كورونا يهدد الاقتصادات العالمية بالركود والمواطنين باتساع البطالة والفقر

26 مارس 2020
أزمات كثيرة ستواجه الاقتصادات العالمية (Getty)
منذ ظهور وباء كورونا في الصين والإعلان عنه، لم يكن عسيراً التنبؤ بأن تداعياته الاقتصادية ستكون كبيرة جداً ومؤثرة، ليس نظراً لما تمثله الصين من مكانة اقتصادية عالمية وحسب، بل لما سببته سرعة انتشاره الهائلة التي فاجأت الجميع. مما دفع جميع دول العالم لاتخاذ سلسلة من التدابير والقرارات والإجراءات، بهدف تجنب ويلات الفيروس القاتلة قدر المستطاع.

تمثل الصين الاقتصاد الثاني عالمياً بعد الولايات المتحدة الأميركية، حيث يزيد ناتجها المحلي الإجمالي عن 14 تريليون دولار، وتبلغ صادراتها نحو 2.5 تريليون دولار، ما يشكل نسبة 12.5% من صادرات العالم".

ما زاد الطين بلة والواقع خطورة، تحول مركز الوباء من شرق آسيا إلى أوروبا، لتصبح إيطاليا بؤرة انتشاره في أوروبا وحوض المتوسط، وصار مؤكداً أنّ التفشي المتسارع في القارة العجوز تحت وطأة "كورونا" ليس مزحة أو سحابة صيف عابرة، فالشلل تسلّل إلى الحياة اليومية تدريجياً، وتجرّدت القارّة في موسم كورونا من بهجة الربيع لترتدي الكمّامات.

وتوقفت الفعاليات الثقافية والمؤتمرات والمعارض والنشاطات العامة، بينما تشهد الرحلات الجوية وخطوط القطارات إلغاءات متزايدة، وتضطرّ الطائرات إلى الإقلاع بمقاعد شبه شاغرة.

من المؤكد أن فيروس "كورونا" سوف يطيح بقطاعات اقتصادية عالمية، ويزيد الضغوط على قطاعات حيوية أخرى كالنقل الجوي وشركات الطيران، التي كانت تعاني أصلاً قبل ظهور المرض، مما قد يسرع وتيرة إفلاس بعض الشركات.

توقع باحثون من الجامعة الوطنية الأسترالية الخطر المحدق بالولايات المتحدة، في دراسة صدرت حديثاً، تطرقت إلى التكلفة المحتملة من الناحيتين البشرية والمالية. مؤلفو هذه الدراسة أوضحوا أن التكلفة المتوقعة للمال المهدَر، بسبب تفشي فيروس كورونا، يمكن أن تصل إلى 1.7 تريليون دولار عام 2020.

وقد زادت وتيرة إلغاء الرحلات الجوية بنسبة قاربت 85 % ببعض الشركات، وبدأت بعض شركات الطيران في تسريح فوري للعمالة، وسط حالة الرعب التي ينشرها "كورونا".

وبدأت الآثار السلبية على الشركات في الظهور، بسبب إلغاء الفاعليات الترفيهية والاقتصادية حول العالم، وقرر عدد من الشركات تجميد التوظيف وتقديم إجازات طوعية غير مدفوعة الأجر.

أستاذ الاقتصاد في المجلس العام للبنوك والمصارف الإسلامية، المستشار خالد شبيب، حذر من أزمة اقتصادية عالمية في حال استمر وباء "كورونا" بالانتشار، وتوقع أن "تخرج الدول الأوروبية من 2020 الذي سماه "عام كورونا"، بحصيلة موجعة من العجز والديون، بينما تقف أسواق المال الأوروبية والعالمية على شفير انهيارات محتملة، قد تتداعى بتأثير الدومينو المتعاقب الذي سيهوي باليورو.

وأكد أن "العالم يعيش في أزمة حقيقية مرتبطة بجائحة كورونا، وهو على شفا الهاوية إذا لم يتم استيعاب هذا الفيروس". ورأى شبيب أن "الطاعون الوبائي انتقل إلى سوق المال العالمي، وأصبح مرتبطا به ارتباطا عضويا، وما انهيارات البورصة في العالم وتردي سعر برميل النفط إلى 28 دولارا، سوى دليل على مدى حجم الأزمة الاقتصادية العالمية.

وقدرت الرابطة الدولية للنقل الجوي "إياتا"، في بيان لها، بأن خسائر شركات الطيران حول العالم قد تصل إلى 113 مليار دولار، كإحدى تبعات تفشي "كورونا"، واعتبرت الرابطة، أن بقاء الفيروس دون توسع عن مستواه الحالي جغرافياً، يشير إلى خسائر حتى 63 ملياراً، ويصعد الرقم ليبلغ أقصاه 113 ملياراً في حال أخذ نطاقاً أوسع نحو بلدان إضافية في أوروبا والأميركيتين.

وتوقعت شركة "سي إف إي" المتخصصة باستشارات الطيران، التابعة لشركة جنرال إلكتريك للطيران، أن تشهر معظم خطوط الطيران الجوية إفلاسها بحلول مايو/أيار، بسبب الخسائر المترتبة على قيود حظر الرحلات حول العالم بسبب تفشي "كورونا".

