كورونا والإنسانُ والمجتمع .. في تونس

08 ابريل 2020
الصورة
لمّا ظهر خبر كورونا في الصين وتناقلته وسائل الإعلام، انهمك الناس في تونس في مشاركة فيديو سوق يوهان، وكثرت التعليقات على عادة الصينيّين في أكل الفئران والكلاب والخفافيش.. وكان جلّها شاتما أو ساخرا. ثمّ سرى المرض، وأصبح وباءً عالميّا، وانتقل إلى تونس من فرنسا وإيطاليا خاصّة. وبدت في المجتمع التونسيّ الواقعيّ والافتراضيّ مظاهر سلبيّة، أهمّها الإشاعةُ، وعدوى الشراء، والاحتكارُ، والخصومةُ الإيديولوجيّة.
والإشاعة محتوى كثير التداول قد يكون خبرا كاذبا أو معلومة خاطئة، وانتقلت في وسائل التواصل الاجتماعيّ من الشفويّ إلى المحتوى المكتوب المؤيّد في أكثر الحالات بالصور. ويجمع بين الإشاعات أصلٌ واحد، هو تضخيم الخوف، بتكثير أعداد المصابين، أو تهويل خطورة المرض، أو التخويف من نفاد السلع الغذائيّة، أو التفزيع من قلّة الموادّ الطبيّة وضعف المستشفيات، أو نشر أسوأ الاحتمالات في سرعة تفشّي الوباء وكثرة الموتى. ولا يجد المتلقّي في ثقافته معيارا يزن به المعلومة، فيستبعد صحّتها، أو يرجّح وضْعها، أو يكذّبها، أو يتجاهلها، فلا يساهم في نشرها ولا يتأثّر بها ويشارك في محاصرتها.
واشتدّ النهم لتخزين المواد الغذائيّة والطبّيّة، وصوّر مواطنون مشاهد التدافع في المغازات الكبيرة، والتهافت على تخزين الغذاء. حتّى متاجرُ الأحياء كثر فيها التدافع وارتفعت الأسعار، وهي ليست كالفضاءات التجاريّة الكبيرة التي يتنوّع حرفاؤها، بل دكاكين تمتزج فيها التجارة بقيم الجوار والصداقة والقرابة والتكافل الاجتماعي، ولكنّها لم تستطع منع التدافع والاستئثار، ولم يفكّر الناس في استنباط طريقة لحفظ نصيب كلّ عائلة مثلا من الموادّ الغذائيّة، وتصرّفوا بغريزة الأنانيّة. ووصل الأمر بجماعةٍ إلى "قطع طريق" شاحنة، والاستحواذ على أكياس سميد منها، ثمّ أعطوا صاحبها ثمن ما أخذوه عنْوة.
وسارع التجّارُ (بالجملة والتفصيل) وأصحابُ المصانع ورؤوس الأموال إلى الاحتكار ورفع 
الأسعار، وغلبتهم الرغبةُ في جمع أكبر قدر من المال من أقذر طريق، وهي استثمارُ المحنة. واختفى احترام القانون، ولم تصمد قيم المواطنة والمدنيّة، وغاضت المعاني الدينيّة وقيم التضامن في المحن. ودلّت تقارير وزارتي الداخليّة والتجارة على تخزين كمّيات كبيرة من الدقيق والسميد في البيوت ومخازن الجُملة، وصل المكتشف منها إلى 230 ألف طن من الموادّ الغذائيّة الأساسيّة، وتعمّد أصحابها مضاعفة أسعارها.
وانهمك جمهور عريض في الخصومة الإيديولوجيّة، فامتلأت صفحات فيسبوك بنقاش غير منتج في موضوع تعليق الصلاة في المساجد (الخميس والجمعة)، فمؤيّدو التعليق أثنوا على رئيس الحكومة، ومنهم من نشر تدويناتٍ وتعليقاتٍ تقول إنّ أزمة كورونا بيّنت أنّنا نحتاج إلى العلماء والأطبّاء، لا إلى المساجد والصلاة؛ ومعارضوه استنكروا مسارعة الحكومة إلى تعليق الجماعة وإذنها بفتح المقاهي والملاهي إلى الرابعة مساء. وقد استمرّت هذه الخصومة أيّاما، ثمّ أصبحت حملةً على وزارة الصحّة التي يقودها وزير من حركة النهضة، اشترك فيها إعلاميّون ورجال أعمال وأطبّاء من القطاع الخاصّ. والتقت في هذه الحملة أغراضُ من يرفض المساهمة الحقيقيّة في مواجهة الوباء بالمال والتجهيزات الطبّيّة وغاياتُ من يعمل على استثمار المحنة لتوريد تجهيزاتٍ طبّيّةٍ وبيعها للحكومة، ومقاصدُ من يهاجم الوزارة نكاية بوزيرها لانتمائه السياسيّ وشعبيّته الصاعدة.
