مخدرات قاتلة في القاهرة.. مروجون يخلطون الترامدول بالحشيش

07 سبتمبر 2015
الصورة
مخاطر مضاعفة للمخدرات المخلوطة بالترامدول (فرانس برس)
+ الخط -
في الساعة الثامنة صباحا، بينما تسير سيارة ميكروباص في شارع السودان بمحافظة الجيزة المصرية، جلس محمد في مقعده، متجها إلى عمله، يراقب في صمت سائق السيارة بينما يعد "سيجارة حشيش"، متحدثا عن أهمية "الاصطباحة" كما يسميها.

ينفخ السائق دخان سيجارته، ممتعضا ثم يمنحها إلى مساعده، قائلا "سيجارة مضروبة"، وهو ما يعني أن قطعة الحشيش المستخدمة في إعدادها، من الأصناف المغشوشة.

في القاهرة الكبرى (الجيزة والقليوبية والقاهرة)، أصبح تعاطي مخدر الحشيش، أمرا علنيا، إذ تنتشر تجارة مخدر الحشيش، بسبب الأنواع الرديئة والمغشوشة، التي ضاعفت من أضراره الصحية، وزادت من نسبة إدمانه وتعاطيه، كما تكشف "العربي الجديد".

في حماية الشرطة

خلال فترة الربيع والصيف، تنتشر الأعراس في مصر. أصبح تقديم مخدري الحشيش والبانجو، والكحوليات إلى المدعوين، "تعبيرا عن كرم الضيافة" حسبما يقول لـ "العربي الجديد"، محمد إبراهيم (اسم مستعار)، شقيق عروس، نظمت عرسها في منطقة حلوان، جنوبي القاهرة.

اصطحب محمد كاتب التحقيق، إلى طاولة، بجوار مجموعة من الشباب، أمامهم طبق من "الفويل" (رقائق قصدير حافظة)، في داخلها قطعة طويلة من مخدر الحشيش. وثق كاتب التحقيق، تعاطي المدعوين للحشيش، مع "السجائر" و"الشيشة"، بأريحية كاملة، ودون خوف من الشرطة، يفسر محمد الأمر، أنه "حصل على تصريح قانوني من الحي لإقامة العرس"، قائلا "المكان آمن والشرطة تعرف ما يحدث، لن تتدخل، هذا عرف منتشر في المناطق الشعبية"، ويتابع قائلا "اشتريت حشيش بقيمة 4500 جنيه مصري (590 دولاراً أميركيّاً)، للترحيب بضيوفي، لكن المشكلة أن جزءاً كبيراً منه مغشوش بحبوب الهلوسة والترامدول".

حصل كاتب التحقيق على قطع حشيش من العرس لتحليلها في المختبر، فيما كرر التجربة في منطقة بولاق الدكرور وسط الجيزة، ولم يختلف الأمر كثيرا، لكن اللافت أن أطفالاً كانوا يوزعون الحشيش على حضور العرس، قال أحدهم إنه وزملاءه يعملون في مكتب لإعداد الأعراس.



عينة خالية من حشيش

أجرى كاتب التحقيق تحليلا للعينتين، اللتين تم الحصول عليهما من أعراس حلوان وبولاق في معمل تحاليل خاص، في منطقة الجيزة. أضاف الكيميائي قطع الحشيش إلى ماء مقطر نقي لإذابتها، وأجرى عليها اختبار المخدرات، (طريقة سريعة يتم استخدامها في الحملات المرورية). كانت المفاجأة أن العينتين خاليتان تماما من مخدر الحشيش، وظهر فيهما مخدر الترامدول.

ويؤكد الكيميائي، عماد الشريف، الذي أجرى التحليل، أن النوع المغشوش من الحشيش، يتم تداوله بكثرة، إذ تتم إضافة حبوب الترامدول أو مخدر البنج، إلى عجينة من نبات الحنة، لونها بني، حتى ينخدع المتعاطون، كما يسهل إدمانهم للخلطة بسبب المواد الكيميائية الصناعية الممتزجة بها.

