متقاعدات عربيات في فرنسا

18 فبراير 2019
الصورة
تتأمل البط (كريستوف سيمون/ فرانس برس)

في فرنسا تعيش نساء عربيات غادرن بلادهن منذ زمن بعيد، وقد تركن الدراسة باكراً. بعض هؤلاء بتن وحيدات بعد التقاعد، ويعانين من جراء الملل. وأحياناً، لا يغادرن منازلهن

تعدّ سعدية الراجي الأيام في انتظار راتبها الشهري الذي تبلغ قيمته 775 يورو (نحو 873 دولاراً) ، لتسديد بدل إيجار البيت وهو 510 يورو (نحو 574 دولاراً). وما بقي تصرفه لتأمين احتياجاتها اليومية. كذلك، ترسل القليل إلى ما بقي لها من عائلتها في بلدها الأم المغرب.

سعدية شبه أميّة، إذ تركت المدرسة في عمر مبكر، لتبدأ العمل في معمل للنسيج في الدار البيضاء، قبل أن تهاجر وتعيش سنوات طويلة من دون أوراق إقامة قانونية، إلى أن سُوّيت أوضاعها. وتقاعدت بعدما عملت عشرين عاماً كمدبرة منزل وطاهية لدى عائلة فرنسية يهودية. حال سعدية يشبه حال الكثير من النساء العربيات الوحيدات. نسألها عمّا تفعله في أيامها، فتقول: "لا شيء تقريباً. أظلّ في بيتي معظم الوقت، وأنام كثيراً. حين أستيقظ، أشاهد التلفزيون، خصوصاً القنوات العربية لأنني أفهم برامجها ومسلسلاتها". نسألها عن سبب عدم عودتها إلى بلدها الأصلي بعدما تقاعدت، فتشير إلى أن الفترة الطويلة التي قضتها في فرنسا جعلتها تفقد الكثير من صديقاتها. كما لم يبق لها الكثير من أهلها. لذلك، "فإن الإقامة لمدة أسبوع في المغرب كافية للسلام عليهم وتفقد أحوالهم".

الراتب التقاعدي المتواضع لسعدية لا يسمح لها بأن تقيم في بلدها أكثر من ستة أشهر. ويتوجب عليها للحصول على المساعدات التي تضاف إلى راتبها الأصلي، الذي لا يتجاوز 200 يورو (نحو 225 دولاراً)، على أن تعود إلى فرنسا لتنفق هذه المساعدات التي تحصل عليها.



حالات كثيرة تشبه حالة سعدية. ففي وقت تتفرغ المتقاعدات من الفرنسيات وغيرهن من المتعلمات للقراءة ومشاهدة الأفلام السينمائية والذهاب إلى المسرح والتطوع في العمل الخيري، تعاني الأخريات، خصوصاً الأميات، من الرتابة.

زبيدة أرملة مات زوجها قبل خمس سنوات، ونقل جثمانه إلى عنابة في الجزائر. منذ ذلك الوقت، تعيش لوحدها في ضاحية باريس الراقية. وعلى الرغم من أنها رزقت بأولاد، تقول إنهم "مشتتون في أرض الله الواسعة". ابنها الأكبر أسس شركة في أوتاوا في كندا، بعدما لم يجد عملاً في فرنسا، وابنها الثاني انتقل إلى مارسيليا. أما ابنتها الصغرى، فتعمل مهندسة في لندن.

تقول: "أعيش لوحدي كأنّني لم أنجب أولاداً". تضيف: "أفكّر في الإقامة في بلدي الأصلي بشكل نهائي. ثم أفكر في أحفادي وأتألم، على الرغم من مرور سنوات من دون أن أراهم".
"العزلة صعبة"، تقول الحاجة التونسية عيشة الفاطمي، التي تقترب من الثمانين من العمر. وتوضح أنها ساعدت في توليد وتربية كثيرين، إذ كانت تعمل قابلة قانونية. لكنّ العالم اليوم اختلف كثيراً. "تقريباً، لا يزورني أحد. ما الذي يمكنني تقديمه للآخرين؟ من هن في مثل سنّي يرحلن. ومن ليس من جيلي لا يلجأن إلي. ثم إن العالَم يعج بالحركة".

ماذا عن عائلتها وأبنائها؟ تقول: "أقيم في بيت صغير، وقد تزوج أبنائي وبناتي وبات لدي أحفاد. على الرغم من إلحاح بعضهم، رفضت الإقامة عندهم. أنا حريصة على حريّتي ولا أريد إزعاجهم". تضيف: "يحدث ألّا أخرج من بيتي أياماً عدة، إلا لشراء بعض الأغراض من صاحب المتجر، وهو عربي يعرف جيّداً ما أحتاج إليه. أحياناً، أخرج للمشي وأقضي وقتاً طويلاً في الحديقة أتأمل البط في البحيرة، أو أطعم الحمام".

الهجرات المغاربيّة الأولى التي عرفتها فرنسا شهدت وصول مهاجرين أميّين. من جهة أخرى، اتسمت زيجات عدة بفارق سن كبير بين النساء والرجال. لذلك، توفي الكثير من الرجال قبل النساء. تقول حليمة موسى، وهي جزائرية في التاسعة والستين من عمرها، وأرملة منذ عشرين عاماً: "كان فارق السنّ كبيراً بيني وبين زوجي. ومنذ رحيله قبل عشرين عاماً، أعيش لوحدي. أبنائي بقوا في الجزائر، باستثناء أصغرهم الذي تزوج من فرنسية".



نسألها لماذا لا تفكر في اللحاق بأبنائها وأحفادها في الجزائر، تجيب: "ما الذي يجعل عدداً كثيراً من المتقاعدين هنا؟ إنّها الصحة. الكلّ مريض ومنهكٌ، وأنت تعرف الوضع الصحي في بلادنا. هنا، لا أدفع شيئاً في مقابل العلاج، على عكس الواقع في الجزائر. اليوم، التحقت بجمعية خيرية تساعد في طبخ الطعام للمعوزين في فصل الشتاء. وفي شهر رمضان، أساهم في إعداد موائد الرحمن التي تقام في بعض المساجد".

هذه الحالات لا تعكس قصص جميع النساء اللواتي وجدن أنفسهن في بيئة غريبة عنهن. إذ أن بعض المتقاعدات العربيات المثقفات كانت لهن حياة مختلفة، على غرار نجاح الإدريسي التي عملت مترجمة محلّفة في المحاكم الفرنسية. الأخيرة ترفض أن تضيّع دقيقة واحدة من حياتها في النوم أكثر من اللازم. تقول: "عملت حتى تقاعدت. أثناء عملي، حُرمتُ من السينما والمسرح والسفر. حالياً، أُنجز ما فاتني، وأنظّم وقتي بشكل لا يسمح لي بالتفكير في التقاعد".
كانت قد عادت للتو من إسطنبول، وتفكر في مشاهدة آخر أفلام كلينت إيستوود، وتنتظر بفارغ الصبر قراءة رواية الياباني هاروكي موراكامي الجديدة المترجمة إلى الفرنسية.

في الوقت نفسه، حال الإدريسي لا تمثّل السواد الأعظم من النساء العربيات المتقاعدات. تقول سعدية الراجي: "لو كنت أعرف اللغة الفرنسية، لتغيرت أمور كثيرة".
تعليق: