ليبيا .. انقسامات وتقسيم

03 اغسطس 2020
الصورة

مع اقتراب الأزمة الليبية من إكمال عقدها الأول، تشير التطورات، من طرف خفي، إلى أن التقسيم صار السيناريو الأقرب لمستقبل ليبيا، بعد أن توقفت عجلات التغيير عن الدوران. قبل أشهر، حال التدخل التركي دون سيطرة اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، على طرابلس وإخضاع ليبيا كلها لسيطرته سياسياً وعسكرياً. وفي المقابل، عجزت أنقرة عن تمكين حكومة الوفاق من بسط سيادتها على مناطق شرق ليبيا، بفعل ممانعة إقليمية دولية مشتركة، رأس حربتها مصر وقاعدتها الخلفية مثلث فرنسي روسي إماراتي، فضاعت على الليبيين فرصة استعادة الدولة الليبية موحدةً تحت سلطةٍ سياسيةٍ واحدة.
معلومٌ أن التدخل التركي قلب الموازين على الأرض، غير أن الأخطر فيه كان تغيير خريطة توزيع النفوذ وتقليص نطاق الهيمنة وإزاحة نقاط التمركز الجيواستراتيجي لمعسكر الشرق، حتى تكاد تقتصر على الهلال النفطي، ومنه شرقاً حتى الحدود المصرية. وجاء رد الفعل الأبرز والأعلى صوتاً من القاهرة بالتهديد بالتدخل العسكري المباشر، إذا تجاوزت قوات "الوفاق"، المدعومة تركياً، خطاً أحمر، هو سرت - الجفرة. وهو الوصف الذي ورد للمرة الأولى على لسان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قبل أن تلتقطه القاهرة، وتتبناه بعدها بأيام.
لم يقتصر ذلك التداخل الإقليمي الدولي على معسكر دعم حفتر، ففضلاً عن الاعتراف الدولي والمشروعية القانونية والأممية التي تتمتع بها حكومة الوفاق، والدعم التركي الشامل لها، تحظى "الوفاق" أيضاً بمساندة جزئية من ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية، وأخيرا انضمت إلى هذا الجانب إيطاليا والجزائر وتونس بدرجة أقل. 
وعلى خلاف التأييد المبدئي الثابت لحفتر، بوصفه رمزا وواجهةً لداعميه، في مواجهة "الوفاق" وكل ما له صلة بالإسلاميين، ولو شكلاً، فإن حسابات الأطراف المساندة للوفاق "وظيفية"، أي مرهونة بمصفوفة التهديدات والمصالح المتغيرة، الخاصة بكل طرف. وليست مقرونةً بموقف مبدئي مسبق أو ثابت بدعم "الوفاق" ومناوأة حفتر، فقد تطورت وتبدلت مواقف تلك الدول عبر مراحل الأزمة، خصوصاً منذ بدأ حفتر زحفه نحو طرابلس في 4 إبريل/ نيسان 2019. مثلاً لم ترَ الولايات المتحدة أي غضاضة في وصول حفتر إلى طرابلس، وكان لترامب تصريحات مباشرة علنية بدعم حفتر "في جهوده لمكافحة الإرهاب". ولكن واشنطن أيضاً غضت الطرف عن مسارعة تركيا إلى دعم حكومة الوفاق وقلب الطاولة على حفتر. ردا على الحضور الروسي في الشرق، واتساع نطاق وأشكال دعم موسكو حفتر عسكرياً، بما يعنيه ذلك من دور ونفوذ مستقبليين. 
وينطبق التفسير ذاته على كل من الجزائر وإيطاليا، فحسابات روما مهجوسةٌ دائماً بالتنافس المحتدم مع باريس بشأن الموارد والامتيازات النفطية الليبية. أما الجزائر فقد ظلت متحفظةً على إعلان موقف واضح من التحولات المهمة الجارية في ليبيا، حتى أعلنت مصر إمكانية التدخل مباشرة، أو عبر تسليح القبائل الليبية، فكان الرد الجزائري صريحاً وعلنياً برفض كلا الخيارين. لم يكن الموقف الجزائري اقتراباً من "الوفاق"، وإنما خشية مما أسماه الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، "صوملة" ليبيا.
هذا التباين بل التناقض في الحسابات والدوافع الإقليمية والدولية كفيل بتجميد الموقف العسكري، وبالتالي السياسي، فيحتفظ كل طرف داخلي بما لديه من نفوذ على الأرض، وسيطرة على الموارد ودعم خارجي، فلا تتمكّن "الوفاق" من الاستيلاء على الهلال النفطي، ولا يغامر حفتر (أو من سيخلفه ربما قريباً) بقفزاتٍ أخرى نحو الغرب. جوهر هذا الوضع هو التقسيم بعينه، وهو مرشّح للاستمرار على الأرض إلى حين، وربما يجري تقنينه لاحقاً في تسويةٍ سياسيةٍ تفضي إلى نظام حكم فيدرالي أو كونفيدرالي. ولكن، ما لم تتشكّل الدولة الليبية من سلطة سياسية واحدة تملك المشروعية والقوة معاً، فالانقسام هو الوصف الحقيقي للواقع الليبي، أياً كان الاسم والصيغة الشكلية.