مخطط إماراتي لنهب نفط اليمن... تسلل عبر البحر

11 مارس 2020
الصورة
انهيار إنتاج النفط منذ اندلاع الحرب (فرانس برس)
+ الخط -

 

كشفت مصادر يمنية عن إجراءات إماراتية للهيمنة على مواقع نفطية حيوية في المياه اليمنية، في خطوة إضافية لوضع يدها على ثروات البلد الذي تمزقه الحرب منذ نحو خمس سنوات، حيث تمكنت خلال الفترة الماضية من التسلل إلى مناجم الذهب، والسيطرة على العديد من المطارات والموانئ الحيوية.

وقالت المصادر، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، إن الإمارات حددت 7 قطاعات بحرية للبدء بالتنقيب عن النفط فيها، بعد دراسة هذه المواقع بعناية منذ عام 2016، مشيرة إلى أن أربعة من هذه القطاعات في البحر العربي وخليج عدن، والباقي في الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر، منها مواقع في رأس عمران القريبة من باب المندب.

وتقدر بيانات رسمية يمنية، اطلعت عليها "العربي الجديد"، المخزون النفطي بنحو 11.95 مليار برميل، منها 4.78 مليارات برميل قابلة للاستخراج بالطرق التقليدية الحالية.

وعطلت الحرب المستعرة إنتاج النفط في اليمن، بينما كان النفط المحرك الرئيس لاقتصاد الدول الفقيرة، حيث يمثل 70 في المائة من موارد الموازنة، و63 بالمائة من الصادرات.

واستغلت الإمارات وجودها في التحالف العسكري، الذي قادته السعودية، لدعم الحكومة اليمنية ضد الحوثيين، مطلع 2015، في بسط نفوذها على المنافذ التجارية الحيوية والجزر الاستراتيجية، من خلال جماعات مسلحة موالية لها.

ووفق تقارير رسمية، يصل إجمالي عدد الحقول النفطية في اليمن إلى نحو 105 حقول، منها 81 حقلاً في قطاعات مفتوحة للاستكشاف والتنقيب أغلبها في المياه البحرية.

ويمتلك اليمن، حسب التقارير، فرصا واعدة بنسب عالية ومضمونة لاستخراج النفط من القطاعات والمواقع البحرية، التي تم مسحها واستكشافها على فترات متعددة من قبل الجهات الحكومية المتخصصة بالتعاون مع خبراء دوليين.

وأكد طارق عبد الباسط، وهو أحد أعضاء الفريق الفني التابع للهيئة العامة للاستكشافات النفطية الحكومية، والذي قام خلال فترات متعدد منذ 2009 إلى 2014 بأعمال مسح استكشافية في عدد من المواقع في المياه اليمنية، إن نتائج الكثير من المواقع كانت مبشرة، إذ تم تحديد نحو 45 موقعاً استكشافياً بحرياً في المياه اليمنية، وكانت النتائج شبه إيجابية في حوالي عشرة منها.

وأشار عبد الباسط، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن شركات عالمية كبرى سعت للتنقيب في المواقع البحرية خلال عامي 2013 و2014، لكن كانت هناك عقبات تحول دون ذلك.

وكانت شركة توتال الفرنسية المستثمر الرئيسي للغاز في اليمن، قد اتفقت مع الحكومة اليمنية في 2014 على تعديل سعر بيع الغاز المسال مقابل منحها حق الاستكشاف والتنقيب عن النفط في المياه اليمنية.


وفي تقرير قدمه مسؤول الشركة في اليمن آنذاك للرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، وصف المسؤول اليمن بأنه مليء بالخيرات، وإذا وسعت الحكومة اليمنية شراكتها مع توتال لتنفيذ عمليات التنقيب في البحرين الأحمر والعربي وبعض القطاعات الأخرى سوف يحقق اليمن نجاحات اقتصادية مذهلة.

