ليبيون في تونس يحاولون كسر حاجز الغربة

20 ديسمبر 2019
الصورة
في مدرسة ليبية في تونس (نيكولا فوكيه/ Getty)
يحاول الليبيون في تونس مقاومة الغربة بأشكال مختلفة، ويخلقون فضاءات خاصة بهم تسمح لهم بالتواصل في ما بينهم وإحياء المناسبات في أطر أسرية تحفظ لهم خصوصيتهم، علماً أنّ هؤلاء كانوا قد اختاروا الاستقرار في تونس منذ موجات الهجرة الأولى التي عقبت الثورة الليبية. ومن تلك الفضاءات ما هو افتراضي على شبكات التواصل بهدف تبادل المعلومات وتقاسم المشاغل وتقريب الخدمات باختلافها إلى الوافدين حديثاً إلى البلاد. وتوفّر الصفحات الخاصة بالليبيين في تونس معلومات محدّثة حول أسعار صرف العملات وأوضاع المعابر البرية وبدلات الإيجار وعروض العقارات المتوفّرة. بعيداً عن العالم الافتراضي، يعمد الليبيون في تونس إلى التقارب في السكن. يأتي ذلك في تجمّعات بأحياء راقية في العاصمة التونسية التي تحوّلت مناطق فيها إلى ما يشبه الأحياء الليبية بسبب كثافة الليبيين، على سبيل المثال النصر والعوينة والبحيرة.

وعلى الرغم من بعدهم عن وطنهم، لا يعيش الليبيون في تونس غربتهم بصعوبة، نظراً إلى سهولة الاندماج في الأوساط التونسية ووجود عدد كبير من أبناء الوطن الذين يقيمون بصورة دائمة في تونس أو يترددون عليها باستمرار. عدنان عبد المؤمن عمر، واحد من هؤلاء وهو يقيم في تونس منذ سنتَين بسبب ارتباطه بوظيفة في مصرف شمال أفريقيا الدولي (فرع للمصرف الليبي الخارجي). يخبر "العربي الجديد" أنّه لم يشعر بالغربة ولو ليوم واحد، مشيراً إلى أنّه يتقاسم الشعور نفسه مع معظم أبناء بلده المقيمين في تونس. ويؤكد عبد المؤمن عمر أنّ "الليبيين في تونس ينقسمون إلى ثلاث فئات، الأولى هم المقيمون بشكل دائم ومعظمهم من الذين فرّوا من ليبيا منذ عام 2012، والثانية هم المقيمون في إطار ارتباط وظيفي، والثالثة هم الذين يقيمون بصورة غير دائمة فيقصدون البلاد بحثاً عن علاج على سبيل المثال لا الحصر". يضيف أنّ "الليبيين خلقوا لأنفسهم أشكالاً من التنظيم في داخل تونس بهدف التخفيف من إحساس الغربة، فيكثرون الزيارات في ما بينهم، ساعين إلى الحفاظ على عاداتهم وإحياء تقاليدهم في مناسباتهم الخاصة والعامة. وأنا حضرت أكثر من مناسبة لليبيين اختاروا إقامة أفراحهم في تونس، فكانت الأجواء أشبه ما يكون بأجواء الأعراس في طرابلس أو أيّ مدينة ليبية أخرى، لكنّها بشكل مصغّر وأقلّ كلفة". ويتابع عبد المؤمن عمر أنّ "الليبيين المقيمين بشكل دائم دمجوا أطفالهم في المدارس الحكومية التونسية، وهؤلاء يحققون نتائج جيّدة. أمّا الكبار فاختاروا مقاهي ومحلات ترفيه للقاءات يومية يتبادلون فيها أطراف الحديث عن الوطن والمستجدات على الساحة الليبية".



وعلى خلفية الأوضاع الأمنية التي لم تهدأ منذ اندلاع ثورة فبراير/ شباط 2011، رأى آلاف الليبيون أنفسهم مضطرين إلى مغادرة بلادهم واللجوء إلى تونس البلد الأقرب من أكثر من ناحية، اللهجات والعادات والتقاليد. ويفوق عدد الليبيين المقيمين في تونس اليوم سبعة آلاف ليبي، بحسب إحصاءات السفارة الليبية في تونس التي تقسّهم كمقيمين بصورة دائمة ولاجئين وسيّاح. ويتوزّع هؤلاء على أحياء راقية في العاصمة تونس أو على محافظات الجنوب الشرقي، وفي الأساس في جزيرة جربة ومحافظتَي قابس وتطاوين نظراً إلى القرب الجغرافي من الوطن وتدنّي بدلات الإيجارات بالمقارنة مع بقية محافظات الشمال والمحافظات السياحية الأخرى. ويحفّز وجود الليبيين في تونس المستثمرين في قطاع المطاعم والمقاهي على توفير منتجات خاصة بهم، فتنتشر في العاصمة سلسلة مطاعم "النجع" التي تقدّم أطباقاً ليبية يقصدها الزبائن يومياً بحثاً عن أطباق "المبكبكة" و"ردشتة الكسكاس" و"المبطن" و"الكسكسي بالبصلة" وغيرها من الأطباق التي تُدرج في إطار أبرز الوصفات من مختلف مدن ليبيا.



تجدر الإشارة إلى أنّه على الرغم من سهولة الاندماج في تونس وعوامل القرب الجغرافي والثقافي، لا تخلو حياة الليبيين فيها من صعوبات بسبب تغيّر نمط عيشهم. ففي بداية الهجرة، كان إقبال على عقارات في الأحياء الراقية، ثمّ صار التوجّه إلى الأحياء الأقلّ كلفة وحتّى المناطق الشعبية القريبة من العاصمة. ويعود ذلك إلى ارتفاع الأسعار، خصوصاً بدلات إيجار الشقق والمنازل المفروشة التي تصل إلى 100 دينار تونسي (نحو 35 دولاراً أميركياً) يومياً، بينما تبلغ قيمة استئجار شقة عادية نحو ألف دينار (نحو 350 دولاراً) شهرياً. ويشكو ليبيون من التعرّض لعمليات استغلال عند استئجار المساكن أو استخدام سيارات الأجرة أو في عند تلقّي الخدمات الصحية. كذلك، تمثّل اللغة الفرنسية واحداً من أبرز الحواجز التي تحول دون التحاق طلاب ليبيين بالجامعات التونسية، إذ يصعب عليهم إتقان اللغة الفرنسية (اللغة الثانية في تونس) في مرحلة تعليمية متقدّمة، الأمر الذي يضطر عدد كبير منهم إلى مغادرة تونس للدراسة في مصر أو في الأردن حيث اللغة الإنكليزية هي اللغة الأجنبية الأولى هناك.