ما بعد إسقاط الانقلاب على الغنوشي: حسابات جديدة لـ"النهضة"

01 اغسطس 2020
الصورة
نجحت "النهضة" في تخطي تحدٍ مهم (فتحي بلعيد/فرانس برس)

يمكن اعتبار سقوط لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان التونسي، رئيس حركة "النهضة" راشد الغنوشي، نقطة تحوّل مهمة في التجربة التونسية، وستحدد الخيارات ما بعدها مدى قدرة هذه التجربة على الصمود أمام تحديات الداخل الوطني من جهة، وأمام الاستهداف من المعسكر المعادي للثورات العربية، من جهة أخرى. وعلى امتداد أسابيع، لم يهدأ الإعلام الإماراتي والمصري والسعودي في استهداف التجربة التونسية وحركة "النهضة" ورئيسها، في مسعى لضرب أحد أساسات الانتقال الديمقراطي ومحاولة إعادة تشكيل المشهد التونسي من جديد عبر إقصاء "النهضة" من رئاسة البرلمان ثم من الحكومة. وربما لاحقاً إطلاق ما يسميه الفرنسيون "ملاحقة السحرة" أي فتح الملفات وتصفية الحسابات في اتجاه عملية استئصالية يمكن أن تقود البلاد إلى حالة احتراب أهلي، وإسقاط هذه التجربة نهائياً بعدما صمدت في وجه كل المصاعب.
وعلى الرغم من كل ذلك، جاءت النتيجة عكسية، وانتصرت الديمقراطية التونسية مرة أخرى، ولم يكن أحد داخل البرلمان وخارجه يعرف نتيجة التصويت حتى اللحظة الأخيرة، وقال الغنوشي بعد الجلسة الخميس "لا أحد كان متيقّناً من نتيجة التصويت وهو دليل على أنّ تونس تعيش ديمقراطية حقيقية، الشعب فيها صاحب القرار". وكتب وزير الثقافة السابق، مدير المعهد العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تونس، المهدي مبروك "هذه هي الديمقراطية، اختزالها أحياناً في أصابع تُرفع أو أوراق تحصى أفضل ألف مرة من الانقلابات. أن تكتم نتيجة سياسية ما أنفاس الناس لأطول من أسبوع فهذا مؤشر مهم وإحساس لن ينتاب شعوباً لقرون قادمة. لا شك أن البلاد تحتاج إلى مرحلة جديدة تنهي مرحلة الاحتقان والتنافي".
وأكد القيادي في "النهضة"، سامي الطريقي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تونس مرت بإحدى أهم تجاربها الديمقراطية وذلك من خلال التصويت على الثقة برئيس برلمانها، ولكن الصندوق صوّت لصالح الاستقرار وهو مفهوم استثمرت فيه "النهضة" طويلاً ووجدت اليوم ثماره. ولحصيلة التصويت انعكاسات على المشهد التونسي العام وعلى الداخل النهضوي أيضاً، وفي هذا الاتجاه أشار الطريقي إلى أن المشهد البرلماني لم يتغير كثيراً، إذ إن من رفض منح الثقة للغنوشي عند توليه رئاسة البرلمان (94 نائباً) هم أنفسهم بتشكيلاتهم ذاتها من صوت لسحب للثقة منه (97 نائباً).
ولاحظ الطريقي أن نتيجة ما حصل توضح أن "هناك علاقة مهمة تجد طريقها بين قلب تونس والنهضة يمكن تسميتها بعلاقة مصلحة وطنية أو التقاء مصالح مشتركة من أجل المصلحة الوطنية". ولفت إلى أن "هناك مزيداً من القناعة داخل النهضة على رفع كل تحفظ إزاء من حملوا عليها أثناء الحملة الانتخابية ووصفوها بحزب الفساد، وأن هناك قناعة انقشعت بعد ما رأوه من حزب التيار الديمقراطي الذي عرف بمناهضة الفساد كشعار بخصوص قضية تضارب المصالح وأيضاً بعد رفع كل التحفظات عليه من قبلهم مقابل تخليهم عن النهضة، ما أدى إلى أن جسم النهضة أصبح قابلاً بشكل كلي لهذه العلاقة".

قيادي في "النهضة": هناك علاقة مهمة تجد طريقها بين حركتنا و"قلب تونس"
 


ونبّه الطريقي إلى أن الغنوشي خرج من هذه المعركة بنتيجتين، أولاهما صحة خطه السياسي حين تمسك بحكومة وحدة وطنية منذ البداية بينما دعته قواعد "النهضة" وبعض قياداتها إلى عكس ذلك، والثانية ببعث برسالة إلى الجميع بأن "النهضة" متماسكة وهي جسم واحد ملتف حول قيادته على الرغم من بعض الخلافات الداخلية. وأردف "لكن هذا لا يمنع الحركة من استيعاب أخطائها، فما عرفته في سياقها الأول عند تشكيل حكومة الحبيب الجملي ليس إلا فاصلاً لا يمكن العودة إليه، وأن العلاقة بالدساترة، باستثناء من ينسب نفسه لهم وهو بعيد عن منهجهم، يجب أن تتعمّق، كما أن الحركة تحتاج إلى الخروج عما يمكن أن يعزلها".
ولفت إلى أن الغنوشي ثبت على خطه التوافقي على الرغم من سقطة الانتخابات ودفع ثمناً غالياً، إذ سقطت حكومة المجلس وكان يمكن مرورها لو استمر التوافق الذي بدأ مع "قلب تونس" في انتخابات رئاسة البرلمان ومنصب نائب الرئيس الأول في شخص سميرة الشواشي. وأشار إلى "أهمية بقاء الغنوشي في شخصه وصفته كعامل توازن مهم باعتباره عنواناً للتوافق وتماسك مؤسسات الدولة من دون غلبة مؤسسة على أخرى او بالأحرى تغول واحدة على الأخرى".

