كركوك أسيرة التنافس عليها: الصراع على هوية المدينة يحتدم قبل الانتخابات

05 فبراير 2018
الصورة
عراقيون بكركوك بعد خروج البشمركة (علي مكرّم غريب/الأناضول)

على عكس باقي مدن ومناطق العراق، تحوّلت مدينة كركوك إلى شبه جزيرة معزولة عن العراق، بسبب طبيعة التنافس السياسي داخلها. ففي الوقت الذي اتسعت فيه حدة التنافس طائفياً أو دينياً في العراق، ضمن سباق الانتخابات، ظهرت جلياً سمات الصراع القومي بين العرب والتركمان والأكراد، سواء على مستوى التحالفات الانتخابية التي ذابت فيها المذهبية لدى المكوّن العربي وكذلك التركماني أو الخلافات الحزبية التي تلاشت بين الأكراد وتوحّدوا في كتلة واحدة داخل كركوك أيضاً.

وفي الأيام الأخيرة تصاعدت حدة التصريحات المتعلقة بكركوك والمناطق المتنازع عليها المجاورة لها، والتي كانت تحت سيطرة الأحزاب الكردية، قبل تنفيذ بغداد حملة عسكرية مضادة استعادت بموجبها السيطرة عليها ضمن تداعيات ما وراء استفتاء الانفصال الكردي. ووفقاً لمراقبين داخل المدينة، فقد "تبلورت ثلاث كتل قومية لا يوجد من بينها ما هو ديني أو طائفي، وحتى المكون المسيحي ذاب مع الكتلة العربية باعتبارهم عرباً مسيحيين".

وقال عضو الكتلة العربية في كركوك، محمد الجبوري لـ"العربي الجديد"، إنهم "قرروا الدخول سنة وشيعة مسلمين ومسيحيين كعرب في كركوك"، مضيفاً أنه "لساننا واحد وهذا قوة لنا وعودتنا للطائفية، تعني تشرذمنا واستفادة الخصوم السياسيين من ذلك"، في إشارة إلى المكونات القومية الأخرى.

على الجانب الآخر، فإن المكوّنات الأخرى مثل التركمان، دخلوا بقائمة واحدة رغم انقسامهم طائفياً. والحال نفسه للأكراد في كركوك رغم تفرقهم في مدن إقليم كردستان واتساع حدة الخلافات بين الأحزاب الرئيسة الثلاثة.
في هذا السياق، قال أحد أعضاء وجهاء كركوك عن المكون التركماني، إن "العنوان القومي أكثر وحدة للعراقيين من الطائفي، فهو أشمل بالتأكيد. كما أن التعصب والتزمت القومي مهما ارتفع لا يكون مثل الطائفي". وبيّن، في حديث لـ"العربي الجديد"، بأن "الانتخابات المقبلة ستكون في كركوك قومية بحتة وعادلة كما نأمل، وبإشراف من الأمم المتحدة". وعلى الرغم ذلك، إلا أن قيادات كردية اعتبرت أن "الوضع في كركوك غير مستقر وهناك عمليات إزاحة متعمدة تمارس على الأكراد بالمدينة".



واكد القيادي في "الحزب الديمقراطي الكردستاني" سربست قادر، أن "الأوضاع في كركوك مقلقة وغير مستقرة"، مبيناً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "المدينة تعاني من نزوح آلاف الأكراد الذين تركوا ديارهم بعد دخول القوات العراقية إليها". وأشار إلى أن "القوات العراقية ومليشيات طائفية تضايق الأكراد في كركوك والمناطق المتنازع عليها"، لافتاً خلال مقابلة تلفزيونية إلى أن "القوى الكردية لن تعطي الشرعية للاحتلال"، في إشارة لدخول الجيش العراقي إلى كركوك.

وتصاعدت حدة المواقف الكردية بعد أيام على قول رئيس إقليم كردستان السابق مسعود البرزاني، إن "انسحاب قوات البشمركة الكردية من كركوك، وسيطرة القوات العراقية ومليشيات الحشد الشعبي عليها، سيساعد في عودة مجرمي تنظيم داعش"، ملوحاً بـ"استعادة كركوك وضمها لإقليم كردستان بالطرق السلمية".

