ماذا لو بنى السودان سدّ النهضة؟

08 يوليو 2020
الصورة

شهد ملف بناء سد النهضة تهاوناً من الحكم في القاهرة، إلى حد منح إثيوبيا الموافقة على بنائه، من دون انتباه إلى مخاطره، بالكيفية التي تريدها إثيوبيا، على مصر، غير أن مرحلة بدء ملء خزانه أعادت الوعي، متأخراً، وجعلت هذا الملف يتفاعل، ويُحدث توتراً بين بلدان النهر الثلاثة. ومع دخول مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي على خط المفاوضات، بدا أن الأمر وصل إلى مرحلةٍ من الخطورة، لم يكن ليصل إليها لولا التهاون المصري، وهو تهاونٌ ربما كان سينقلب إلى عكسه، لو أن السودان هو الذي بنى السد، يخبرنا بذلك تشدّد مصر تجاه السودان في موضوع مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد المتنازعين عليه.

كان وَجْهُ وزير الخارجية المصري، سامح شكري، الباهت في أثناء إلقاء كلمته في جلسة مجلس الأمن الافتراضية في 29 الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، لمناقشة قضية ملء الخزان، خير دليلٍ على حجم الورطة التي وجدت بلاده نفسها فيها مع قرب بدء الملء، وسبّبها توقيع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، "اتفاقية إعلان مبادئ وثيقة سد النهضة"، سنة 2015، مع السودان وإثيوبيا، وخوَّلت الأخيرة فعل ما تراه مناسباً لبناء السد. فقد ظهر شكري فاقداً أي حيلةٍ تمكِّن بلاده من تغيير خطط إثيوبيا، وتمنعها من اتخاذ خطواتٍ أحاديةٍ تتعلق بالفترة التي قرّرتها لملئه. أما لغته فكانت لغة استعطافٍ، أراد بها أن يستدرَّ عطف الدول المجتمعة، حين تحدَّث عن مصيرٍ مجهولٍ ينتظر مائة مليون مصري جرّاء السد "الذي يمكن أن يعرِّض أمن وبقاء أمةٍ بأسرها للخطر بتهديده مصدر الحياة الوحيد لها". أما كلامه الدبلوماسي عن أن ملء السد من دون اتفاقٍ "سيزيد التوتر ويمكن أن يثير الأزمات والصراعات التي تهدِّد الاستقرار"، فيختلفُ عن لغة رئيسه، السيسي، عن قوة بلاده "الغاشمة" كما وصفها مرةً، اللغة التي ظهرت في كلمته قبل أيامٍ من حديث شكري؛ في أثناء تفقّده وحدات مقاتلة تابعة للقوات الجوية في المنطقة العسكرية الغربية، وتحدّث فيها عن إمكانية تدخل مصر عسكرياً في ليبيا. 

تغيب الشكيمة لدى حديث المسؤولين المصريين عن أزمة السد وتحضر لدى الحديث عن ليبيا

لم يتحدّث السيسي عن "زيادة التوتر" وإمكانية "إثارة الأزمات والصراعات التي تهدّد الاستقرار" إذا تدخلت بلاده لصالح طرفٍ ضد آخر في النزاع الليبي، بل قال إن بلاده ستتدخل إذا طلب الليبيون ذلك، مشدّداً على استعداء الطرف الشرعي واصفاً إياه بـ"الإرهابي"، ومطالباً إياه بتسليم أسلحته للطرف المتمرّد، أي اللواء المتقاعد خليفة حفتر. وظهرت شدة الشكيمة على وجه السيسي، وهو يوجه تهديداته إلى الليبيين، على عكس الطيبةِ والبراءة على وجه وزير خارجيته، وهو يتحدث عن التهديدات الوجودية التي تطاول بلاده. وفي حين كان خطاب السيسي نارياً، وجّه خلاله تهديدات لمن سيتطاول على أمن بلاده، لم يأتِ على ذكرِ إثيوبيا بكلمة، فالمرجّح أنه اكتشف أن الخطر الآتي من إثيوبيا غير ذي شأن بالنسبة له، عندما قارنه باحتمالات الخطر المفترض الآتي من ليبيا. 

