قوات "الوفاق" الليبية تلمّح لتوسيع القتال ضد قوات حفتر... والإمارات وفرنسا للمفاوضات

طرابلس
العربي الجديد
20 مايو 2020

تسارعت وتيرة الأحداث في ليبيا بعد تمكن قوات حكومة "الوفاق" من السيطرة على قاعدة الوطية، جنوب غرب البلاد، التي تعد أهم قواعد مليشيات اللواء خليفة حفتر في الغرب الليبي، ما أدخل الأخير في حالة ارتباك في مواقفه وخطواته، في الوقت الذي كشفت فيه مصادر ليبية متطابقة، النقاب عن ممارسة أطراف دولية ضغوطاً على قادة الأطراف الليبية من أجل وقف نهائي للقتال والعودة إلى المفاوضات السياسية والعسكرية برعاية الأمم المتحدة.

وتزامناً مع إعلان المتحدث الرسمي باسم الجيش الليبي، محمد قنونو، ليل أمس الثلاثاء، الإنذار الأخير لمليشيات حفتر في مناطق الأصابعة ومزدة وترهونة جنوب طرابلس، وفق الصفحة الرسمية لعملية "بركان الغضب" على "فيسبوك"، قال المتحدث الرسمي باسم مكتب الإعلام الحربي لعملية "بركان الغضب"، عبد المالك المدني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، اليوم الأربعاء، إن سلاح الجو تمكن من تدمير منظومة دفاع جوي جديدة داخل مدينة ترهونة.

وتبدو انعكاسات خسارة حفتر العسكرية لقاعدة الوطية جلية، فقد ساد الارتباك بيانات قيادته بشكل واضح، إذ بعد ساعات من إعلان المتحدث الرسمي باسم قيادة حفتر، أحمد المسماري، خلال مؤتمر صحافي، فجر الثلاثاء، أوامر حفتر بـ"إعادة تموضع" مليشيات في محاور جنوب طرابلس، عاد وأعلن في بيان نشرته الصفحة الرسمية لقيادة حفتر، منتصف ليل الثلاثاء، بدء انسحاب مليشياته من محاور جنوب العاصمة لمسافة 3 كيلومترات، مدعياً أنّ سحب المليشيات هو لـ"توسيع المجال في مساحة طرابلس لتأدية الشعائر الدينية وتبادل الزيارات والتواصل بين الليبيين، كما هو جارٍ في شمال وشرق وغرب البلاد".

بل وطالب البيان حكومة "الوفاق" بإجراء مماثل لـ"إنشاء منطقة خالية من التوتر والتصادم المباشر لتجنب تجدد الاشتباكات" خلال فترة أيام العيد.

ورغم معرفة المسماري بأن سكان جنوب العاصمة، الذين قدّر عددهم بما يزيد على 130 ألف مدني يعيشون في مراكز لإيوائهم كنازحين بعد أن هجرهم من مساكنهم، منذ إبريل/ نيسان من العام الماضي، إلا أن المسماري قال إن القرار جاء مواكباً مع الأسبوع الأخير من شهر رمضان، وحرصاً من حفتر على عادات العيد وتقاليده و"رغبة منا في تخليص الناس من المعاناة خلال هذا العيد السعيد وإعطاء أهلنا في طرابلس الفرصة لمراعاة العادات والتقاليد".

لا خط أحمر

لكن رد قوات حكومة "الوفاق" لم يتأخر أمام موقف حفتر المنهار جنوب العاصمة، فقد أعلن قنونو تحذيراً جديداً فجر اليوم الأربعاء، لمليشيات حفتر، مؤكداً أن "أي هدف يشكل خطراً، ثابتاً كان أو متحركاً، سيُستهدَف ويُقصَف دون استثناء، ولا يوجد أي خط أحمر".

بل وفي إشارة إلى إمكانية توسع العمليات العسكرية خارج نطاق الغرب الليبي، قال: "حان الوقت ليتدفق النفط الليبي مجدداً، والضرب على الأيدي الآثمة العابثة بقوت الليبيين".

وتقع منابع النفط الليبي التي أوقفت مليشيات حفتر القبلية تدفقه، منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، في جنوب وجنوب شرق ليبيا، كما يبدو أن تحذير قنونو كان موجهاً أيضاً إلى داعمي حفتر الإقليميين، بقوله: "دولة ليبيا ستكون مقبرة لمن اختار أن يتمرد عليها ويهدد أمنها وسلامتها".

