كانوا صغاراً يوم تركوا حلبجة

01 سبتمبر 2015
الصورة
ما زال العجوزان يأملان لقاء أحباب مفقودين (فرانس برس)
+ الخط -

يتناول الإعلام في كردستان العراق بين حين وآخر، قصة جديدة من قصص مفقودي الحرب من أهل مدينة حلبجة (شمال شرق بغداد) الذين يعودون من جديد إلى مسقط رأسهم أو يُعثَر عليهم. العشرات ما زالوا مفقودين مذ كانوا صغاراً وافترقوا عن أسرهم، خلال هربهم من المدينة عند ضربها بالأسلحة الكيماوية في مارس/ آذار من عام 1988.

مريم أو هاوناز، هي بطلة إحدى أحدث تلك القصص. هي في التاسعة والعشرين من عمرها، وكانت أسرتها قد فقدتها قبل 27 عاماً في أثناء هروبها مع آلاف الأسر الأخرى. عندما فقدها أهلها وهي في الثانية من عمرها، كانت تُدعى هاوناز، أما اليوم فهي مريم. هذا هو الاسم الذي منحتها إياه العائلة الإيرانيّة التي احتضنتها.

عندما كبرت هاوناز، أخبرتها عائلتها التي احتضنتها بأنها من أصول عراقية وشرحت لها الظروف. لذا، توجّهت إلى حلبجة في وقت سابق من هذا العام، بحثاً عن أسرتها الأصلية. وبعد أشهر من متابعة القضية وإجراء فحوصات الحمض النووي لمطابقتها بعينات أشخاص فقدوا أقرباء لهم في الحرب، تعرفت الشابة إلى أسرتها الأصلية.

في 18 آب/ أغسطس المنصرم، أقيمت مراسم تعريف الشابة بأسرتها، وسط حشد من أهالي حلبجة الذين تُعدّ قصص المفقودين أولوية بالنسبة إليهم. في تلك المراسم، أُعلنِت نتائج التحاليل واسمها الحقيقي. وقد عُلم أن والدها توفي في قصف عام 1988، في حين تعيش والدتها وإخوتها في مدينة باوه الإيرانية. الوالدة تزوجت بعد خمس سنوات من المجزرة، من رجل كردي إيراني.

اقرأ أيضاً أم علي: هربتُ من القصف ونسيتُ طفلي

تحكي كيلاس اسكندر والدة هاوناز، عن ظروف فقدانها اثنَين من أبنائها. تقول إنه بعد مقتل زوجها في القصف، هربت بأطفالها الصغار الأربعة باتجاه الأراضي الإيرانية. وعلى الحدود بين البلدَين، أغارت الطائرات من جديد، وعجزت المرأة عن الرؤية لبعض الوقت. تضيف: "كنت شبه فاقدة للوعي. أخذت إحدى قريباتي مني طفلي الأصغر نياز الذي كان يبلغ من العمر أربعين يوماً، لمساعدتي. وقالت لي: أعيده عندما تتحسّن صحتك".

تكمل الوالدة سردها: "بعد إصابتي، نقلتنا طائرة لأجد نفسي راقدة في مستشفى في العاصمة الإيرانية طهران. علمت من أقرباء لي أن اثنَين من أطفالي في مدينة شيراز الإيرانية". وبعد مغادرة المستشفى، بدأت رحلة البحث عن طفليها هاوناز وريباز. لكن فوضى المستشفيات الإيرانية صعّبت عليها وعلى عشرات من الأسر الكردية العراقية، رحلة البحث عن الأطفال المصابين بالقصف الكيمياوي. ونتيجة تلك الفوضى، بقي مصير عدد كبير من الصغار مجهولاً.

قصدت كيلاس إسكندر مناطق إيرانية عديدة، لكنها لم تتمكن من العثور عليهما. وكانت صدمتها الكبيرة عندما تبلغت من عدد من الجهات أن جميع المفقودين لا سيّما الأطفال منهم، توفوا. وما كان عليها إلا الرضوخ للأمر الواقع، وراحت تتقبّل التعازي. لكن، سرعان ما عادت لتبحث عنهما وقد استعانت هذه المرة بأقرباء لها. وفي أحد مستشفيات مدينة شيراز، أبلغوها أن صحة ابنها المفقود تدهورت، فنقل إلى خارج إيران لتلقي المعالجة من دون أي تفاصيل إضافية. أما ابنتها، فقد رُجّحت وفاتها.

عثرت الأم على ابنها ريباز، ومن ثمّ راحت تتعقّب مصير الرضيع نياز الذي كانت قد سلّمته على الحدود العراقية الإيرانية إلى قريبة لها. أعلمتها الأخيرة أن صحة الطفل تدهورت ونُقل الى مستشفى في العاصمة الإيرانية. وعندما عادت إليه بعد أسبوعين، لم تجد له أثراً في المستشفى. وحتى ليلة لقاء ابنتها، كانت كيلاس إسكندر تأمل لقاء ابنها الذي فقدته رضيعاً، وليس ابنتها فحدث العكس.

في مراسم التعرّف إلى أسرتها الأصلية، وبعدما تبادلت الاحتضان والقبل مع والدتها وأقرباء لها، قالت الشابة "شكراً لله. أقول للجلادين الذين يقفون خلف جريمة حلبجة، ها أنا على قيد الحياة". صحيح أن هاوناز عادت إلى حلبجة بحثاً عن أهلها وقد وجدتهم، إلا أنها لم تعد راغبة في تمضية حياتها فيها، قائلة: "والدي استشهد فيها".

ما زالت 68 أسرة من مدينة حلبجة الكردية تنتظر معرفة مصير 94 من أبنائها الذين فقدوا وهم صغار، في أثناء القصف الكيماوي قبل 27 عاماً. وكانت عمليات متابعة هذا الملف حتى الآن، قد أدّت إلى تعرّف سبع أسر على أبنائها المفقودين. كذلك، سجّلت أسماء ثلاثة من المفقودين وعناوينهم لدى الأجهزة المختصة في حكومة إقليم كردستان العراق، في انتظار نتائج تحاليل الحمض النووي. ومن بين المفقودين الذين لم يُعرف مصيرهم بعد، الشقيق الأصغر للشابة هاوناز، التي عادت إلى أسرتها.

في السياق، كان وزير الشهداء في إقليم كردستان محمود حاجي صالح قد وعد ببذل "كل مساعينا بالتنسيق مع ممثليات حكومة إقليم كردستان في ايران ومع الوكالات والجهات ذات العلاقة، للعثور على المفقودين". وتوجّه منظمات مدنية محلية في كردستان العراق تدافع عن حقوق ضحايا القصف الكيمياوي في حلبجة وكذلك حكومة الإقليم، دعوات إلى الحكومتين العراقية والإيرانية للتعاون الجدي في هذه القضية. لكن أياً من الجانبين لم يتدخل بشكل ملحوظ أو رسمي في الملف.

اقرأ أيضاً: "طنطل" وكنوز في أهوار العراق