هل مصر جادّةٌ في موضوع مواجهة إثيوبيا لمنعها من تنفيذ أجندتها في ملء الخزان؟ إن كانت جادّة، هل هي قادرة على خوض حربٍ أو معركة لإجبار إثيوبيا على التقيُّد بموضوع ملء الخزان وفق المدة التي تراها مصر؟ من شاهد وجه السيسي العابس وتكشيرة أسنانه، والعرض العسكري الذي كانت عشرات الدبابات، وغيرها من صنوف الأسلحة، حاضرةً فيه، ظن أن هذا التحشيد يُراد منه إيقاع الخوف في قلوب الإثيوبيين، وثنيهم عن فعلتهم. لكن اللغة القوية من أهل السلطة في مصر هذه الأيام لا تجد لها مقصداً سوى ليبيا، وحصراً نحو الحكومة التي تعترف بها الأمم المتحدة.

ربما تعود لغة سامح شكري اللينة مع إثيوبيا إلى سجل مصري حزين في المعارك معها، حين هزمت القوات المصرية في معركتين، غوندت 1875 وغورا 1876.

وبناءً على التهاون تجاه إثيوبيا، والتشدّد تجاه أحد طرفي النزاع الليبي، يمكن تخيل الموقف المصري لو أن السودان هو الذي بنى سد النهضة، وليس إثيوبيا. كنا سنشهد تلك الدبابات والأسلحة وقد يمّمت وجهها شطر السودان، وربما من دون إنذار أو تهديد. ويستند هذا التخيل إلى وقائع الموقف المصري من قضية مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد الذي يتنازع عليه الطرفان منذ ستة عقود، ورفضت مصر التحكيم الدولي بشأنه، لأنها تعتبره جزءاً من أراضيها، في حين يعتبره السودانيون أرضهم، وأن سكانه جزء من بلادهم، وهؤلاء تمتد أصولهم إلى داخل السودان. وتعتبر الخرطوم أن مصر اعترفت بالسيادة السودانية على المثلث عند اعترافها، سنة 1956، باستقلال أراضي السودان الواقعة عند خط العرض 22 التي تشمل المثلث. لم تراع مصر ذلك، وطرحت مناقصةً للتنقيب عن النفط والغاز، في مارس/ آذار 2019، على الرغم من اعتراض الحكومة السودانية التي دعت الشركات العالمية إلى عدم المشاركة في المناقصة، وحذّرتها من تعريضها للمساءلة القانونية إن بدأت العمل في المنطقة. ولكن مصر لا تعير المطالبات السودانية للتحكيم الدولي، ولا احتجاجاتها على خرق سيادة المنطقة، أي اهتمام، وهو ما يؤيد افتراض أن القوات المصرية كانت ستدكّ كل مدماكٍ يرتفع في جسم السد لو أن السودان هو الذي بناه. 

ربما تعود لغة سامح شكري اللينة مع إثيوبيا إلى سجل مصري حزين في المعارك معها، حين هزمت القوات المصرية في معركتين، غوندت 1875 وغورا 1876. وفي التساؤل عن غياب شدّة الشكيمة لدى حديث المسؤولين المصريين عن أزمة السد، وحضورها لدى الحديث عن الأزمة في ليبيا وإمكانية تدخلهم فيها، فربما يعود إلى أنهم مدفوعون من الإمارات والسعودية، لمواجهة الوجود التركي الذي يدعم الحكومة الشرعية هناك، فقد تدفع مصالح هاتين الدولتين الجيش المصري إلى التدخل في حربٍ لا تخصّ شعبه، في حين يمتنع عن إظهار القوة في مصلحةٍ تخصّ شعبه، ومستقبل الحياة في بلاده.