كورونا في أفريقيا .. نجاحات منسية

11 يوليو 2020
الصورة

جدارية حول كورونا في نيروبي في كينيا (7/7/2020/Getty)

بدأت التحذيرات من خطر تحوّل القارة السمراء إلى بؤرة جديدة لفيروس كورونا، بعد نجاح بلدانها في محاصرته. واستندت هذه المخاوف إلى المعطيات المتعلقة بالأنظمة الصحية فيها، فانتشار الوباء، في ظل البنية الصحية الأفريقية الحالية، سيقود حتماً إلى كارثة بشرية ومأساة إنسانية. وهذا ما تُعزّزه الأرقام المتعلقة بالشأن الصحي في قارة تمثل قرابة 17% من سكان العالم، بينما لا يتجاوز إنفاقها على الرعاية الصحية 1%، ويقف نصيب أبنائها عند طبيبين اثنين لكل عشرة آلاف أفريقي.

قللت منظمة الصحة العالمية من شأن هذه التوقعات، ونفت تلك المخاوف بشكل غير مباشر، حين أكدت أن أفريقيا ظلّت المنطقة الأقل تأثراً في العالم بالجائحة، فعدد الوفيات جرّاء الفيروس ظل في حدود 0٫01% من الإجمالي العالمي، فيما بلغ عدد حالات انتقال العدوى 3% من مجموع الحالات في العالم. تُسجل هذه النسب التي تقلّ عما سُجّل في دول أوروبية، تتوفر على أحدث الأنظمة الصحية؛ مثل إيطاليا أو إسبانيا، في قارّة تعداد سكانها يفوق ملياراً و300 مليون نسمة، نصفهم أو ربما أكثر (حسب المعايير) يعيشون تحت عتبة الفقر.

فسّر كثيرون بطء انتشار الفيروس في القارّة الأفريقية بالمعطى المناخي، فارتفاع الحرارة، بحسبهم، عامل يعيق تكاثره، ما انعكس على أعداد الإصابات في بلدان أفريقيا؛ خصوصاً جنوب الصحراء الكبرى، فأكثر من 75% من الحالات في عشر دول شمال القارّة وجنوبها. ولكن هذا التبرير سرعان ما يتهاوى، عقب الهجوم الكاسح للفيروس على البرازيل، حيث تبوأ هذا البلد الاستوائي المركز الثاني عالمياً من حيث عدد الإصابات، بعد الولايات المتحدة الأميركية.

كانت تطمينات منظمة الصحة العالمية، بشأن مخاطر الوباء في أفريقيا، جانباً من الحكاية فقط، فيما الجانب الآخر لقصة أفريقيا وكورونا ما يزال مجهولاً، أو بالأحرى مُتجاهلاً، في انتظار تدوينه للأجيال المقبلة في كتب تاريخ أفريقيا، فاستعلاء العقل الغربي ومركزيته يرفضان القبول، وبالأحرى الاعتراف، بأي إنجاز خارج دوائره في الغرب، على الرغم من العائد النوعي لهذا الإنجاز على البشرية جمعاء. 

أفريقيا ليست في حاجة إلى وصاية أحد، فهي قادرة على الفعل والإنجاز، بعيداً عن التبعية لتعليمات الدول الغربية وتوجيهاتها

نسج الأفارقة قصصاً فريدة وعجيبة مع كورونا، لم نسمع عنها خبراً في وسائل الإعلام العالمي، فأفريقيا كانت وستبقى مجرّد حديقة خلفية للإنسان الأوروبي، ولا يجوز للأفريقي مطلقاً أن يتطاول على مهام "أسياده" من العرق الأبيض. وخير شاهد على ذلك اقتراح خبراء فرنسيين تجريب اللقاح واختباره على مواطني الدول الأفريقية؛ فهؤلاء في نظر أولئك فئران للتجارب فقط. 

