الأعلى قادراً على متابعة ما يجري حوله من أحداث، وخصوصا أن غالبية المسلمين الشيعة في العراق من أتباع السيستاني ومقلّديه، وهو الذي ناهز التسعين عاما، ولم يره أحداً يتحدث للإعلام، وأغلب لقاءاته مع زواره من مسؤولين عراقيين ودوليين تتم بطريقة غامضة.
لم يعد الشارع العراقي اليوم يشبه نفسه قبل ثورة أكتوبر، لقد تحول إلى شارع لا يريد خدمات أو وظائف أو تحسين الوضع الاجتماعي فقط، وإنما شارع يريد كل شيء، ولن يقبل بأقل من وطن لا يتحكم به أحد، وطن يعرف كيف وممن تتم إدارته، ولم يعد يقبل أن يكون هناك شخص فوق قانون الوطن، وهو ما حدا به إلى رفع السقف، وصولاً إلى ما كان مقدساً قبل ثورة أكتوبر.
لم يعد أمام مرجعية النجف إلا أن تعيد الاعتبار لنفسها من خلال خطبة الجمعة المقبلة، وذلك بأن تدعو صراحة حكومة عبد المهدي إلى الاستقالة فوراً، وإصدار فتوى شرعية تُحرم قتل المتظاهرين السلميين، والدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف أممي، بعد اعتماد قانون انتخابي جديد. بغير ذلك، تفقد المرجعية مزيدا من هيبتها في الشارع العراقي، ومن غير المستبعد أن نرى صور السيستاني وهي تُحرق إلى جانب صور رموز دينية وسياسية أخرى، عراقية وغير عراقية.