لكن مصادر مطلعة قالت إن الإمارات تقف عائقاً أمام عودة الشركات الأجنبية المتعاقدة مع الحكومة اليمنية لإدارة حقول الإنتاج والتصدير، خاصة في ظل سيطرتها على المرافق الحيوية في الدولة عبر مسلحين تابعين لها، لافتة إلى أنه تم فقط السماح بعودة شركة إماراتية تستثمر في أحد الحقول النفطية في شبوة، جنوب البلاد، وشركة أخرى هي "أو إم في" النمساوية.

وأعلنت الإمارات، الشهر الماضي، انسحابها العسكري من اليمن، لكنها ما زالت تسيطر على أغلب الموانئ ومواقع اقتصادية عدة، حسب الخبير النفطي شعيب سالم، من أهمها موانئ عدن والمخا والضبة (جنوب).

وقال سالم إن "الإمارات تقوم بترتيبات عدة لعزل هذه المواقع وتنفيذ مشاريع خاصة بها، عبر ما يسمى بالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي قامت بترتيب وجوده وسيطرته على معظم المحافظات الجنوبية ومختلف مواقع النفط ودعمته بكتائب عسكرية سودانية جلبها التحالف العربي للمشاركة معه في الحرب اليمنية".

وأضاف: "الإمارات تدفع بالمجلس الانتقالي الجنوبي ليكون له دور في الإشراف على عملية التصدير وإدارة الموارد العامة، في إطار مساعيها لتفتيت اليمن وتكوين سلطات موازية للحكومة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، ليتسنى لها تنفيذ مشروعها في نهب ثروات البلد، خصوصاً النفطية والغازية".

وتابع سالم: "الهدف القادم هو البحار، بعد استكمال الترتيبات اللازمة لذلك، والبداية، بحسب ما هو مخطط، ستكون في البحر العربي، في منطقة ممتدة من المكلا في حضرموت إلى المهرة وسقطرى، بالشراكة مع الجانب السعودي، إذ تقوم الإمارات منذ مطلع 2018 بأعمال مسح استكشافية وتحديد مواقع الاستثمار، وفق عقود استغلال تهدف لتوقيعها مع المجلس الانتقالي بعد إكسابه الصفة الشرعية في إدارة بعض المحافظات الجنوبية".

وبينما تتمدد الإمارات للسيطرة على ثروات اليمن، تعمل في المقابل على عرقلة جهود الحكومة لتصدير الإنتاج الشحيح بالأساس، بسبب السيطرة على موانئ التصدير، ما يدفعها للبحث عن طرق بديلة، وفق ما كشف عنه تقرير صادر عن وزارة النفط والمعادن اليمنية في يناير/ كانون الثاني الماضي.

وأشار التقرير إلى أن الخطط الحكومية تتضمن إنشاء أنبوب لنقل النفط الخام بطول 82 كيلومترا، لربط قطاعات الإنتاج بميناء "النشيمة" النفطي على ساحل بحر العرب في منطقة رضوم بشبوة، جنوب البلاد، لافتا إلى أن مشروع خط النقل الجديد يكتسب أهمية كبيرة كونه سينقل 57 ألف برميل نفط يومياً قابلة للزيادة.

وقال إبراهيم عبيد، الخبير الاقتصادي، إن الإمارات دخلت اليمن بخطة لبسط نفوذها على الموانئ والجزر والمياه، إذ لم تقدم نفسها لتكون شريكا للحكومة اليمنية في عمليات الاستثمار النفطي، بل قامت بالسيطرة على مختلف المنافذ الاستراتيجية لتكون المتصرف الرئيسي في استغلالها واستثمارها.

وفي هذا الخصوص، كشفت مصادر محلية في شبوة وحضرموت، جنوب شرق اليمن، عن سعي أبوظبي منذ فترة لإنشاء شركات محلية تخضع لإدارتها متخصصة في مجال الطاقة، لتنفيذ المشروعات المستهدفة.

ويعمل في محافظتي شبوة وحضرموت، وفق تقارير رسمية، 35 قطاعاً نفطياً، وهو ما شكل دافعاً للإمارات لتعزيز وجودها في المحافظتين، إذ ما زالت المناطق النفطية في شبوة تحت سيطرتها، بينما 50 في المائة من حضرموت تحت سيطرة قوات محلية موالية لها، وفق المصادر التي تحدثت إلى "العربي الجديد".