لا يكاد ينفصل بعض هذه المظاهر عن بعض، فالخصومة مثلا تنتج الإشاعة، والإشاعة تسبّب عدوى الشراء، والشراء يدفع إلى زيادة الاحتكار، والاحتكار يضاعف نهم الناس، ويولّد الإشاعة. وتتناسل هذه الأمراض الاجتماعيّة، ويولّد بعضها بعضا في اتّجاهاتٍ مختلفة. ويمكن أن يقال في تبرير الإشاعة إنّها صناعة إيديولوجيّة، أو إنّها إحدى صور الفزع الشعبيّ من وباءٍ يفتك بدول متطوّرة، ولا تستطيع تونس مقاومته، أو إنّها نتيجة للفراغ الطبّيّ، فلا وجود للقاح مخصّص لعلاج كورونا المستجدّ. وفي علم النفس ما يساعد على فهم ظاهرة النهم وعدوى الشراء، فالناس يتوقّعون أن تطول مدّة الحجر، ويرون وجوب تخزين الموادّ الغذائيّة، حتّى لا ينزل استهلاكهم عن الدرجة التي ألفوها، وشكّلوا بها نمط حياتهم. ويعمّق فراغُ الرفوف في الفضاءات التجاريّة خوفهم من أنّ البلاد مهدّدة بنقص التموين، أو انقطاعه. ولا يواسيهم في الخوف والفراغ الطبّي إلّا تخزين الموادّ الغذائيّة، ولا يُشعرهم بنوع من التوازن واستمرار الحياة واتّصال سيطرتهم عليها إلّا شحنُ البيوت طعاما ودواء. وزاد في الاضطراب عدمُ ثقة الناس بالحكومة، فأكثرهم يشكّون في حديث الجهات الرسميّة عن وفرة المخزون واستمرار التزويد. ولكنّهم، مع شكّهم فيها، ينتظرون منها الخبر والقرار. ولمّا جاء قرار الحجر الذاتيّ لم يلتزموا به أوّلَ الأمر. واستمرّت حياتهم على نسقها العاديّ في الأسواق والمطاعم والمقاهي وحفلات القران والزواج. ولم يغيّروا سلوكهم وهم يرون نتائج إهمال إجراءات السلامة في إيطاليا وفرنسا. ولم تتشكّل مبادرات مجتمعيّة لبداية الاستعداد للوباء ولتغيير السلوك الفرديّ والاجتماعيّ من غير انتظار القرار الحكوميّ.
هذا السلوك الأنانيّ المضطرب يدلّ على أنّ التونسيّ فقد التوازنَ العقليّ الوجدانيّ، فلم يعد في 
شخصيّته وثقافته مكوّنٌ صلبٌ يؤسّس عليه موقفه. لقد تعرّض المجتمع، منذ مدّة طويلة، لسياسات السوْق في برامج الترفيه والإثارة، ومناهج التجهيل والتطويع، وقيم الأثَرَة والربح والاستهلاك. وتشكّل إنسانٌ يبرمج عقله ووجدانه ورغباته وعلاقاته وفق هذه السياسات، ويقيس سلوكه بسلّم قيم استهلاكيّة فرديّة. فلمّا فشا الوباء، وفُرض الحجر الصحّيّ، وخاف الناس نفاد الموادّ الغذائيّة، وجدوا أنفسهم في تنافسٍ شرس، كلُّ شخص فيه عدوُّ الجميع. ولم يستطع الفرد التعرّف على ذاته الجماعيّة المدفونة تحت قيم الاستهلاك، ولم ينجح خطابُ التقشّفِ الدينيُّ في تعديل سلوكه، فقد انقضى الزمن الذي كان فيه الناس يقلّلون من الإنفاق، ويكتفون من الطعام بما يقيم الأود. وفي هذا الخوف تفاعلت الإشاعةُ والسلوكُ الأنانيّ والفسادُ الماليّ والقصور الإيديولوجيّ، وأصبح الإنسان سيِّقةً لغرائزه وأوهامه ومهندسي سلوكه. ولهذا السبب، غلب على الناس القلقُ وتأخّرت المبادرات الشعبيّة. وأوّل ما بعث فيهم الأمل وأشعرهم بالقدرة على مواجهة الوباء إعلان طلبة مدرسة المهندسين في سوسة عزمهم على صناعة جهاز تنفّس بالتنسيق مع كلّيّة الطبّ، ثمّ تبعهم طلبة الهندسة في المدن الأخرى، وتداول الناس أخبار مبادرات التكافل، ومنها صناعة الكمّامات وتقديم المساعدات الغذائيّة وطواف مجهولين على الدكاكين لتسديد ديون الفقراء.
ويشيع اليوم في تونس خطابٌ إعلاميّ يثني على تكافل التونسيّين وتعاونهم، وهو ثناء خشبيّ مألوف منذ الاستقلال، وليس فيه علامة واحدة على اتّجاه حقيقيّ إلى تجديد قيم التراحم والتعاون والمبادرة الشعبيّة السريعة، والخروج من سياسة تعليب المواطنين. وسيعود الوضع بعد انقشاع كورونا كما كان قبلها، فليس من السهل أن تتخلّى شركات النهب وتكايا الإيديولوجيا عن "إنجازاتها" في تطويع الإنسان وسوْقه.

دلالات