ليبيا .. أجراس ما بعد برلين

09 فبراير 2020
الصورة
+ الخط -
في مقبرةٍ على أطراف الزنتان، جنوب غربي العاصمة الليبية طرابلس، دخلت في وقت واحد جنازتان، تشيّع الأولى جثمان شابٍّ كان يُقاتِل في صفوف قوات حكومة الوفاق، وتحمل الثانية جثمان آخرَ كان يقاتل في صفوف قواتِ اللواء المتقاعد خليفة حفتر. حين فرغ الجمعان من مراسم الدفن والعزاء التقى بعضهما ببعض، وتبادلا التعازي والمواساة في الشابين اللذين قتل الفريق الذي ينتمي إليه كل منهما الشاب الآخر. 
ليست الزنتان، على فرادة التناقضين، العسكري والسياسي داخِلها، استثناءً. ففي المنطقة الغربية من ليبيا جيوب جغرافية أخرى موالية لحفتر، مثل مدينة صبراتة الساحلية ومنطقة صرمان القريبة منها، وهي بِقاع تبدو في متناول قوات حكومة الوفاق عسكريّاً، إلا أن حالة توازن القوى في تلك البقاع، التي تقضي بتأجيل أية مواجهة عسكريّة (مثلما وقع عرضاً في الزاوية نهاية ديسمبر/ كانون الأول الماضي) لا تجعل من استعادتها أمراً ذا أولوية، أو على الأقل في أعلى سلّم الأولويات، فبالنسبة إلى حكومة الوفاق هناك أولويات أخرى كثيرة، ليس أقلها مثلاً موقفها العسكري جنوب طرابلس، وحيث كانت الأيام الأخيرة من ديسمبر/ كانون الأوّل الماضي صعبةً، وخصوصاً بعد تصعيد كبير من قوات حفتر، تمكنت على إثره من الوصول إلى مشارف منطقة صلاح الدين والتوغل داخل منطقة الهضبة. وقد رسّخ ذلك لدى معسكر الوفاق القناعة بألّا قِبل لقواتها بصدّ حفتر من دون أن تتلقى دعماً يوازي الدعم الذي يتلقاه الأخير من حُلفائه، وهو دعم بدأ يصل بأشكال مختلفة منذ نهاية ديسمبر/ كانون الأول، وتواصل على امتداد يناير/ كانون الثاني من السنة الحالية، وتعزز بعد دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
وكانت عين حكومة الوِفاق على الجبهة الحامية جنوب عاصمتها، وعلى قمتي موسكو وبرلين في الآن ذاته. وإذا كانت قمة موسكو قد خرجت بتعهد شفوي من حفتر بوقف إطلاق النار طبقاً 
للرؤية التركية الروسيّة، فإن مؤتمر برلين لم يزد على كونِه تأكيداً لما اتُّفق عليه في موسكو، ولم يتجاوز مستوى التزام حفتر تجاه المجتمعين في برلين أكثر من تكرار التعهّد الشفوي بوقف إطلاق النار، وهو ما كان العارفون بطريقة تفكير الرجل، وبسوابِقِ حلفائه في التعامل مع الملفات التي يلعبون فيها أدواراً متقدّمة، مدركين له تماماً، وإذ بدا خلال برلين وبعدها أن دور أوروبا قد تراجع كثيراً في الملف الليبي لمصلحة روسيا وتركيا، فإن هذه الفكرة، على أهميتها، كانت أقلّ شأناً، مقارنةً بفكرة أخرى، محورها أن جنرالاً مارقاً مسنوداً بدعم إماراتي سخي يضرب عرض الحائط، لا بأوروبا فقط (باستثناء فرنسا)، ولكن كذلك بالمجتمع الدولي برمّته، وهو ما يتضح في ثلاث مسائل أساسيّة:
الأولى، أن الزخم الذي سبق برلين، كان يشي بأن خريطة طريق جديدة للحل في ليبيا ستنبثق من هذا الاجتماع، وستحظى بإجماع دولي، وبموافقة طرفي الصراع في طريقها إلى التبني، وهو ما لم يحصُل، حتى إن بعضهم شبّه قمة برلين باجتماعات الصخيرات في 2015، التي كانت ذروة التعاقد السياسي والمجتمعي في ليبيا بعد انقسام 2014. وفي المقابل، لم يزد كل ما التزمه حفتر على تعهد شفوي.
