لماذا لا يصدّق السيسي أنه رئيس دولة؟

31 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

في كل خريف، منذ اختطف السلطة في مصر، يبدو عبد الفتاح السيسي في حالةٍ من الإنفعال الهيستيري، تتّخذ طور الذعر من القادم، على نحوٍ يجعله يتصرّف، وكأنه يخوض حربه الأخيرة من أجل البقاء.
الأداء المرتعش، المشحون بكل عناصر القلق والخوف الذي سيطر على السيسي، وهو يتحدّث أول من أمس، يجسّد مرحلةً هي الأوضح والأخطر في شعوره بالخطر والخوف من شيءٍ مجهول، يدفعه إلى أن يتورّط في استعمال مفرداتٍ لا يفهم منها سوى أنه مسكونٌ بالهلع من الشعب المصري، الأمر الذي يجعله يُفرط في لغة التهديد والوعيد، وادّعاء القدرة على إخضاع كل من يفكر في رفض سياساته وإجراءاته.
طوال الأعوام الخمسة الماضية، كان السيسي يقدّم وجهًا خريفيًا غاضبًا، على غرار "خريف الغضب" الأخير لأنور السادات، والذي من خلاله وضع نفسه في حالة عداءٍ مع مختلف مكونات المجتمع المصري، أجهزت عليه وأنهت فترة حكمه، بشكل تراجيدي مثير.
في العام 2015، كانت أولى علامات الخريف المبكّر تعرف طريقها إلى أداء عبد الفتاح السيسي وخطابه، عقب عودته من شرم الشيخ، حيث عقد مؤتمرًا دوليًا للمانحين، من رعاة انقلابه ومتعهدي سلطته، من الأطراف الإقليمية والدولية.
في ذلك الوقت، سجّلت أوجه شبه بين خريف السادات وخريف السيسي المبكّر، إذ عاد السيسي من مؤتمر المنح والعطايا والهدايا في شرم الشيخ، مسكونا بهاجس أنه طفل العالم، والمنطقة، المدلل، تماما كما رجع السادات من مؤتمر كامب ديفيد في 1978بتصوّر أن الدنيا كله معه وطوع أنامله.
كلاهما تلبسته حالة من البرانويا وجنون العظمة، لم تستطع أن تخفي إحساسه بالذعر من الداخل، فكان أن لجأ كل منهما إلي استخدام خطاب سياسي وإعلامي، يمنّ فيه على المصريين بأنهم لم يكن لهم قيمة، حتى جاء هو إلى الحكم، وأن مصر لم تكن دولة إلى أن تفضّل سيادته وصار رئيسًا عليها.
السادات في حوار متلفز، مع مذيعته المفضلة همّت مصطفى، قال بالنص "أنا بأقول أن في العشر سنين الماضية اللي توليت فيها.. كانت تصحيح للمائة وحداشر سنة الماضية أو لمائة سنة وواحد سبقوها.. خلاص.. بدأنا عصر النهضة.. عصر الحياة الشريفة.. حياة الفرد يعمل من أجل العائلة.. من أجل بنائنا لأجيالنا المقبلة، من أجل أن تحتل مصر مكاناً عالياً مشرقاً علي طول الزمان".
ذهبت خمر الرخاء برأس السادات، فقرر في ضربة واحدة سبتمبر/ أيلول 1981 أن يشحن كل أشكال المعارضة إلى المعتقلات، مستبقيا بعض الوجوه الأليفة من اليسار واليمين، ممن يؤمنون به نبيا للرخاء والسلام. السيسي أيضًا، يردّد النغمة ذاتها" لولا وجودي رئيسًا لما كانت هناك دولة اسمها مصر". يتحدّث منذ اليوم الأول لتسلّطه باعتباره منقذ مصر من كوارث ومشكلات عصورها السابقة، ذاهبا بها إلى عالم الأساطير، أو كما قال أول من أمس بصريح العبارة إن مصر من دونه خراب، والشعب بغير تسلّطه عليه هو والعدم سواء، قبل أن يستدعي لغة الإبتزاز ذاتها، مهدّدًا الشعب بالفناء، إن فكر في رئيس غيره، منهيًا وصلة البارانويا بالقول "لو عايزيني أمشي اعملوا استفتاء وهاتوا حد غيري يخرّبها".
ليست هذه المرّة الأولى التي يقايض فيها السيسي المصريين على وجودهم: أنا رئيسكم.. أو الخراب والفناء، حيث سبق له في ديسمبر/ كانون أول 2015 أن ردّد الكلام ذاته" أنا لو حسيت بس إن الشعب عايزيني أمشي أنا همشي على طول، الكرامة الوطنية والأخلاقية والإنسانية ما تخلينيش أقعد ثانية واحدة ضد إرادة الناس، أنا بقول كلام واضح والله والله والله ولا ثانية واحدة ضد إرادة الناس".
هذا ما كان في 2015، ولكن في 2020 تختلف اللغة واللهجة، إذ يهدّد الشعب بالجيش، ولا يتورّع عن التلويح بإبادة آلاف القرى المصرية .. صحيح أن السياق كان حديثًا عن إزالة مخالفات بناء على أراضٍ زراعية، غير أن الهدف كان توجيه رسالة شديدة الوضوح والجنون بأنه لن يتورّع عن الزج بالجيش لمحاربة الشعب، إن ارتأى ذلك.
هنا يبتعد السيسي تمامًا عن مفهوم رئيس الدولة، إذ يكاد لا يصدّق أنه رئيس دولة بحجم مصر وقيمتها، ويتحدّث بوصفه زعيم عصابة أو قائد أمن مجموعة استثمارية تدافع عن مصالحها، وأظنها السابقة الأولى في تاريخ مصر أن يلوّح حاكم بحشد الجيش ضد الشعب، ذلك الشعب الذي أغرقه السيسي بمعسول كلام البدايات "الشعب الذي لم يجد من يحنو عليه" صار الآن هو الخطر على مصر.
لا يمكن النظر إلي هستيريا الخطاب الغاضب للسيسي، وهو يتوّعد الشعب بالجيش، من دون الوضع في الاعتبار صدمة أرقام الذين أداروا ظهورهم لعروضه الانتخابية الفقيرة، وسخروا منه ومنها بمقاطعتها، ليفيق على الصدمة المروعة: ما نسبته 85% من القاعدة الانتخابية للمصريين لا يثقون بالنظام السياسي القائم، ولا يعترفون بانتخاباته، ولا أطره السياسية. وبالتالي، كانت نبرته العدوانية الواضحة وهو يخاطب الجماهير، انعكاسًا لفقدان الشعور بأن ثمّة من يصدقه، ولعل في ذلك تفسير لتلويحه بالرحيل المشروط هذه المرّة باستفتاء عليه، وأظن أنه سيذهب إلى هذا الإجراء، لكي يصنع أرقامًا ونسبًا مغايرة، يرضي به جنونه، ويبلسم بها جرح مقاطعة انتخابات مجلس شيوخ سلطته، ويثأر من الشعب الذي يسخر منه.
هذا الكائن المرعوب من الخريف منذ إطلالته الأولى، يبدو في خريف 2020 أكثر إحساسًا بالخطر، وكأن سبع سنواتٍ من ممارسة التسلط، داخل حضانة إقليمية ودولية تهدهده وتغذّيه وتدعمه، ليست كافيةً لمنحه الشعور بأنه رئيس دولة مستقلة.