داخلياً، أكد مصدر برلماني مقرّب من حفتر أن الأخير يعيش حالة من الارتباك الكبير بعد الهزات التي تلقتها مليشياته في غرب البلاد، بل تغير مواقف بعضها كمليشيات قبائل الصيعان التي أعلنت في بلداتها؛ تيجي وبدر، عن انضمامها إلى قوات حكومة "الوفاق"، وتحول أيضاً موقف مدينة الزنتان، أقوى مدن الجبل الغربي، والتي تعتبر أكبر مراكز قوة حفتر في الجبل الغربي.

وأعلن المجلس الأعلى لأعيان وحكماء مدينة الزنتان، ليل الثلاثاء، ترحيبه بتحرير قاعدة الوطية، مؤكداً أنها كانت "وكراً لأزلام النظام السابق وحاضنة للمعتدين والقتلة والمتمردين".

وأكد المجلس، في بيان له، أن المدينة "لن تكون مأوى للقتلة المجرمين والمعتدين الفارين من مدنهم وقراهم"، وطالبت مسلحي حفتر بتسليم أنفسهم أو القبض عليهم.

ووصل حد الارتباك داخل معسكر الرجمة إلى تهديد مليشيات ترهونة لحفتر باعتقال وقتل أي مسلح تابع لمليشياته القادمة من الشرق، في حال انسحابه وترك ترهونة وحدها، بحسب ذات المصدر.


الإمارات وفرنسا للحوار

وفي الوقت الذي أكدت فيه مصادر ليبية متطابقة استعداد قوات حكومة "الوفاق" لشنّ حملات قتالية جديدة في مختلف محاور القتال في طرابلس وترهونة، وباتجاه بلدات الأصابعة ومزدة اللتين تقعان على الطريق الرابط بين ترهونة وقاعدة الجفرة، ذكرت أيضاً أن عدة أطراف دولية اجرت اتصالات بقادة الأطراف الليبية من أجل وقف القتال واستئناف الحوار السياسي والعسكري المنبثق من اتفاق برلين.

وقالت المصادر إن "حفتر أبدى استعداده السريع للقبول بالدعوة الدولية، ووجد فيها سبباً لسحب قواته من جنوب طرابلس باتجاه ترهونة لحمايتها من تهديد السقوط"، مؤكدة أن حفتر أراد بتجاوبه مع الدعوة الدولية إحراج حكومة "الوفاق" إذا ما رفضت وقف القتال.

وأكد أحد المصادر، وهو دبلوماسي في السفارة الليبية بروما، أن الإمارات وفرنسا هما من تقفان وراء دعوة بعض الدول للعودة إلى العملية السياسية، خصوصاً أن مواقف دول أوروبية وأيضاً واشنطن تشهد تغيراً تجاه حفتر، مشيراً إلى أن الوسيط في الاتصال بالأطراف الليبية هو ألمانيا التي تحرص على نجاح وساطتها السياسية في الأزمة الليبية.

ويرى الباحث الليبي في العلاقات الدولية، مصطفى البرق، أن التغيرات الأخيرة طاولت إيطاليا أيضاً التي كانت إلى وقت قريب تقف في منتصف المسافة بين حفتر وطرابلس، مشيراً إلى اتصال وزير خارجيتها لويجي دي مايو بطرابلس، بحسب بيان لوزارة الخارجية بحكومة "الوفاق"، للتأكيد أن مهمة "إيريني" الأوروبية ستراقب أيضاً الحدود الليبية المصرية، بل ويرى أنّ "الابلاغ من جانب إيطاليا يعني لعبها دوراً أساسياً في تغيير شكل المهمة الأوروبية في أوساط دول الاتحاد الأوروبي التي يبدو أن صورة حفتر لم تعد مقبولة لديها".

ويضيف البرق، لـ"العربي الجديد"، أن التحولات الجديدة جاءت بعد الموقف المعلن لحلف "الناتو" من المهمة الأوروبية الذي يعتبر دعماً لتركيا العضو الأساسي بالحلف، ولا سيما أن جزءاً من أهداف المهمة يهدف إلى عرقلة استمرار اتفاق الحكومة التركية مع طرابلس.