الثانية، أن اتفاق برلين اعتمد آلية اللجنة العسكرية المشتركة (خمسة عسكريين عن كل طرف) لمراقبة وقف إطلاق النار وتثبيته، وهي آلية تواصل لم تحقق أي نجاح يذكر في السابق، حين التقى عسكريون من الجانبين، قبل بدء الحرب، وطوال عام أو يزيد، في ستة اجتماعات متتالية، برعاية مصرية في إطار ما تعرف بمباحثات توحيد المؤسسة العسكريّة. ولم تتمخّض تلك الاجتماعات عن أي شيء. زد على ذلك، أن القادة النظاميين في الطرفين ليسوا هم من يقود القوات على الأرض، وليسوا هم من يمسك فعلاً بزمام التصعيد أو التهدئة.
الثالثة، أن الطرفين استمرّا في تلقي السلاح بكميات هائلة، ما يشي بأن محطتي موسكو وبرلين، وبينهما اتفاق وقف إطلاق النار، لم تكونا إلا فُسحة من الوقت لاسترداد الأنفاس، والتجهّز لجولة أخرى من التصعيد، قد تكون طاحِنة، بالنظر إلى كميات السلاح التي دخلت ليبيا في الأسابيع الأخيرة، يُحدّثُ عن ذلك بيان البعثة الأممية، حين ذكر استمرار الرحلات التي تقوم بها طائرات شحن، نقلت عتاداً ومقاتلين باتجاه شرق البلاد وغربها، متهماً دولاً شاركت في مؤتمر برلين بالاستمرار في خرق حظر السلاح.
بقطع النظر عن الاعتبارات الثلاثة آنفة الذكر، لم يقتصر نهج اللواء المتقاعد في إدارة الحرب 
على تكديس القوة العسكريّة فقط، بل كذلك على حرمان حكومة الوفاق الاستفادة من عوائد النفط في التسلّح، أو في عقد الصفقات التي لها علاقة غير مباشرة بالحرب، تُرجمان ذلك ما قام به من توظيف ما بدا أنه حراك شعبي يطالب بغلق الموانئ النفطية (حراك ظاهره اجتماعي وباطِنه سياسي عسكري)، أفضى لاحقاً إلى إيقاف قوات حفتر حركة التصدير في موانئ الحريقة والسدرة والزويتينة والبريقة وراس لانوف شرقي البلاد، وكذلك قفل صمامات حقل الحمادة، ما انجرّ عنه إيقاف الإنتاج في حقلي الفيل والشرارة، وهما الأكبر في ليبيا كلها. وهي خطوة يقول متابعون إنها اتخذت بتنسيق مع فرنسا التي عرقلت بياناً أوروبياً مشتركاً يشجب الخطوة، ويطالب باستئناف الإنتاج.
إيقاف تصدير النفط، بما يعنيه من حرمان حكومة الوفاق عوائدَ مالية ضخمة، سيحدّ من مقدرتها على مغازلة دول أخرى لها علاقة بالملف الليبي، ولا ترى في ليبيا إلا حقل نفط كبيراً، بهدف حشدها إلى جانب معسكر الوفاق، أو تحييدها عبر عقود استثمارية أو تراخيص تنقيب واستخراج للنفط أو الغاز. وفضلاً عن ذلك كله، سيجعل توقف النفط حكومة الوفاق تواجه على المديين، المتوسط والبعيد، صعوبات في إدارة موازنتها التي تعتمد، في أكثر من 80% منها، على عوائد النفط، وهو ما سيسبّب حالة من التململ والسخط الشعبي في مناطق نفوذها. وهذا بالضبط ما يبحث عنه حفتر لإرباكها أكثر، وجعلها تبدو داخلياً بمظهر من لاحول له ولا قوة، وعبر هذه الآلية يضرب حفتر عصافير كثيرة بحجر واحد.
أهم مكسب حقّقه حفتر في موسكو وثبّته في برلين، كان قبول معسكر الوفاق بوقف لإطلاق النار، يفضي إلى إحياء العمليّة السياسية من دون مطالبتِهِ بالانسحاب إلى نقاط تمركزه، قبل 4 إبريل/ نيسان الماضي. وكان الرأي السائد في طرابلس، منذ أشهر، يعتبر أي مشروع لوقف إطلاق النار من دون رجوع حفتر إلى مواقعه قبل ذلك التاريخ خيانة، بل شبه انتصارٍ لحفتر، لو قُدِّر له أن يتحقق. والآن لم يعُد للحديث عن ذلك الشرط تحديداً من محل، ربما لأن مسؤولين في معسكر الوفاق يعتقدون أنه غير واقعي الآن على الأقل، غير أن تراجع الحديث عن ذلك الشرط المركزي في أي محادثات أو حوار على فرض أنه نصف انتصار لحفتر لا يحجِبُ انعكاساتٍ ربما لم يقرأ لها حفتر حساباً قبل تحرّكه نحو طرابلس منذ عشرة أشهر، ويمكن اعتبارها نصف هزيمة له. من ذلك، مثلاً، إذابة الخلافات القديمة بين التشكيلات العسكرية المختلفة في المنطقة الغربية، وخصوصاً بين تشكيلاتٍ في مصراتة، كانت تُعتبرُ متشددة سياسياً، وتخاصم حكومة الوفاق وتشكيلاتٍ في طرابلس، حيث اتحدت خلال هذه الحرب مجموعاتٌ كانت، في السابق، يقاتل بعضها بعضاً على خط واحد، ضد قوات حفتر، فضلاً (وهذا الأهم) عن أن الحرب أوجدت ديناميكية جديدة داخل تشكيلات طرابلس نفسها، وهي ديناميكيةٌ أحيت، بشكل لافت، شعارات الثورة الليبية ومبادئها، في انطلاقتها، وهي تبِعات يبدو أن حفتر لم يقرأ لها في البدء حساباً، حين اعتقد أنه سيجد نفسه في مواجهة التشكيلات المسلّحة الموجودة في طرابلس.