ويؤكد الشريف لـ "العربي الجديد" أنها "ليست المرة الأولى التي يكتشف فيها إضافة الترامدول للحشيش، وهو ما يضاعف من خطورة المخدر"، إذ اعتاد إجراء تحاليل الكشف الطبي للمتقدمين إلى وظائف تتطلب ذلك أو الراغبين في الحصول على رخصة القيادة، وعندما يواجههم بوجود مخدر الترامدول في عينات البول، يندهشون بشدة، ويؤكدون أنهم لم يتعاطوه طوال عمرهم، وأنهم تعاطوا فقط الحشيش في فترات سابقة، على حد قوله.

اقرأ أيضا: إسرائيل تشن حرب "الهيروين" على شباب فلسطين

تلف دماغي

تؤكد الدكتورة، منال عادل، كبير الأطباء بصندوق مكافحة الإدمان في مصر، أنها تكتشف يوميا حالات تتعاطى الحشيش يظهر عليها أعراض انسحاب، مثل تلك التي تظهر على مدمني حبوب الترامدول ومخدر الهيروين.

وتضيف، في تصريحات لـ "العربي الجديد":" أجريت تحاليل لحالات تشكو من أعراض انسحاب لمخدر الحشيش، الذي لا يسبب أصلا هذه الأعراض. ظهرت في تلك العينات مواد المورفين والترامدول والبنج، على الرغم من أن المرضى يؤكدون دائما أنهم لا يتناولون سوى مخدر الحشيش"، وتتابع: "الحشيش في مصر معظمه مغشوش، مما يرفع من نسبة إدمان المتعاطين، ويضيف المزيد من الزبائن، لمصلحة التجار"، وأشارت إلى أن الحشيش ليس له تأثير مباشر على العقل والوعي، قائلة "أضراره تظهر على المستوى البعيد في الجهاز الهضمي خاصة الكلى والكبد، على عكس الترامدول، الذي يؤثر على الخلايا الدماغية مباشرة، ويسبب الإدمان والاضطرابات النفسية والاكتئاب".



تقرير بحثي: 77 % من المصريين يتعاطون الحشيش


حصلت "العربي الجديد" على أحدث تقرير أعدته الأمانة العامة للصحة النفسية في مصر تحت عنوان "مراحل البحث القومي للإدمان" صدر في الربع الأول من عام 2015. يرصد التقرير الفترة من عام 2009 حتى عام 2014، ويكشف أن نسبة من تعاطوا مخدر الحشيش في مصر بلغت 77%، من بين عينة التقرير التي بلغت نحو 22 ألف شخص.

وأظهرت الإحصائيات أن 93.5% من العينة، التي تم إجراء البحث عليها في وجه بحري وشمال الصعيد يتعاطون مخدر الحشيش، بينما بلغت في القاهرة 78.5%، وفي المحافظات الساحلية الحدودية بلغت 84.4%، وفي وسط وجنوب الصعيد بلغت 50.7%.

اقرأ أيضا: "العربي الجديد" يكشف:صيدليات تفاقم ظاهرة تعاطي المخدرات في اليمن

العقوبة إعدام

حسب قانون المخدرات المصري، فإن عقوبة الاتجار في المخدرات أو إعداد مكان وتهيئته لتعاطي المواد المخدرة هي الإعدام أو الأشغال الشاقة، أما عقوبة من يتعاطى أو يدمن المخدرات فهي الأشغال الشاقة المؤقتة، ويقع مخدر "الحشيش" ومشتقاته من نبات "القنب" في الجدول رقم "1" من القانون مع مخدر الهيروين والكوكايين.

شراء الحشيش لا يحتاج إلى عناء

يؤكد متعاطون لمخدر الحشيش أنهم يحصلون على أجود أنواعه، وبشكل علني من تجار في منطقة "الحوامدية" جنوبي الجيزة، مما دفع كاتب التحقيق للتوجه إلى المنطقة والتثبت من الأمر. رصد معد التحقيق، في عدة شوارع جانبية، في منطقة الحوامدية، ممارسة تجار المخدرات لعملهم بكل حرية، إذ يجلس التاجر على طاولة مؤمنة من قبل أعوانه، فيما يصطحب، أحد معاونيه الزبائن باستمرار إلى مكانه، عند دخولهم إلى البلد.

أظهر تقرير معملي لعيّنة، حصل عليها معد التحقيق من منطقة الحوامدية، احتواءها على مخدر الحشيش فقط، من دون إضافة أية مواد أخرى مخدرة، ويؤكد الكيميائي، عماد الشريف، مجري التحليل، أن العينة تختلف عن تلك المغشوشة، التي سبق أن قام بتحليلها، من حيث درجة التماسك والرائحة التي تميز الحشيش غير المغشوش.