من جهته، قال القيادي في "النهضة"، وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام، في حوار إذاعي، إن "هناك التفافاً كاملاً من أبناء حركة النهضة حول الغنوشي... الجسم النهضوي موحد حوله والغنوشي سيظل في قيادة الحركة بغض النظر عن الموقع لأن تونس والنهضة في حاجة لراشد الغنوشي". وأضاف أن "هناك قوى كثيرة تتربص بالديمقراطية التونسية ومجرد وجود برلمان تونسي حر يزعجها... مجرد وجود انتخابات نزيهة يزعج بعض الدول التي ليس لديها معنى لمفهوم البرلمان المنتخب أو الانتخابات النزيهة... عندما نشاهد المحاولات الممنهجة لإرباك عمل مجلس النواب ومحاولة ترذيل المؤسسة البرلمانية فهذا لا يمكن إلا أن نضعه في خانة التآمر والتربص بالديمقراطية التونسية... لذلك يجب الحفاظ على استقرار البرلمان وعدم ترك المجال لبعض القوى لضرب استقراره".
أما النائب، القيادي في "النهضة"، سمير ديلو، فدعا أعضاء مجلس النواب إلى طي صفحة لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان والعمل على بناء الثقة من جديد لتجاوز الانقسام الحاصل. وشدّد في حوار إذاعي على أن "ما حصل في مجلس النواب هو تمرين متقدم جدا في الانتقال الديمقراطي وكل من شارك فيه هو شريك في الانتقال الذي يصنع الاستثناء التونسي... لأنه في أماكن أخرى من هذا الكوكب ما زالت هذه المعارك تحسم بالرصاص والدماء... والحرية كسبت اليوم معركة مهمة لكن على المؤمنين بها استخلاص الدرس منها والعمل على إعادة بناء التوازنات المحصنة لها عبر فتح النقاشات بين كل عقلاء البلد حتى نخلق حالة تطبيع بين كل العائلات الفكرية".
كما دعا القيادي في "النهضة"، وزير الحكم المحلي، لطفي زيتون، إلى البحث عن "توافق تحميه موازين قوى على الأرض، والمدخل إلى ذلك هو دراسة ونقد تجربة التوافق الأولى (مع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي) والوقوف على مكامن ضعفها، لأن كلاً من توافق 18 أكتوبر/تشرين الأول (حصل قبل الثورة بين كل القوى المناهضة للاستبداد على اختلاف عائلاتها الفكرية) وتوافق أغسطس/آب 2013 (مع السبسي) حقق أهدافه على مدى قصير فقط (5 سنوات) لتعود الساحة إلى الانقسام من جديد، ويجب أن نبحث عن توافق وطني يقوم على الوحدة الوطنية والمصالحة الشاملة ويؤسس لجيل توافق يرسم ملامح مجتمعية جديدة". وبرأيه "يقع على النهضة اليوم، باعتبارها الحزب الأول، العبء الأكبر في تقديم ما يحتاجه هذا التوافق من مقدمات، هذا إلى ما ينتظرها من العمل الشاق على استعادة قدرتها على التطبيع المجتمعي والتفاعل أكثر لاستعادة التوازن داخل الرأي العام الوطني".

أكد الغنوشي حرص "النهضة" على مواصلة التعاون مع سعيّد، واعتبر أنه يشكل رمز وحدة الدولة التونسية
 


ويبدو أن الغنوشي قد تنبّه إلى هذه الأصوات التي حذرت من هذا الوضع حتى قبل الانتخابات الماضية، ووجه رسالة بعد جلسة التصويت، أكد فيها حرص "النهضة" على مواصلة التعاون مع الرئيس قيس سعيّد، الذي اعتبر أنه يشكل رمز وحدة الدولة التونسية. وأشار أيضاً إلى أن الحركة ملتزمة بدعم رئيس الحكومة المكلف، هشام المشيشي، لتأمين كل ظروف النجاح لحكومته المقبلة. وهو ما يتعيّن على "النهضة" أن تبادر به سريعاً، لأن فتح جبهات مع الجميع والتصارع معها على كل الواجهات سيزيد في هشاشة الوضع ويعقّد وضع البلاد في حقل الألغام الذي تفرضه الظروف الاقتصادية الخانقة، والإقليمية المتوترة، والقوى المتربصة بالثورة، التي تجد في حالات الضعف والانقسام مجالاً خصباً للتحرك وتوجيه ضرباتها.
ومع انتهاء هذا التحدي، يفتح التونسيون بعد عيد الأضحى تحدياً جديداً هو تشكيل الحكومة التي سيرأسها هشام المشيشي، ويبدو أنه أرجأ حواره مع الأحزاب حتى تظهر نتيجة التصويت في البرلمان وما سيترتب عليها من توازنات جديدة. وبدأ المشيشي بلقاء المنظمات والشخصيات الوطنية، في انتظار أن يفصح عن نواياه بخصوص شكل هذه الحكومة ومكوناتها، وسيكون هو الآخر أمام مهمة معقدة بالنظر إلى حالة الانقسام التي تطبع الساحة التونسية وحجم المهام الصعبة التي تنتظره على المستويات الاجتماعية والاقتصادية.