ما بعد ميركل: السيسي في الجيستابو

10 مارس 2017
الصورة

ميركل والسيسي أمام أبو الهول في القاهرة (3/3/2017/الأناضول)

+ الخط -

 

حالة سعار أمني انتابت نظام عبد الفتاح السيسي، بلغت معها عمليات التصفية الجسدية والإخفاء القسري، معدلات غير مسبوقة، إذ عادت مجدداً عناوين "مقتل عناصر تكفيرية" تتصدّر نوافذ النظام الإعلامية.

الضحايا، كالعادة، شباب جامعيون يدرسون في كليات مرموقة، لا علاقة لهم بالإرهاب أو التكفير، أحدثهم طالب الهندسة عبد الله هلال عبد الله من مدينة ههيا بمحافظة الشرقية، وذلك بعد شهرين من إخفائه قسريا، عقب اعتقاله.

السيناريو بتفاصيله يتكرّر طوال الوقت، اعتقال ثم إخفاء قسري، ثم اتصال بالأهل لاستلام الجثة.. أو خبر في صحيفة دموية يقول: قوات الأمن الباسلة تقتل عناصر تكفيرية في مواجهة بالأسلحة.

أخفوه قسريا شهرين 

مؤشر التصفية والقتل خارج القانون، على يد السلطة، لا يتصاعد وحده، بل تشهد الإجراءات القمعية، وعمليات إشعال الحرائق في الأفق السياسي تصاعداً مماثلاً، من خلال مزيد من الاعتقالات لشخصياتٍ سياسية، بحجم المتحدث الرئاسي في فترة الرئيس محمد مرسي، ورئيس مركز معلومات دعم اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، الدكتور ياسر علي، وقبل ذلك إعادة اعتقال ناشطين سياسيين، انتهت مدة سجنهم، وخرجوا بقرارات إفراج.

ويلفت النظر هنا شيئان، الأول أن هذا الجنون لدى السلطة سبقته تسريباتٌ وشائعاتٌ عن مصالحات سياسية، مصحوبةٍ بتصريحاتٍ ملساء، بنعومة جلد الحية، لعبد الفتاح السيسي يتحدّث فيها عن قيم التعايش والتحاور، بل أنه، في واحدةٍ من نكاته الفاقعة، قال عن الإرهاب في سيناء إنه كان بالإمكان أن يعيش مع الإرهابيين، لكنهم هم الذين بدأوا المواجهة.

الأمر الآخر أن تصاعد عمليات القتل والتصفية والاعتقال يأتي بعد زيارة المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، القاهرة، ومكافأة السيسي بنحو 500 مليون يورو، استثمارات ومساعدات.. وأيضاً قبل أن يشد الجنرال الرحال إلى البيت الأبيض، للقاء دونالد ترامب.

السيسي، بعد زيارة ميركل، يمتلئ ثقة بأن الكبار يحمون ظهره، ويتغاضون عن جرائمه ضد الإنسان، بحجة أنه يحارب ضد الإرهاب، نيابةً عن العالم أجمع، كما تردّد أبواقه، وكما سمعت المستشارة الألمانية من الذين التقتهم بالقاهرة، من تنويعاتٍ على لحن الحرب على الإرهاب.

وبالتالي تطور سلوك النظام  إلى شيء أقرب إلى ممارسات "الجيستابو" في ألمانيا الهتلرية، مع فارق بسيط هو أن مذابح شرطة النازية، السرية، تفعلها شرطة السيسي العلنية، بينما يجمعهما أنهما تعملان بمنتهى الأريحية، وبعيداً عن المساءلة القانونية، ولم يبق إلا أن يصدر السيسي تشريعاً نازياً ينص على إعفاء "الجيستابو" من المثول أمام المحاكم "لأنه يحمي الدولة مما يتربّص بها من أعمال تخريب، أو تجسّس.

وليس غريباً، عقب مغادرة أنجيلا ميركل، أن يتوجه السيسي إلى مقر "جيستابو مصر" الشهير في جهاز الأمن الوطني، أو أمن الدولة، صاحب السمعة السيئة والسجل الأسود في أعمال القتل والتعذيب وسحق الكرامة الإنسانية.

ينطق الواقع بأن عبد الفتاح السيسي ليس معنياً على الإطلاق بموضوع المصالحة، كونه يعلم أنه في اللحظة التي يمتثل فيها لرغبات تهدئة، ليس مؤكّداً أنها قادمة من الخارج أو الداخل، فإنه يقر بأنه مارس الكذب والتضليل، على من تبقى من جمهوره، طوال السنوات الماضية، ومن ثم فكلما استشعر شبح المصالحة من حوله أطلق عليه الرصاص وأضرم النار، مفتعلاً حرائق تؤمن له الاستمرار في وضع المواجهة، حتى آخر نقطة دم مصرية.

من المهم التوقف هنا عند إشارتين، صدرتا من بريطانيا، الأولى من لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني التي جدّدت دعوتها حكومة بلادها إلى الانخراط في مفاوضات ومباحثات مباشرة مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية، وشدّدت على رفضها استخدام تسمية الإسلام السياسي لوصف جميع الحركات الإسلامية في العالم.

والثانية من نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، بتصريح جاء فيه "أن الجماعة ستصبر على الأذى الذي تتعرّض له من جانب النظام العسكري في مصر"، معبراً عن ثقته في أن صبرهم على أذى السيسي هو الذي سيهدم الانقلاب.

وبالطبع، لغة مثل هذه لا يريدها عبد الفتاح السيسي، فيسعى إلى تأجيج الحريق بمزيدٍ من القتل والتصفية والاعتقال، كما تزعج بعض أصوات صادرة مما أسميتها "طحالب تكدّست على ضفتي "دعم الشرعية" فجأة، وتكاثرت كالفطر، وابتذلت المشهد كله، وراحت تتقافز هنا وهناك، بخطابٍ منفر، وتريدها مثل عبد الفتاح السيسي، ناراً تحرق كل شيء، بما يحقق رغبة الجنرال في حالة "سورية والعراق" كما يحلم بها.