لغة جديدة

وبالتوازي مع دعوة مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة الطاهر السني، خلال كلمته في اجتماع مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا، أمس الثلاثاء، المجلس إلى تشكيل لجنة لاتخاذ خطوات لوقف دعم حفتر من قبل دول منها الإمارات بالسلاح والمرتزقة، كشفت مداخلات مندوبي الدول الأعضاء بالمجلس مواقف جديدة من حفتر، فقد صرحت المندوبة الأميركية بمجلس الأمن كيلي كرافت، برفض بلادها لهجوم حفتر على طرابلس، مجددة رفضها "لأي جهود أحادية تقوض المسار السياسي"، في إشارة إلى انقلاب حفتر على الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات المغربية.

بل شددت على رفض بلادها أيضاً لاستمرار تدفق السلاح والمرتزقة إلى ليبيا، "خصوصاً مرتزقة فاغنر الروس".

وتماهياً مع معلومات المصادر التي تحدثت لـ"العربي الجديد"، حثت كرافت حكومة "الوفاق" وحفتر على "العودة إلى المفاوضات السياسية وفقاً لمخرجات مؤتمر برلين".

وبينما لا يرى البرق في حديثه لـ"العربي الجديد" وجود أي مؤشرات لإمكانية قبول حكومة "الوفاق" بالحوار مع حفتر، مشيراً في هذا الإطار إلى أنّ المجلس الأعلى للدولة، الطرف السياسي المفاوض عن طرابلس، أكد رئيسه، خالد المشري، في بيانه الذي رحب فيه بتحرير قاعدة الوطية، أنه "لن يكون هناك أي حوار في ظل وجود المعتدي وسفك دماء الليبيين"، في إشارة إلى رفض الحوار مع حفتر.

لكن البرق في ذات الوقت لاحظ تغيراً في خطاب البعثة الأممية في ليبيا، وقال: "لأول مرة تسمي البعثة الأممية في إحاطة ستيفاني وليامز لمجلس الأمن أمس حفتر بالاسم وتنسب إليه المسؤولية عن قصف الأحياء المدنية في طرابلس".

وأكدت وليامز، في إحاطتها، أمس الثلاثاء، لأعضاء مجلس الأمن، أن هجوم حفتر على العاصمة طرابلس سبّب أزمات إنسانية متعددة تشمل قصف المنشآت المدنية، من بينها مطار امعيتيقة وميناء طرابلس، والهجمات العشوائية التي أودت بحياة مئات المدنيين وجرح غيرهم، من بينها مقر إيواء النازحين في حيّ الفرناج، السبت الماضي، كذلك زادت الاعتداءات العشوائية على المستشفيات من معاناة العديد من المرضى، خاصة مع انتشار فيروس كورونا.

وهذه لغة جديدة في خطاب البعثة، بحسب البرق، "لم تعرفها إحاطات البعثة في السابق، ما يمكن أن يمهد لتغير سلوك البعثة إذا ما قادت مفاوضات السلام مجدداً في البلاد".

تعليق:

ذات صلة

الصورة
النفط الليبي-اقتصاد-8-4-2017 (Getty)

سياسة

تجري مداولات عن تفاهمات بين الأطراف المنخرطة في الأزمة الليبية، بشأن إعادة استئناف ضح النفط المتوقف منذ ستة أشهر، وسط تكهنات بين آراء مراقبين ليبيين تتوجس من فتح باب الحديث عن التقسيم الفعلي للبلاد.
الصورة
قوات المجلس الانتقالي الجنوبي-فرانس برس

سياسة

توعّد "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم إماراتياً بإسقاط مدن جديدة جنوبي اليمن، وفرض ما يُسمّى بـ"الإدارة الذاتية"، بالتزامن مع تصاعد المعارك مع القوات بمحافظة أبين، وذلك بهدف الضغط على الحكومة الشرعية وإحراز مكاسب أكبر من المفاوضات الجارية لتنفيذ اتفاق الرياض المتعثر.
الصورة
ليبيا-موكاحيت أيديمير/الأناضول

سياسة

دعت باريس وروما وبرلين في بيان مشترك، مساء أمس الخميس، إلى إنهاء "كل التدخلات" الأجنبية في ليبيا، وحضّت الأطراف الليبيين على "إنهاء المعارك فوراً وبلا شروط".
الصورة
أبين/سياسة/نبيل حسن/فرانس برس

سياسة

بدأت قوات سعودية اليوم الأربعاء، بالانتشار في خطوط التماس بين الجيش اليمني الموالي للشرعية والقوات التابعة لـ"المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعوم إماراتياً في محافظة أبين، وذلك غداة يوم دام أسفر عن سقوط 50 قتيلاً وجريحاً على الأقل.