في 16 آذار/ مارس 2020، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن اقتصاد الولايات المتّحدة قد يتباطأ ويتجه نحو الركود؛ على خلفية انتشار فيروس كورونا. وفعلاً، بدأ خبراء الاقتصاد في الولايات المتّحدة القول إنّ البلاد دخلت رسميّاً حالة ركود. ويُفترض أن يتسبّب فيروس كورونا على مستوى العالم في إغلاق مفاجئ لكثير من الأسواق الاستهلاكية، وارتفاع مستوى البطالة وانخفاض إنفاق المستهلكين وتدني الثقة.

لا شك أننا جميعا نعيش ظروف أزمة عالمية اسمها كورونا، وبينما يراها كثيرون مدمرة للاقتصاد العالمي، وأن خساراتها تفوق تريليونات الدولارات، يرى خبراء اقتصاديون آخرون، أن هذه العاصفة تحمل في رياحها فرصاً واعدة، ويصرون على أن الأزمة ستدفع الاقتصاديين ورجال الأعمال للتغيير والابتكار وتحريك الأذهان، وتحفيز الإبداعات، وإطلاق الحلول.

أدى الحظر الصحي الذي فرضته الصين خلال صراعها مع أزمة كورونا، إلى توجه كثير من القطاعات نحو تركيا بدل الصين، وخصوصاً المستلزمات الصحية وأدوات الوقاية من المرض كالكمامات وغيرها، بالإضافة لصناعة المكائن الصغيرة والمتوسطة. وكذلك الأمر بالنسبة للأقمشة والألبسة الجاهزة.

كما استفادت الصناعات التركية من انخفاض أسعار البترول والطاقة، وهبوط سعر صرف الليرة التركية مقابل العملات الرئيسية، حزمة أسباب جعلت تركيا مقصداً رئيسياً للتعويض عن السوق الصينية. كما أدى تفاقم الأزمة في أوروبا إلى مضاعفة الطلب على البضائع والمنتجات التركية. لذلك حرصت تركيا على التعاطي مع الأزمة، بأعلى معايير الشفافية بغية كسب ثقة الأسواق الخارجية قبل الداخلية.

لا أحد حتى اليوم يمكنه التنبؤ بشكل واضح متى ستنتهي هذه الأزمة، التي تفتك بصحة الإنسان وحياته الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، لذلك ينبغي على الدول تبني استراتيجيات واضحة المعالم، تعتمد الشفافية الكاملة، وتضع سيناريوهات مواجهة الأزمة على المدى القريب والمتوسط والبعيد.

لا بد من الأخذ بالاعتبار أنه في حال استمرار الوضع على ما هو عليه الآن لمدة 6 أشهر، فإن شركات كثيرة سوف تعلن إفلاسها، وقد نكون وجهاً لوجه أمام انهيار اقتصادي عالمي، وهذا يفرض على الدول التدخل وضخ أموال في الأسواق بمئات مليارات الدولارات.

على الصعيد النفسي السيكولوجي المجتمعي، من الضروري في أيام المحنة التحلي بروح الإيجابية، وإشاعة التفاؤل والنظر إلى النصف المليء من كأس الأزمة، لهذا الهدف تحديدا، شكلت الدولة التركية وحدات خاصة لمتابعة المغرضين المتربصين مثيري الشائعات، ولم تترك لهم الميدان خاليا لخلق حالة من التشاؤم والقنوط عند المواطن.

من أجل ذلك، حرصت الحكومة التركية على تطبيق معايير الشفافية، والعمل تحت الضوء، والتواصل الدائم مع المواطن، وتزويده بالمعلومات الصحيحة الموثوق منها، لكسب ثقته، وإقناعه بأن الأمور تحت السيطرة، وأن تركيا لديها من الخبرة والإمكانيات ما يمكنها من تجاوز الأزمة.

من الطبيعي في مثل هذه الظروف، أن يصيب الركود الاقتصادي، ليس فقط اقتصاد الولايات المتّحدة، بل اقتصادات العالم كلّه، حيث تضعف الحركة وتتوقف معظم الأنشطة التجارية، باستثناء القطاع الطبي وبعض القطاعات الأخرى.

ومن المرجح أن تلجأ معظم دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتّحدة لجهة ضخ أموال كبيرة داخل الاقتصاد من أجل تنشيطه، وفق ما يُعرف بـ "التدخل الكينزي" حيث يُفترض أن يتغيّر دور الدولة في الحياة الاقتصادية في ظل هذه الظروف، حيث تشير تصريحات المسؤولين في فرنسا وإيطاليا إلى البدء بهذا الشكل من التدخّل.

ومن الواضح أنّ عام 2020، سيكون مليئاً بالصعوبات على دول العالم ليس اقتصادياً فقط. بل هناك مسائل يُفترض إعادة النظر فيها مثل سلاسل التوريد التي اعتمدت على الصين بشكل مبالغ به جدا، مما قد ينعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد التركي كمورد بديل.

(الأناضول)
تعليق: