مبدعو الأوضاع: الطريق إلى مايو 1968

21 ابريل 2015
الصورة
باريس خلال ثورة مايو 68 (تصوير: ميشال كابو)

هل من شيء جديد يمكن أن يقال حول حركة مبدعي الأوضاع (Les situationnistes) التي تشكّل في نظرنا خاتمة الحركات الطليعية في أوروبا، وأصبحت اليوم تندرج داخل مشهد تاريخ الأفكار وتاريخ الفن؟

الجواب بالسلب على هذا السؤال يستمد شرعيته من المعارض والأبحاث الغزيرة التي تناولت مختلف جوانب هذه الحركة. أما الجواب بالإيجاب فيرتكز على استنتاج مفاده أن معظم محللي هذه الحركة شاركوا، بطريقة أو بأخرى، في نسج أسطورتها أو تمزيقها، وبالتالي لم يحافظوا على تلك المسافة الضرورية من تلك الحركة لتأمين قراءة علمية لها، بعيداً عن التبجيل أو الهجاء.

هذا ما يسعى الباحث الفرنسي إيريك بران إلى تحقيقه في كتابه "مبدعو الأوضاع ــ طليعة كاملة" الذي صدر حديثاً في باريس عن "منشورات المركز الوطني للبحوث العلمية" (CNRS).

يبدأ بران بحثه باستنتاج بديهي: بخلاف الحركات الطليعية الأخرى التي تبنّت غالباً مواقف سياسية راديكالية لكن من دون أن تتحوّل إلى حركات ثورية بشكل كلي، أو تتوقف عن إنتاج أعمال أدبية أو فنية، أنجز مبدعو الأوضاع القطيعتين في مطلع الستينيات: توقفوا عن إنتاج أعمال أدبية أو فنية وأصبحوا حركةً ثورية صافية.

ولتفسير كيف ولماذا سجّلوا هاتين القطيعتين، يستعين الباحث بأدوات علم اجتماع الحقول، المستوحى من نظريات بيار بورديو، والذي يسمح بإدراك الجانب غير البديهي للحدود بين فضاءات العلوم الاجتماعية المختلفة، وإمكانية التجاوز الطليعي لهذه الحدود، في الوقت نفسه.

وبدلاً من التركيز على الحركة كمشروع منجَز فريد، يقارب وجوهها المختلفة، ما يسمح باستعادة مواصفاتها الاجتماعية والزمنيات التي مر بها برنامجها قبل أن يأخذ ملامحه النهائية: رفض النجاح الاجتماعي، الانقاص من قيمة التعليم المدرسي، محاكمة الفن واستبداله بـ "الفعل المباشر داخل الحياة اليومية"، نقد مفهوم التخصّص في حقل علمي معيّن ومحو الحدود التي تفصل الفن عن السياسة الثورية و"الحياة" لصالح "إبداعٍ شامل" و"تشييد أوضاع".

ولبلوغ مقصده، يستحضر بران مجلات فكرية ومنشورات نضالية كثيرة، ما يضع أمامنا مرحلة مفصلية من الفكر النقدي في فرنسا، أي من الخمسينيات التي كانت السورّيالية فيها قد بلغت "شيخوختها" وانبثقت بموازاتها الحركة الحروفية التي منها ستخرج حركة مبدعي الأوضاع عام 1957، مروراً ببداية الستينيات التي ستشهد خروج هذه الحركة من حقل الشعر والفنون التشكيلية نحو الحقل السياسي الثوري، وصولاً إلى عام 1968 الذي سيشهد انتشار "الرؤية الثورية الجديدة" لهذه الحركة داخل المحيط الطلابي وبلوغ أهدافها مع ثورة مايو 68.