مباحث أمن الكورونا

03 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
لا أظن أنك تعرف آية كمال ومحمد إبراهيم النجدي أو سامح، الأخ الأصغر للباحث السياسي عصام عبد الشافي و31 شخصًا آخرين، لا يتوقف عند أسمائهم أحد تم اصطيادهم أمنيًا في مصر في زفّة كورونا، والاحتفالات الصاخبة بالإفراج عن بضعة أسماء من السياسيين والناشطين المعروفين.
‫آية كمال الدين، بحسب محامين بحثوا عنها، طالبة في الصف الثالث في معهد دراسات إسلامية بمحرم بك الإسكندرية، كتبت منشورًا علي "فيسبوك" تنتقد فيه أداء الحكومة والإجراءات الخاصة بالوقاية من كورونا، فالتقطت ممثلة كوميدية تدعى بدرية طلبة، ما كتبت، ونشرت بلاغًا على صفحتها تطالب فيه باعتقال آية، وتتهمها مباشرة بالإرهاب والعمالة والخيانة. وتحركت شرطة دولة بدرية طلبة على الفور واعتقلت آية يوم 24 مارس/ آذار الماضي من منزلها في الإسكندرية، وظلت رهن الإخفاء القسري، حتي ظهرت بنيابة أمن الدولة في القاهرة، والتي قرّرت حبسها 15 يومًا احتياطيًا.
محمد إبراهيم النجدي مدرس محترم في الخمسينات من عمره، يقيم في محافظة الدقهلية، ويكتب على صفحته الشخصية على "فيسبوك" آراءه في الرياضة والفن والسياسة والتعليم والسياسة، بلغة بسيطة ومهذّبة، استفزه موضوع أن يقبض على طالبة جامعية من منزلها، بناء على رغبة وتوجيه وتعليمات ممثلة مسلسلات تافهة، فتحرّكت من جديد قوات أمن دولة بدرية طلبة، وداهمت منزله، وقبضت عليه، وقررت نيابة أمن الدولة حبسه.
سامح، الأخ الأصغر للأكاديمي والمحلل السياسي، عصام عبد الشافي، داهمت قوات الأمن منزله في الدقهلية واعتقلته، وكانت تريد القبض على والدته ذات الثمانين عامًا هي الأخرى، لولا توسلات الجيران، فتركتها.. سامح لا يتعاطى السياسة ولا يتكلم فيها ولا يكتب على فيس بوك، حيث يعمل سائقًا على سيارته الخاصة ليحصل على قوت يومه. لكن ذلك لا يعني أن يكون بعيدًا عن قبضة الأمن الباطشة، فتم حبسه من دون تهمة واضحة، سوى أن أخاه الأكبر يدرس العلوم السياسية ويتحدث في السياسة، ويعارض النظام المصري.
‫المحامي والناشط الحقوقي محسن بهنسي، تم اعتقاله من أمام منزله في حلوان، جنوب القاهرة، وعرضه على نيابة أمن الدولة التي قررت حبسه بتهمة نشر أخبار كاذبة.. كل جريمة محسن بهنسي أنه شارك برأيه في حملة "اخرجوا المساجين قبل أن يفتك بهم كورونا".
‫الشاهد أننا بصدد نظام يجد مصلحته ومتعته، معًا، في سحق قيم مثل التعايش والمشاركة والمساواة والعدالة، ويتغذّى على التهام حرية المواطن وكرامته، وأظنه يجد في فيروس كورونا حليفًا استراتيجيًا مناسبًا، يتربح منه ماديًا، ويتكسب أمنيًا، ويضاعف أرصدته من القمع والقهر والإهانة.
والوضع كذلك، أتخيل أنه لو انسحب كورونا من العالم كله، سيعرض عليه نظام عبد الفتاح السيسي الإقامة الدائمة، ويقول له ابق معنا على الرحب والسعة، أنت نورتنا وأسعدتنا.
خذ مثلًا ما جرى مع المصريين العائدين من الخارج إلى مطار القاهرة، ومساومتهم على دفع آلاف الجنيهات يوميًا، تكلفة إقامتهم الفندقية في الحجر الصحي، في إطار ما يمكن وصفه بتنشيط السياحة الفيروسية، قبل أن يتدخل السيسي، ويعلن تحمّل "دويلة تحيا مصر" نفقات الذين عادوا بالفعل وأثاروا الأزمة في المطار، فيما يرجّح أن يطبق الإجراء على من يعودون لاحقًا.
من المهم هنا الإشارة إلى الفرق بين أن تتحمّل الدولة المصرية، كما تفعل كل الدول، تكاليف وضع مواطنيها تحت الحجر الصحي وقت الوباء، وأن يقدم رئيس صندوق "تحيا مصر" على خطوة استعراضية مكشوفة، بديلًا عن الدولة، ذلك أن ذلك الصندوق يعد دويلة داخل الدولة، أو حصّالة السيسي الشخصية السرية التي يخفي فيها ما يتحصل عليه من أموال منح ومساعدات، لا يعرف مصدرها أحد، ولا تخضع لرقابة أي من جهات المحاسبة والمراقبة في مصر، ومن يحاول ذلك يكون مصيره مثل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار هشام جنينة، هناك وراء الشمس في زنزانة مظلمة داخل سجون النظام.
جاء قرار السيسي متزامنًا مع قرار آخر لوزارة الصحة باعتبار كورونا من الأمراض المعدية، وبموجب القرار يكون للوزير المختص بشؤون الصحة سلطة إصدار القرارات اللازمة لعزل أو رقابة أو ملاحظة الأشخاص والحيوانات القادمة من الخارج. وينص القرار أيضًا على أنه "لمأموري الضبط القضائي تفتيش المنازل، والأماكن المشتبه في وجود المرض بها، ولهم أن يأمروا بعزل المرضى، ومخالطيهم، وإجراء التطعيم، وتطهير المساكن والمفروشات والملابس والأمتعة ووسائل النقل، كما يجوز لهم إعدام ما يتعذر تطهيره، ولهم أن يستعينوا في ذلك برجال الشرطة".
هنا، كذلك يطغى الهاجس الأمني وتطفو الرغبة في مزيد من القمع والقهر ومصادرة الحريات على الجوانب الصحية، وكأنه بمجرد اعتماد كورونا مرضًا معديًا، صرت أنت وجسدك وحريتك الشخصية من ممتلكات الحكومة، لها سلطة التصرف فيك عزلا وحجرا واعتقالا.
ولو دققت في مضمون القرارين، تحميل العائد تكاليف إقامته بالحجْر الصحي، وقرار اعتبار منح الشرطة ومأموري الضبط حق مداهمة المنازل وتفتيشها بحثًا عن مصابين بالفيروس، ستجدهما متناقضين تمامًا، إذ كيف تكون خاضعًا بجسدك وحريتك وحتى خيالك للحكومة تقرر ما تشاء فيك، ثم تكون مسؤولًا عن نفقات عزلك صحيًا لمنع انتقال العدوى؟.
كل ذلك لا يهم، إذ لا يريد النظام سوى مزيد من الجباية المادية، ومصادرة الحريات الشخصية، وهذا ليس مستغربًا من نظام ساوم ضحاياه من الشهداء على تقارير الوفاة، بعد قتلهم في اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، فلم لا يساوم الأحياء على مصاريف كورونا؟!