قمة لحظة الحقيقة الأوروبية: العقدة الأيرلندية تعرقل خطة "بريكست"

قمة لحظة الحقيقة الأوروبية: العقدة الأيرلندية تعرقل خطة "بريكست"

لندن

إياد حميد

إياد حميد
18 أكتوبر 2018
+ الخط -
مع اقتراب موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مارس/ آذار المقبل، لا تزال مفاوضات "بريكست" عاجزة عن إيجاد أجوبة لمسألة الحدود الأيرلندية. وعلى الرغم من اتفاق بريطانيا والاتحاد الأوروبي على خطة مساندة يجري تطبيقها حتى إتمام الاتفاق التجاري والأمني المستقبلي بين الطرفين، لا تزال كيفية تطبيق هذه الخطة وتفاصيلها العقبة الرئيسية أمام الاتفاق. وكانت آخر حلقات الخلاف بين الجانبين نهاية الأسبوع الماضي، عندما خرج وزير "بريكست" البريطاني، دومينيك راب، بخفي حنين من اجتماعه مع رئيس الوفد الأوروبي المفاوض، ميشيل بارنييه، وذلك على رغم الآمال الكبيرة التي وضعها الطرفان على اجتماع المسؤولين، والذي سبق القمة الأوروبية التي بدأت مساء أمس الأربعاء في بروكسل، وموضوعها الأساس إمكانية الاتفاق حول مصير الحدود الأيرلندية، من دون توقعات بخروجها بأي حلول.

وأمس، اقترح كبير مفاوضي الاتحاد الاوروبي حول "بريكست"، ميشال بارنييه تمديد الفترة الانتقالية التي تلي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لمدة سنة بهدف حلحلة المفاوضات بين الطرفين ولا سيما في ما يتعلّق بمسألة الحدود الأيرلندية. وقال دبلوماسيان أوروبيان لوكالة "فرانس برس"، أمس، إنّ "أحد الخيارات هو تمديد الفترة الانتقالية لمدة عام واحد". والتقت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مساء أمس زملاءها الأوروبيين في افتتاح القمة الأوروبية التي اقتصرت على إظهار الخلافات التي ما زالت قائمة بين لندن والاتحاد الأوروبي، بينما تبدو المفاوضات حول "بريكست" في طريق مسدود. ووصلت ماي مساء الأربعاء إلى بروكسل حيث ألقت كلمة أمام قادة دول الاتحاد الأوروبي الـ27 قبل أن يلتقي هؤلاء على عشاء في غيابها، ليقرروا فيما بينهم لاحقاً الطريق الذي يجب اتباعه إزاء استمرار المفاوضات. وقد تبددت الآمال التي كانت قائمة في نتائج القمة التي كانت تقدم على أنها "لحظة حقيقة" قبل أقل من ستة أشهر على خروج بريطانيا من الاتحاد المقرر في 29 آذار/مارس 2019.

وفي ظلّ انهيار الآمال بالتوصّل إلى اتفاق قريباً، لا يزال الطرفان، الأوروبي والبريطاني، متفائلين بإمكانية إتمام المفاوضات قبل موعد القمة الأوروبية التالية في ديسمبر/ كانون الأول. فقد خلص اجتماع حكومي بريطاني مساء أول أمس الثلاثاء، إلى دعم الوزراء البريطانيين لمساعي ماي لإبقاء كامل المملكة المتحدة في الاتحاد الجمركي، عوضاً عن إبقاء أيرلندا الشمالية، ولكن لفترة محدودة. وهو ما يعدّ أقل مما يقبل به الاتحاد الأوروبي، ولكنه تطوّر مهم في موقف متشددي "بريكست" في الحكومة البريطانية، والذين كانوا قد هددوا بالاستقالة في وقت سابق اعتراضاً على أي تمديد لعضوية بريطانيا في الهياكل الأوروبية. ويدعم ذلك تصريحات خرجت عن وزير التجارة الدولية، ليام فوكس، والتي أشارت إلى ضرورة تمديد المرحلة الانتقالية إلى ما بعد ديسمبر/ كانون الأول 2020، إذا ما أرادت بريطانيا إتمام صفقة تجارية مع أوروبا.

من جانبهم، خرج مسؤولو الاتحاد الأوروبي بتصريحات تحذيرية تجنح للتفاؤل حول مسار المفاوضات. فقد طالب رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، بريطانيا بالتقدّم بمقترحات جديدة عملية حول الحدود الأيرلندية، بينما أكّد على أنّ القمة الاستثنائية التي قد تعقد في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، رهن تحقيق تقدّم في المفاوضات حول خطة المساندة. أمّا رئيس الوفد الأوروبي المفاوض، ميشيل بارنييه، فقد أبدى ثقته في قدرة ماي على إتمام المفاوضات بنجاح، بالتزامن مع إشارات قادمة من الرئاسة الفرنسية بإمكانية التوصّل إلى تسوية بين المطلب البريطاني بشمول كامل المملكة المتحدة في الاتحاد الجمركي لفترة زمنية محددة مسبقاً، والمطلب الأوروبي المطالب بإبقاء هذه العضوية حتى إتمام الاتفاق التجاري النهائي.

