لخطابٍ فلسطينيٍّ يأخذ بمفهوم المصالح

22 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

يمثل تسونامي التطبيع في الخليج تحدّياً جديداً ونوعياً أمام الجانب الفلسطيني في سعيه إلى استعادة حقوق شعبه، فقد ظلت البيئة السياسية الإقليمية، على مدى عقود، مناهضة للاحتلال الإسرائيلي، وتجد مصلحتها في إنهائه وتمكين شعب فلسطين من نيْل حقوقه، ما شكّل على الدوام عامل ضغط على الطرف المحتل وحليفه الأميركي. ها هو هذا الجدار ينهار، أمام قبول دولة الاحتلال في المنطقة. ولئن لم يكن هذا الانهيار ابن ساعته، بل سبقته تصدّعات على مدى ربع القرن الأخير، غير أن الأمر استلزم، خلال تلك الفترة، ازدواجية بين الخطاب المعلن والسياسات الفعلية، ما يوقع في النتيجة بحرج أمام الشعوب وأمام بقية دول العالم التي لا يعرف عديد منها هذه الازدواجية أو الباطنية، ففي القمة العربية الطارئة في مكة المكرمة نهاية مايو/ أيار 2019، جرى تأكيد المواقف العربية الثابتة بخصوص الاحتلال والاستيطان والقدس التي سبق أن تبنتها قمة تونس العادية قبل شهرين من انعقاد القمة الطارئة التي عقدت للرد على هجمات حوثية. وحتى مع إعلان صفقة ترامب نتنياهو، تجنبت الدول العربية إظهار تأييدها هذه الصفقة، بما في ذلك مملكة البحرين التي استضافت أحد مخرجات هذه الصفقة (الورشة الاقتصادية الدولية). وها هو الوضع يتغيّر بغير حاجة إلى ازدواجية في الخطاب، فالسلام لم يعد يعني السلام مقابل إعادة الأرض، بل إقامة علاقات كاملة مع الدولة العبرية وبغير شروط أو متطلبات. ومبادرة السلام العربية بات أصحابها ينكرونها بعد طول تمسّك بها، وترويج لها، بما يهزّ صورتهم أمام العالم. والشرعية الدولية التي يتم الاستناد إليها، في الصراع ضد المطامع الإيرانية وضد حوثيي اليمن، يجري التغاضي المتعمّد عنها، في ما يخص التعامل مع دولة الاحتلال. وصولاً إلى بناء جهاز مفاهيمي يقوم على أن المصلحة تقضي إقامة علاقات كاملة مع دولة الاحتلال، وليس رهن هذه العلاقة الثنائية بأي شيءٍ "خارجها".

حافظ الخطاب السياسي الفلسطيني على مفرداته وصياغاته، وعلى تسلسله، ما دفع به إلى التكلس

أمام ذلك، من غير المفيد، التمسّك بالخطاب السياسي الفلسطيني، كما هو عليه منذ أزيد من نصف قرن، وكأن شيئا جوهريا لا يحدث في العالم والإقليم، إذ خضعت أولويات الشعوب لبعض التبديل في درجات أهميتها. وأوضح مثال على ذلك ما جرى مع موجة الربيع العربي، فقد تبدّلت أولويات الشعوب ضمن سياق محلي صلب، يقوم على أولوية مكافحة الاستبداد والفساد، باعتبار أن هذه الأولوية تمسّ حياة الناس وكرامتهم بصورة حسية. وأمام هذا التغيير، لم يجد بعض القوميين، ومنهم فلسطينيون، سوى تخطئة الشعوب وتبخيس مداركها، حيث رفع هؤلاء شعار "البوصلة التي لا تقود إلى فلسطين خاطئة"، وكأن مناهضة الاستبداد والفساد لا تمثل قضية عادلة قائمة بذاتها، أو كأن السكوت عليهما والتغاضي عنهما قد يقود إلى تحرير فلسطين.

لقد حافظ الخطاب السياسي الفلسطيني على مفرداته وصياغاته، وعلى تسلسله، ما دفع به إلى التكلس، كأن شيئا لم يحدث في العالم العربي. وجرى السكوت البشع عن سحق الفلسطينيين في سورية واقتلاعهم، وتدمير مخيماتهم وتشتيتهم، إضافة إلى الصمت على سحق السوريين. ولم يعد للجانب الفلسطيني ما يقوله إزاء الانتفاضات في لبنان والعراق مثلا بالوقوف مع الشعوب والدول ضد التدخلات الإيرانية. ولئن كان النأي بالنفس عن الصراعات البينية مفيدا من حيث المبدأ، إلا أن هذا النأي ذهب بعيدا، وبلغ حد الاعتصام بالسلبية، ما أفقد الجانب الفلسطيني بعض وزنه وأسهم في تهميشه. وكان الواجب يقضي، وما زال، ببناء خطابٍ يقوم بالتمسّك بمناهضة الاحتلال والحق في انتزاع الحرية والاستقلال، جنبا إلى جنب مع الوقوف ضد التدخلات الإيرانية في الإقليم، ومع حق الشعوب العربية في الحرية والكرامة وتعزيز وحدتها الوطنية، وتفادي الصراعات الأهلية المدمّرة.