تعد السنغال إحدى الدول التي سعت إلى تحقيق نجاح نوعي في معركتها ضد كورونا، بعدما طوّر خبراء سنغاليون؛ بحسب مجلة جون أفريك، أجهزة للفحص الطبي، تمكّن من إجراء اختبارات الكشف عن الفيروس في عشر دقائق فقط، بتكلفة لا تتجاوز دولاراً لكل مريض. كما نجحت غانا (30 مليون نسمة) في تطبيق نظام شامل لتعقّب حالات الإصابة والمخالطين عبر تقنية مبتكرة تعرف باسم "الاختيارات الجماعية"؛ حيث يتم أخذ عيناتٍ من مجموعة من الأفراد، وتطبيق الاختبار عليها ممزوجةً مع بعضها، وفي حال جاءت إيجابية يتم اختبار كل فرد، وإلا فتعتبر المجموعة خالية من الإصابة.

تحاول دول أخرى صناعة قصص نجاحها، بالاعتماد على الطب التقليدي أو الطب التكميلي أو الطب البديل، بحسب التسميات؛ مستثمرة تجارب ممارسين كان لهم دور في توفير الرعاية للمواطنين، ورصيد من الخبرة المتراكم عبر تاريخ طويل لهذا الطب في القارّة السمراء، بعيداً عن المواد الطبية ذات التكلفة المرتفعة، والمشكوك في فعاليتها، نتيجة تكرار حوادث اكتشاف علاجات منتهية الصلاحية وأدوية فاسدة في دول أفريقية عديدة.

تسعى مدغشقر إلى نيل السبق في هذا المضمار، فقد سارع رئيسها، أندري راجولينا، إلى الإعلان، بنوع من الشعوبية السياسية، عن "المشروب المعجزة"، وهو يتحدث عن الشاي العشبي المستخلص من نبتة الشيح (Artemisia annua)، مؤكّداً أن مفعوله يظهر في سبعة أيام، وداعياً مواطني بلده إلى شربه، فهو علاج فعّال ضد كوفيد 19. وأضفى نوعاً من "العلمية" على تصريحاته، بحديث خبراء من معهد البحوث التطبيقية في مدغشقر عن تطوير "علاج" تحت اسم "كوفيد أورغانيكس"، من مستخلصات نبات الشيح، المستخدم أصلاً في علاج الملاريا. ما دفع سبع دول أفريقية (السنغال وغينيا بيساو والكونغو وغينيا الاستوائية وتنزانيا وجزر القمر) إلى طلب كميات من هذا الدواء العشبي الأفريقي من مدغشقر. 

طوّر خبراء سنغاليون؛ بحسب مجلة جون أفريك، أجهزة للفحص الطبي، تمكّن من إجراء اختبارات الكشف عن الفيروس في عشر دقائق، بتكلفة لا تتجاوز دولاراً لكل مريض

ما أكثر الأمثلة عن "الابتكارات" الأفريقية التي تحاول التصدّي لفيروس كورونا بما بين يديها من إمكانات، بعدما عجزت عن مسايرة القواعد التي تحث عليها منظمة الصحة العالمية، فالعزل الذاتي في البيت، على سبيل المثال، غير ممكن في مناطق أفريقية عديدة، حيث تعيش عائلات كبيرة في غرفة واحدة، وتتشارك مع عائلات أخرى في مورد الماء الوحيد (الصنبور) في الحي، وأحياناً حتى أماكن قضاء الحاجة (المراحيض). أما الحثّ على غسل اليدين بالصابون باستمرار، فلا يعدو أن يكون سراباً لمواطنين لا يجدون مياهاً نظيفة للشرب، فأنّى لهم شراء صابونٍ لغسل اليدين؟ 

لا تحصل مثل هذه القصص على الاهتمام والتسويق الإعلامي الذي تحصل عليه لو خرجت من دول أوروبية أو من الولايات المتحدة الأميركية أو كندا، لكنها تُثبت من جديد أن أفريقيا ليست في حاجة إلى وصاية أحد، فهي قادرة على الفعل والإنجاز، بعيداً عن التبعية لتعليمات الدول الغربية وتوجيهاتها. لا بل إن الغرب مدين لها بتزويده باستمرار بالمادة الرمادية (هجرة الأدمغة) التي تكافح اليوم على مختلف جبهات المعركة؛ الطبية والصحية والعلمية.. بحثاً عن علاج مضاد لفيروس كورونا.