وفي سياق متصل، أكد عضو البرلمان العراقي السابق القيادي الكردي، محمود عثمان، أن "الصراع في كركوك وعدد من المناطق المتنازع عليها، موجود كما هو الحال في بقية المحافظات العراقية لكنه قومي لا طائفي". وأضاف أن "العراق كله صراعات، لا يوجد مكان من دون صراعات، والحملات الانتخابية والصراعات غير طبيعية"، موضحاً في حديث لـ "العربي الجديد" أن "هذه الصراعات وإن كانت واقع حال، لكنها غير إيجابية". ولفت إلى أن "الأحزاب الكردية تحاول تجاوز صراعاتها من أجل توحيد صفوفها لدخول الانتخابات المقبلة، ضمن تحالف واحد لا سيما في المناطق المتنازع عليها"، مؤكداً أن "هذه المناطق يجب أن تُدار بحسب المادة 140 من الدستور العراقي". ورأى عثمان أن "الدستور شدّد على ضرورة التطبيع في هذه المناطق، وعلى ضرورة إعادة جميع النازحين والمهجرين قبل إجراء الانتخابات".

في المقابل، رفض القيادي في الجبهة التركمانية بكركوك، محمد سمعان، التحذيرات التي أطلقها رئيس إقليم كردستان السابق، مسعود البرزاني، بشأن احتمال عودة تنظيم "داعش" إلى كركوك، موضحاً في تصريح صحافي أن "هذه التصريحات في غير محلها وتعبر عن إفلاسه السياسي الذي دفعه لمحاولة تصدير الأزمة السياسية في الإقليم". وأشار إلى أن "الشارع السياسي الكردي مستاء بشكل كبير من سياسات البرزاني"، موضحاً أن "الأوضاع في كركوك مستقرة منذ دخول القوات العراقية إليها".



من جهته، اعتبر عضو تجمع عرب كركوك، علي العبيدي، أن "القوى الكردية تعمل على التهام كركوك من خلال الإصرار على إجراء الانتخابات هناك في موعدها المحدد"، رافضاً في حديث لـ "العربي الجديد"، فكرة "إجراء الانتخابات في كركوك بعد أربعة أشهر، لأن المدينة خضعت إلى تغيير في تركيبتها السكانية، بعد قيام السلطات الكردية طيلة السنوات الماضية بتهجير العرب والتركمان من بعض المناطق واستبدالهم بأسر كردية".

ولفت إلى أن "المرحلة الماضية شهدت تصاعداً في التصريحات الكردية المنادية باستعادة السيطرة على كركوك والمناطق المتنازع عليها"، مبيناً أن "رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البرزاني، وقادة أكرادا آخرين، يتقصدون إثارة الصراع في هذا الوقت بالذات كجزء من الدعاية الانتخابية".

وأوضح أن "التدهور الأمني الذي شهدته كركوك أخيراً أمر يحدث في جميع المحافظات العراقية، وليس هناك من محافظة عراقية آمنة بنسبة مائة في المائة"، محذّراً من السماح لـ"القوات الكردية بالعودة لأن ذلك يعني اندلاع صراع له أول وليس له آخر".

وجاء ذلك في وقت اندلعت فيه حرب تصريحات أمنية بين بغداد وأربيل بشأن الانتشار العسكري في كركوك وموقف قوات "البشمركة" الكردية منه. وكذبت قيادة العمليات العراقية المشتركة، يوم الاثنين الماضي، الأنباء التي تحدثت عن تحرك قوات "البشمركة" الكردية من أجل استعادة السيطرة عليها. وذكرت في بيان أن "بعض وسائل الاعلام تناقلت أنباء ملفقة تحدثت عن تقدم قوات البشمركة باتجاه مناطق شرق كركوك"، مؤكدة "عدم وجود أي تغيير في مسارات الموقف بالنسبة لقوات البشمركة والقوات العراقية الاتحادية".

وتابع البيان "نستغرب هذه الأخبار الكاذبة التي يسعى مروجوها إلى تضليل الرأي العام"، محذّرة وسائل الإعلام التي رددت هذه الأخبار من "الوقوع بفخ التضليل". وأعلنت أنها "تحتفظ بحقها باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة من خلال التنسيق مع هيئة الإعلام والاتصالات". في غضون ذلك، أفادت وسائل إعلام كردية بأن "قوات الجيش العراقي انسحبت من مناطق جنوب كركوك وشرقها، باتجاه محافظة نينوى، لإمساك الملف الأمني لقوات الشرطة هناك".