اقرأ أيضا: عصابات إيران.."المطابخ" تغرق طهران بالمخدرات

مقابلة مع تاجر حشيش

بعد محاولات، قبِلَ موزع حشيش، (يطلق عليه اسم ديلر)، إجراء مقابلة مع كاتب التحقيق، عبر وسيط أقنعه بالإجابة عن الأسئلة، مع اتخاذ كافة احتياطاته الأمنية، لعدم الكشف عن هويته.

يقول الموزع: "دخلت إلى هذا المجال، بعد ثورة 25 يناير في ظل الانفلات الأمني، إذ كنت أعاني من البطالة، فضلا عن أن تجارة الحشيش مربحة للغاية، وأصبحت أكثر أمنا بعد الثورة".

رفض "الديلر" الإفصاح عن أماكن تجار الجملة الذين يتعامل معهم، قائلا أسعار الحشيش، ارتفعت جدا خلال آخر عامين، إذ وصل سعر القطعة (يطلق عليها صباع) إلى نحو 150 جنيهاً (20 دولاراً أميركيّاً)، ويباع ربع كيلوغرام الحشيش بمبلغ 3500 جنيه (460 دولاراً أميركيّاً)، ويبرر ارتفاع الأسعار بأن تجار السوق المسيطرين، يرفعون سعر الحشيش، لجذب المدمنين والمتعاطين، إلى نوع جديد من مخدر الهيروين، سعر "التذكرة" منه 25 جنيهاً فقط (4 دولارات أميركية).



الشرطة في خدمة المال

يؤكد "الديلر" أنهم يتعاونون مع أمناء الشرطة من خلال تخصيص مبلغ يومي يصل إليهم، نظير استمرارهم في تجارة المخدرات، قائلا لـ "العربي الجديد": "أبيع أمام المارة بشكل طبيعي من دون خوف في منطقة الحوامدية، وفي حال قدوم حملة أمنية إلى المنطقة، يقوم أمين الشرطة بإبلاغنا حتى نستعد ونخفي البضاعة التي لدينا في مخابئ في باطن الأرض".

ويضيف أن أمناء الشرطة المسؤولين عن المنطقة يقومون في بعض الأحيان بالقبض على الزبائن، الذين يأتون إلى المنطقة خلال خروجهم بقطع الحشيش، من أجل عمل بعض المحاضر والقضايا"، قائلا "ننصح الزبائن دائما، بأن يضعوا ما اشتروه في أحذيتهم"، مضيفا، "مفيش حد ضامن الظروف".

يقول "الديلر": "التجار الكبار يسهلون أمورهم مع الدولة في تهريب المخدرات خاصة (الحشيش)، وأغلب "الحشيش" في مصر مغربي ويأتي عبر ليبيا، خصوصا بعد الانفلات الأمني"، ويضيف أن بعض التجار يقومون بتصنيع حشيش مغشوش مضافة إليه بعض المواد المخدرة، كالترامدول، لإدمانه حتى لا يسهل الإقلاع عنه، إذ إن الحشيش لا يسبب أعراض انسحاب قوية عند الإقلاع عنه، على حد قوله.

ويبدي "الديلر" سعادته بدعوات تقنين تجارة الحشيش التي أطلقها أسامة سلامة، رئيس رابطة تجار السجائر في القاهرة والجيزة، في شهر أبريل/نيسان الماضي، قائلا "تجارة الحشيش مربحة للغاية، وتدر مليارات لأصحابها ويمكن تقنينها ومراقبة تداولها، وبذلك تربح منه الدولة كما تربح من السجائر، بدلا من المطاردات والإتاوات".

لكن كيف تتم تبرئة المتهمين في قضايا المخدرات، يروي الديلر، أنه قد تم توقيفه من قبل ومعه قطعة من الحشيش، وأثناء ذهابه إلى القسم بصحبة أمين الشرطة لعمل محضر، أعطاه 100 جنيه مصري (13 دولاراً أميركيّاً) مما دفع أمين الشرطة إلى تركه قبل تحرير المحضر، لكن لم يعطه قطعة الحشيش، إذ كانت عالية الجودة كما قال.

-------
اقرأ أيضا:
الأفيون في أفغانستان.. وقود الحرب في معقل طالبان

دلالات