وفي السادس من يناير/ كانون الثاني الماضي (أسبوع قبل بدء سريان وقف إطلاق النار) بدأ حفتر هجوماً على مدينة سرت (450 كم شرقي طرابلس). وفي الوقت الذي فتحت فيه قوات 
حفتر النار من الجهة الشرقية على القوة المكلفة من حكومة الوفاق تأمين المدينة كانت الكتيبة 604 السلفيّة المدخليّة تشنّ، بشكل متزامن، هجوماً على قوات حكومة الوفاق من الخلف، وهو ما اضطرّها إلى الانسحاب من المدينة، لتبسُط، إثر ذلك، القوات التابعة لحفتر والكتيبة 604 المُنقلِبة على حكومة الوفاق سيطرتها عليها وسط مظاهر احتفالية، رفعت صوراً للقذافي ولنجله سيف الإسلام. وبعد تبدّد غبار المعركة، تبيّن أن كل ذلك المشهد كان مرتباً له منذ وقت طويل. وكعادة التشكيلات المُؤيدة لحفتر، والمُدخليّة خصوصاً، بدأت داخل المدينة حربٌ من نوع آخر، حيث أُحرِق مبنى هيئة الثقافة الّذي كان يحتوي على معرض لما خلفته جرائم تنظيم الدولة الإسلامية إبّان سيطرته على المدينة، كما هدمت جرافات تابعة للكتيبة 604 الزاوية الصوفية العيساوية، وهو ما دأبت مجموعات مدخلية التوجّه مكّن لها حفتر، على القيام به في مناطق مختلفة من ليبيا.
وفي وقت تجتمع في جنيف اللجنة العسكرية المشتركة المنبثقة من مؤتمر برلين، المنوط بها تثبيت وقف إطلاق النار، يتداول نُشطاء رَصْدَ مواقع مختصة في تتبع حركة الطائرات وصول ثلاث طائرات شحن، انطلقت من أبو ظبي، وحطت في قاعدة الخادم شرقي ليبيا. وقبل ذلك رصدت المواقع نفسها رحلات لطائرات شحن، تابعة لشركات إماراتية، أقلع أغلبها من العقبة جنوب الأردن، وحطّ بين قاعدة الخادم ومطار بنينا. وكان تقرير سابق لموقع إنتيليجنس أونلاين الاستخباري قد أكد تلقي حفتر، إثر مؤتمر برلين، ثلاثة آلاف طن من العتاد العسكري، وهو ما يعادل ما سبق له تلقيه طوال سنة، طبقاً للموقع نفسه. ويُستخلص من ذلك كله، أن حفتر يتجهّز بشكل حثيث لجولة جديدة من المواجهة، في ضوء الدعم العسكري الذي تلقته حكومة الوفاق من حليفها التركي.
من يكدّس الأسلحة والعتاد والمقاتلين بهذا القدر، لا يفكّر في الانخراط في أية عملية سياسية، بقدر تفكيره في الاستعداد لحربٍ أشرس وأوسع. أما بالنسبة إلى حفتر الذي لم يُعرف عنه اهتمام بالمسارات السياسية، إلا بقدر ما توفّره له من وقت للاستعداد للحرب، ففي ضوء الدعم العسكري غير المسبوق الذي تلقاه، وفي ضوء سلوكه ماضياً وحاضراً، تلوح أصوات القذائف التي ترمي بها قواته الأحياء المدنية جنوب طرابلس، والتي تأبى الانصياع لاتفاق وقف إطلاق النار، مجرّد أجراس فزعٍ تدق ساعة المواجهة المقبلة.