وأدت الحرب الدائرة في اليمن منذ خمس سنوات إلى توقف العمل في حقول إنتاج النفط والغاز وإغلاق مرافئ التصدير وخسارة اليمن، وفق تقديرات حكومية، نحو 50 مليار دولار، كان من الممكن أن تضخ إلى الخزينة العمومية، إذ كان الإنتاج يصل إلى حوالي 127 ألف برميل يومياً في المتوسط قبل الحرب في 2014.

وامتدت السطوة الإماراتية خلال الفترة الأخيرة إلى مواقع ومناجم استخراج الذهب في حضرموت ومناطق أخرى في جنوب البلاد، حسب مصادر محلية، أكدت قيام شركات إماراتية بتهريب كميات كبيرة من مديرية "حجر" في ساحل حضرموت عبر ميناء خاص بها بين الريان وضبه إلى أبوظبي.

ويعتبر قطاع الثروة المعدنية والصناعات الاستخراجية من أهم القطاعات الواعدة في اليمن، إذ تظهر الدراسات الجيولوجية الحكومية توفُّر العديد من المعادن والخامات الطبيعية المختلفة، والتي ما زال أغلبها مدفوناً في باطن الأرض.

وتقدر الدراسات احتياطي المعدن النفيس بنحو 100 مليون طن، منتشرة في 24 موقعا استكشافيا.

وحسب نتائج الاستكشافات التعدينية، فإن ما يزيد على 80 في المائة من مساحة اليمن توجد تحتها صخور رسوبية تكونت في بيئات جيولوجية متنوعة، والتي من شأنها أن تؤدي إلى إمكانية تشكيل تجمعات كبيرة وهائلة من الرواسب والمعادن الصناعية والثروات المعدنية.

وكان وزير النقل في الحكومة اليمنية، صالح الجبواني، قد قال في حوار مع "العربي الجديد"، نشر في السادس من مارس/ آذار الجاري، إن سيطرة التحالف العسكري، الذي يضم السعودية والإمارات، على مختلف المنافذ والموانئ والمطارات اليمنية، أضرت بالاقتصاد، مشيراً إلى تقلص استفادة اليمن من هذا القطاع الحيوي منذ بدء الحرب.

ودعا الجبواني، في حواره، التحالف لتمكين الحكومة اليمنية من إدارة كافة قطاعات النقل، حيث يُعتبر قطاع النقل الركيزة الأساسية للدفع بعجلة التنمية الاقتصادية نحو التطور والنهوض.

وبينما تدور معارك مستمرة في محافظة الجوف (شمال)، بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من الإمارات والسعودية، أظهرت بيانات متخصصة في 2018، أن المحافظة الواقعة على الحدود مع السعودية، تمتلك أكبر احتياطي من النفط والغاز على مستوى اليمن والمنطقة إلى جانب امتلاكها ثروة زراعية بفعل تربتها الخصبة ومميزات مياهها الجوفية التي ستجعل المحافظة تتربع على عرش المحافظات اليمنية المنتجة اقتصادياً.

وأضحى اليمن مسرحا للصراعات والسيطرة على النفوذ والثروات، خلال السنوات الخمس الأخيرة، بينما يعاني أغلب السكان من الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وفق التقارير الرسمية المحلية والدولية.

وتعتمد نسبة كبيرة من السكان على ما يصلها من المساعدات الإغاثية رغم قلّتها. وكانت الأمم المتحدة قد قالت، في تقرير في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إن نسبة الفقر في اليمن وصلت إلى 75 في المائة من السكان، مقارنة بنحو 47 في المائة قبل بدء الحرب.

وأضافت أن "الحرب لم تتسبب بجعل اليمن أكبر أزمة إنسانية في العالم فحسب، بل أغرقته في أزمة تنموية مروعة أيضاً"، مشيرة إلى انهيار الاقتصاد، الذي خسر نحو 89 مليار دولار منذ 2015. وحذرت من أنه إذا استمر القتال حتى عام 2030، سيعيش 78 في المائة من اليمنيين في فقر مدقع، وسيعاني 95 في المائة من سوء التغذية.