من غير المفيد التمسّك بالخطاب السياسي الفلسطيني، كما هو عليه منذ أزيد من نصف قرن، وكأن شيئا جوهريا لا يحدث في العالم والإقليم

وفي صياغة خطابٍ ينسجم مع التحديات الجسيمة الماثلة (تحديات التطبيع الرسمي)، من الأهمية بمكان صياغة خطاب يستند إلى أن من شأن مناهضة الاحتلال، إذا ما لقيت دعما مبدئيا متواصلا، تمكين الدولة العبرية من التحول دولة عادية أو طبيعية في المنطقة، تنعم بالأمان والسلام بعد وقف تهديدها الآخرين، وبالذات الفلسطينيين، وبعد نزع المنحى العنصري والتوسعي عن هذه الدولة "القلعة" التي تتسلح بالعدوانية والتوسعية ضد جيرانها، قبل أن تتسلح بالتكنولوجيا وتطوير الأبحاث الزراعية. وعليه، التطبيع مع إسرائيل الحالية التي يسودها التطرّف والنزعة الإرهابية ضد المدنيين وضد غير اليهود ومقدساتهم هو على شاكلة القبول بالنظام الإيراني على ما هو عليه، وترقّب الثمار الطيبة منه. هذا النظام بوضعه الحالي سيئ، على الرغم من أنه استند، في قيامه، إلى انتفاضة شعبية عام 1979، فكيف الحال مع الدولة العبرية التي ولدت ولادة كولونيالية برعاية الإنتداب البريطاني، واقترنت ولادتها بتدمير حياة شعبٍ، واقتلاعه من أرضه، ومضت في خياراتها العسكرية والحربية، فيما كان العرب جميعا، ومن ضمنهم الفلسطينيون يجنحون إلى السلم. مقاطعة إسرائيل هي الخيار الأكثر وجاهة كي تتخلص من شرورها، ومصلحة دول المنطقة وشعوبها تكمن في نزع هذا التهديد ووقفه، من أجل بناء شرق أوسط مزدهر.

مقاطعة إسرائيل الخيار الأكثر وجاهة كي تتخلص من شرورها، ومصلحة دول المنطقة وشعوبها تكمن في نزع هذا التهديد ووقفه، لبناء شرق أوسط مزدهر

في اجتماع عقدته القيادة الفلسطينية في رام الله الثلاثاء، 18 أغسطس/ آب الجاري، بحضور ممثلين لحركتي حماس والجهاد الاسلامي، تحدّث الرئيس محمود عباس مخاطباً الاجتماع، ومما قاله: "لسنا قلقين مما يجري هنا أو هناك من ترّهات". وتابع: "نريد أن نقول لكل من يريد أن يتحدّث نيابة عنا، أنت لست مسؤولا عن القضية الفلسطينية، نحن فقط الفلسطينيون هنا الذين نتكلم باسم القضية الفلسطينية"، مضيفا: "صحيح أن القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية، وأنتم عليكم أن تساعدونا وأن تقفوا إلى جانبنا، لا أن تحلّوا محلنا، لا أحد يستطيع أن يحل محلنا". وواضحٌ أن كلام عباس يصدر عن الصدمة الشديدة إلى درجة عدم استيعاب ما حدث، حتى أنه يكاد يبلغ حالة الإنكار، فما حدث ليس ترّهات، ليس أقاويل واجتهادات، بل قرارات تم اتخاذها بإقامة علاقات كاملة. ومن أقدموا على إقامة تلك العلاقات لم يقولوا إنهم ينوبون عن الجانب الفلسطيني، بل إنهم يتخذون ما وصفوه بـ "قرار سيادي"، وهو ما ينسحب على التشديد بأن "لا أحد يحل محلنا"، إذ لم يقولوا إنهم يحلّون محل أحد. ويضيف المرء هنا إن قضية فلسطين ما زالت "إلى حد ما.. فقط" قضية عربية إسلامية، ذلك أنها لم تعد تتصدّر القضايا الإقليمية والقومية، ولم تعد تشكّل شاغلاً جدّياً، وللجانب الفلسطيني قسط غير هيّن في تبهيت الاهتمام بهذه القضية.

تحتاج القضية قيادات وطنية متفتحة، صلبة، دينامية ومتمرّسة في العمل داخل المجتمع والتواصل مع العالم

يستلزم تجديد الخطاب السياسي صوغ رؤية تقوم على أن مصلحة الشعوب والإقليم تكمن في كبح الاحتلال وإرغامه على الاعتراف بالحق الفلسطيني في الحرية والاستقلال، وذلك لفتح الطريق إلى السلام والازدهار، وأن الفلسطينيين مؤهلون للإسهام بصورة ملموسة وواسعة النطاق في ازدهار المنطقة، بما يملكون من موارد بشرية وعلمية واقتصادية وثقافية، وسبق لهم، عقودا طويلة، أن أسهموا في بناء، وحتى تأسيس مؤسسات دول وتطويرها. وأن التكنولوجيا الإسرائيلية ليست بريئة وتقنية فحسب، بل تستخدم لأغراض التجسّس والعبث بأمن الدول، وسبق أن تجسّس الإسرائيليون، وبغير تكنولوجيا، على حليفهم الأميركي. والراجح أن التجديد في الرؤية والخطاب يتطلب تمكين قيادات شابّة من خارج السيستم المعهود من الصعود، قيادات وطنية متفتحة، صلبة، دينامية ومتمرّسة في العمل داخل المجتمع والتواصل مع العالم، بعد أن استنفدت القيادة الحالية، على مدى عقود، طاقتها، مع أخذ العبرة من الطرف الآخر الذي تتجدّد قياداته، ولا يعرف نظامه السياسي تكلس الطاقات والوجوه.