كمال بُلّاطه.. الرحلة الأخيرة إلى القدس

06 اغسطس 2019
الصورة
كمال بُلّاطه (1942- 2019)
+ الخط -

رحل عن عالمنا صباح اليوم في برلين الفنان التشكيلي والناقد والمؤرخ الفنّي الفلسطيني كمال بُلّاطه بعد حياة حافلة بالإنجاز الفني والتأليفي والالتزام السياسي. يعتبر بُلّاطه من أبرز الفنانين التشكيليين العرب إلى جانب أهميته كدارس وناقد للفن الفلسطيني والفن الإسلامي.

وبحسب تصريح أسرة الراحل لـ "العربي الجديد" فإن بُلّاطه قد رحل بشكل مفاجئ فجر اليوم في بيته ببرلين، وأن رغبته كانت دائماً أن يُدفن في مدينته القدس، وأن العائلة اتصلت بمحام وستبذل كلّ ما في وسعها. علماً بأن سلطات الاحتلال لديها "قوانين" تمنع ذلك.

وإن كان بُلّاطه قد عانى من بعض المتاعب الصحية في السنوات الأخيرة، والتي ظلّت في دائرة ضيّقة، إلا أنه لم يتوقف عن العمل سواء في الكتابة أو الرسم، إذ انتهى منذ فترة قصيرة من إنجاز كتابين كبيرين بالإنكليزية يضمّان مختارات من كتاباته في النقد التشكيلي والفن العربي والإسلامي، وكان يشتغل في الفترة الأخيرة على سلسلة فنية جديدة باستعمال تقنية الرقش، حين عاد من بيروت، الشهر الماضي، بعد أن قدّم محاضرة بعنوان "سَفر بين الشفافيّات" في "دار النمر للفن والثقافة".

ولد كمال بُلّاطه في مدينة القدس عام 1942 وتعلّم الرسم في القدس في مرسم الفنان الأيقوني المقدسي خليل حلبي في حي "باب الخليل" داخل أسور القدس القديمة. ثم درس الفن في "أكاديمية الفنون الجميلة" في روما (1960– 1965).

وعندما جرى احتلال القسم الثاني من القدس عام 1967 كان الفنان في زيارة لبيروت لإقامة معرض هناك ولم يُسمح له بالعودة إلى فلسطين المحتلة. عاش كمال بُلّاطه في المنفى حتى رحيله ولم يعد للقدس سوى كـ "زائر" بجواز سفر أجنبي عام 1984 حيث صور المخرج الدنماركي رودولف فان دِن بيرغ فيلماً وثائقياً بعنوان "غريب في بيته" عن عودة الفنان الناقصة إلى مدينته المحتلة.

عاش بُلاطه في الولايات المتحدة وشارك في مبادرات ثقافية عديدة، قبل أن يترك واشنطن ويتوجه إلى المغرب في التسعينيات حيث عاش لبضع سنوات هناك، أجرى خلالها مجموعة من الدراسات عن الفن الإسلامي والأندلسي. ثم انتقل بعدها إلى بلدة مونتون في جنوب فرنسا، والتي تركها قبل سنوات قليلة في تغريبة جديدة ومنفى جديدة إلى برلين التي وصلها على مشارف السبعين من عمره.

وفي تصريح لـ "العربي الجديد" قال الفنان الفلسطيني هاني زعرب أن رحيل بلاطه "يمثّل خسارة كبرى للثقافة الفلسطينية والعربية" وأنه كان بمثابة "أب للفن الفلسطيني المعاصر إنجازاً وتنظيراً، رغم نفور بُلاطه من دور الأب الذي كان يفضل عليه دائماً دور الصديق حتى في تعامله مع الفنانين الشباب. كما ساهم في تعريف العالم بأجيال من الفنانين الفلسطينيين من خلال كتاباته المرموقة".

مساهمة بلاطه لا تقتصر على أعماله الفنية التي ظهرت فيها روح الهندسة والفن الإسلامي، بل إنه يعدّ أحد مؤرخي الفن القلائل في العالم العربي، فقد وضَع سلسلة من الأعمال النقدية التأريخية، من أبرزها: "استحضار المكان: دراسة في الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر" (2000) والذي مثّل نقلة في النظر إلى الفن الفلسطيني وتاريخه، وكتابه الآخر "الفن الفلسطيني - من 1850 إلى اليوم" الذي صدر بالإنكليزية عام 2009. وهي أعمال أصبحت مرجعاً في دراسة الفن الفلسطيني، و"مقياساً لكل ما كتب عن الفلسطيني بعدها" بتعبير الباحث والأستاذ بجامعة كولومبيا جوزيف مسعد.

بُلّاطه المتأثّر بخطوط وتكوينات الفن الإسلامي، يبدو كما لو أنه يستعيد من خلالها الأشكال الهندسية لقبّة الصخرة، حيث نشأ قربها في طفولته في أحياء القدس القديمة، وظل تأثيرها وتأثير الفن الإسلامي منعكساً في مختلف مراحل عمله.

رسم الفنان عدداً كبيراً من ملصقات المقاومة الفلسطينية التي تضيء جوانب الصراع الفلسطيني مع الاحتلال، وحرّر أنطولوجيا شعرية باللغة الإنكليزية عام 1982 لشعراء أميركيين احتجاجاً على الغزو الإسرائيلي لبيروت، إلى جانب نشاط ثقافي واسع لصالح القضية الفلسطينية وقضايا التحرر. وحين اشتعلت انتفاضة عام 1987 الفلسطينية ألّف كتاباً بعنوان "شهود أوفياء.. أطفال فلسطين يعيدون خلق عالمهم" يضمّ مجموعة من رسومات لأطفال من فلسطين لم يتجاوزوا الـ 14 عاماً، وقدّم للكتاب وقتها جون بيرجر.

عرف عن بُلّاطه صداقاته مع الشعراء إذ أقام معارض مع بعضهم وأنجز كتب فنية لمجموعة منهم، كما ترجم للإنكليزية قصائد لمحمود درويش (في بدايته قبل أن يترجم للإنكليزية) وأدونيس (أحد أول ترجماته للإنكليزية أنجزها بُلّاطه بالتعاون مع ميرين غصين) وكما ترجم وقدّم آخرين غيرهما. كان عضوا في هيئة تحرير مجلة "مواقف" البيروتية، كما أطلق مع أدونيس مجلة "الآخر" في باريس، وله عدة كتب بالإنكليزية أنجزها كمُحرّر إلى جانب الأعمال التي ألّفها.

عُرضت أعمال بُلّاطه في متاحف عديدة في العالم من بينها: "متحف قصر الحمراء"، ومقرّ اليونسكو، و"المتحف البريطاني"، والمكتبة الوطنية في باريس، و"متحف جامعة بيرزيت" والكثير من المؤسسات العالمية الأخرى. وفي السنوات الأخيرة تلقى تكريمات من بينها: جائزة "جبران خليل جبران للروح الإنسانية" لعام 2017 عن مجمل تجربته التشكيلية من "المعهد العربي الأميركي" في واشنطن، و"جائزة محمود درويش للإبداع" في آذار/ مارس الماضي.

المساهمون