ما أشبه الليلة بالبارحة

ما أشبه الليلة بالبارحة

16 مارس 2016

أبو الغيط أميناً للجامعة: انحدار السياسة المصرية (Getty)

+ الخط -
أشعر بالنفور كلما جاء ذكر جامعة الدول العربية أمامي. أعترف بذلك، وأعزوه ربما إلى عقدة شخصيةٍ حملتها وأنا فتى. في منتصف السبعينات، رشحت للعمل ملحقاً إعلامياً في الجامعة، ولم يبق سوى موافقة الأمين العام، محمود رياض، الذي استبعد ترشيحي، وعيّن مصرياً في الموقع الشاغر. حدث الشيء نفسه مع زميل من الجزائر، رشّح هو الآخر، واستبدل في آخر لحظة بموظف مصري.
في حينها، حملت شكواي إلى ممثل العراق في الجامعة، الوزير عبدالله سلوم السامرائي، وعلى شفاهي سؤال عمّا إذا كانت "الجامعة" عربية فعلاً، أم هي لمصر فقط؟ أفادني السامرائي أنه اكتشف من عمله أن الجامعة تدار وكأنها شعبة تابعة لوزارة الخارجية المصرية، قلت له: إذا كان ذلك معروفاً، ما الذي اتخذتموه تجاه ذلك؟ أجابني بمرارة: نحن نفهم هذا كله ونعرفه، لكن الوضع العربي الراهن وتداعياته الماثلة تجعلنا نغض الطرف عن قضايا صغيرة كهذه، من أجل القضايا الأكبر.
أصبحت سياسة "غض الطرف" قاعدة ثابتة على ما يبدو، جديد ذلك ما أعلن عن توافق الدول الأعضاء في الجامعة على تولي أحمد أبو الغيط الأمانة العامة خلفاً لنبيل العربي، وقيل إن ذلك تم للحفاظ على "العمل العربي المشترك"، بمعنى أن الوضع العربي الراهن وتداعياته الماثلة جعلت الدول الأعضاء تغض الطرف عن قضيةٍ صغيرةٍ، كقضية تعيين أمين عام من أجل القضايا الأكبر، وما أشبه الليلة بالبارحة.
دفعت الواقعة الجديدة إلى الواجهة بمنطقٍ لم يعد مستقيماً مع واقع الحال الماثل في عالمنا العربي يقول بضرورة ما يسميه "الاستمرارية المصرية" في قيادة الجامعة، بمعنى إبقائها تحت وصاية وزارة الخارجية المصرية، بزعم أن مصر هي الأعرف بالمشكلات الراهنة، والأقدر على إيجاد الحلول لها، وهي أيضاً دولة المقر، حيث يفرض العرف الذي أوجدته مصر نفسها أن تتولى منصب الأمين العام شخصية من دولة المقر دائماً، وهو ما لا نعرف له مثيلاً في المنظمات الدولية والعربية، وقد حدث أن تولى مصريون هذا المنصب ست مرات، والاستثناء الوحيد كان في تولي شخصية تونسية (الشاذلي القليبي) المنصب، إثر خروج مصر من دائرة العمل العربي، بعد زيارة السادات لإسرائيل.
وحتى مع القبول بهذا المنطق، يثير اختيار أبو الغيط لهذا المنصب إشكالاتٍ عديدة، يرتبط أولها بقضية العرب الأولى فلسطين، إذ كان أبو الغيط إحدى شخصيتين أعلنتا الحرب على غزة عام 2008، الثانية تسيبي ليفي وزيرة خارجية إسرائيل. ومن مصادفات السياسة، وبعض مصادفات السياسة يبدو كأنه مرسوم بعناية، أن تقصف إسرائيل غزة بعد أربع وعشرين ساعة على اختيار أبو الغيط لمنصب الأمين العام، وكأنها اختارت الطريقة المناسبة لمبايعته، ومباركة تعيينه.
الإشكال الآخر أن اختيار أبو الغيط آخر وزير خارجية في نظام مبارك، دون سواه من رجالات مصر، وهم كثر، وبترشيح من حكومة السيسي، يعطي صورة واضحة لمشهد انحدار الأداء السياسي المصري، وانكشافه الذي تواصل فصولاً، منذ قدّر للعسكريتاريا المصرية أن تستعيد سيطرتها على الحكم، بعد أن أوشكت أن تفقدها إثر ثورة يناير.
لسنا في وارد كشف العثرات التي غطتها سياسة "غض الطرف"، وهي كثيرة. لكن، لا بد من التأشير أيضاً، وبالخط الأحمر، على توافق دول الجامعة، في خطوةٍ أخرى لا سابق لها، على منح الأمين العام السابق، نبيل العربي مليوني دولار، تضاف إلى مكافأة نهاية الخدمة التي تقدر بخمسة ملايين دولار "تقديراً له على المجهود الكبير المبذول في السنوات الخمس التي قضاها أميناً عاماً"، ونسي المانحون أن الجامعة تعاني عجزاً مالياً، وأنها تلكأت في تقديم دعم مالي لأهالي غزة، واستنكفت عن إغاثة نازحي العراق، وليتهم أعلموا مواطنيهم المغلوب على أمرهم بحصيلة "الجهد الكبير" الذي بذله العربي، فاستحق منحه مكافأة ضخمة كهذه، كي يطمئن الجميع على أن جامعتهم في أحسن حال.
وليت المونولوجست العراقي عزيز علي أمد الله عمره، ليكتشف أن جامعتنا التي عاتبها في أحد مونولوجاته قبل نصف قرن، لأنها خذلت العرب، ولم تعمل على توحيدهم تحت راية واحدة، قد كشفت عن سوءاتها اليوم، وقد لا يكفيه العتاب، وإنما قد يفكّر أن يهجوها بأقذع مما قاله أجدادنا من شعر الهجاء.