وتدور نقطة الخلاف حول كيفية منع قيام الحدود الصلبة ونقاط التفتيش الحدودية بين أيرلندا الشمالية والجمهورية الأيرلندية من خلال الحفاظ على عضوية الاتحاد الجمركي. وكان الاتحاد الأوروبي قد تقدّم بمقترح إبقاء أيرلندا الشمالية في الاتحاد الجمركي بعد "بريكست" ونقل نقاط التفتيش الجمركية إلى البحر الأيرلندي بين الجزيرتين الأيرلندية والبريطانية، وبالطبع بانتظار الاتفاق التجاري النهائي بين الجانبين، والذي سيحدد الحاجة إلى هذه الحدود.  إلا أنّ رئيسة الوزراء تيريزا ماي، وبضغط من الحزب "الاتحادي الديمقراطي"، شريكها في ويستمنستر، والذي تعتمد على أصواته لضمان الأغلبية البرلمانية، يرفض رفضاً قاطعاً أي افتراق تنظيمي بين أيرلندا الشمالية وبقية المملكة المتحدة. بينما يرفض متشدّدو "بريكست" في حزب ماي الخيار الثاني القاضي بإبقاء كامل بريطانيا في الاتحاد الجمركي. ونظراً لضرورة موافقة البرلمان على أي اتفاق تأتي به ماي من بروكسل، وتعهد حزب "العمال" بالتصويت ضدّها بأي حال، تقف رئيسة الوزراء عاجزة عن تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة.

وتعود أهمية الحدود الأيرلندية بشكل رئيسي إلى اتفاق السلام الذي وقّع بين أطراف الحرب الأهلية الأيرلندية عام 1997، والذي يعرف باسم اتفاق "الجمعة العظيمة". ولهذا الاتفاق أهمية كبرى للأطراف الثلاثة المعنية: أيرلندا الشمالية، بريطانيا، والجمهورية الأيرلندية، التي تحظى بالدعم التام من الاتحاد الأوروبي.

وبما أن مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي تعني خروجها من الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، فذلك يعني تطبيق قيود على حركة الأفراد والبضائع بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لأغلبية المملكة المتحدة، يسهل تطبيق ذلك في الموانئ البحرية والجوية. ولكن في الجزيرة الأيرلندية سيتطلب الأمر إعادة نقاط التفتيش الحدودية وما يتبعها من بنية تحتية على الحدود البرية مع أيرلندا. وفي مسعى لفهم ضرورة الحفاظ على التوازن في الجزيرة الأيرلندية بعد "بريكست"، يقول ديفيد فينمور، المحاضر في العلوم السياسية في جامعة الملكة في بلفاست، والعضو في "معهد السيناتور جورج ميتشل للسلم والأمن والعدالة العالمية"، في إجابات على استفسارات لـ"العربي الجديد" حول هذا الأمر، يقول "ليست هذه الحدود بالعادية، ولكنها حدود متنازع عليها. وتم نزع تسييس هذه الحدود وجعلها عملياً غير مرئية خلال عملية السلام في السنوات العشرين الماضية. ويرى العديدون أن إعادة رفع هذه الحدود قد تقوض من عملية السلام هذه".

ويتابع فينمور "تعي الحكومة الأيرلندية وباقي الاتحاد الأوروبي وأغلبية أعضاء الحكومة البريطانية هذه النقطة. ولكن المعضلة تكمن في خلافهم حول التعامل مع القضية. فالحلّ بالنسبة للاتحاد الأوروبي والحكومة الأيرلندية يكمن في الحفاظ على الوضع الحالي، أقلّه فيما يتعلّق بحريّة حركة البضائع. وللسماح بهذا الوضع، يبدي الاتحاد الأوروبي استعداده للحفاظ على عضوية أيرلندا الشمالية في السوق المشتركة والاتحاد الجمركي للبضائع، مع العلم أن أغلبية سكان أيرلندا الشمالية صوتوا لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي عام 2016. لكن المشكلة من وجهة نظر الحكومة البريطانية أنّ كامل المملكة المتحدة ستخرج من كل من السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الجمركي. وبالتالي وبكل بساطة من غير الممكن الحفاظ على حدود مفتوحة في الجزيرة الأيرلندية في مثل هذا السيناريو. ويجب أن يتم التفتيش الجمركي في مكان آخر".

ومما يزيد الأمر تعقيداً، هو الخريطة السياسية في أيرلندا الشمالية ذاتها. فبينما ترى الأحزاب السياسية الأيرلندية الشمالية الظروف الاستثنائية التي يعيشها الإقليم والجزيرة الأيرلندية بشكل عام، يمتلك الحزب "الاتحادي الديمقراطي" ثقلاً أكبر في المعادلة لاعتماد حكومة ماي على أصوات نوابه العشر في برلمان ويستمنستر لضمان الأغلبية البرلمانية، إلى جانب كامل أصوات حزبها، لتمرير أي قانون في مجلس العموم، بما في ذلك صفقة "بريكست" المرتقبة.

ويقول فينمور "توافقت أربعة أحزاب هي الشين فين والتحالف والخضر وحزب العمال والديمقراطيون الاشتراكيون على مقترح الاتحاد الأوروبي، أي إبقاء أيرلندا الشمالية في الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة للبضائع"، مضيفاً "في الحقيقة يرغب هؤلاء في رؤية أيرلندا الشمالية منخرطة أكثر في التكامل الأوروبي مثل حرية تنقل الخدمات والأفراد. إلا أنّ الحزب الاتحادي الديمقراطي يعارض مثل هذه الترتيبات".

وبالفعل، فإنّ "الاتحادي الديمقراطي" معارض وبشدّة لأي إجراء قد يخلق أي جمارك ونقاط تفتيش بين الجزيرة البريطانية وأيرلندا الشمالية. ويأتي خوفهم، غير المبرر، من أنه يهدد وضع أيرلندا الشمالية في المملكة المتحدة. فبالنسبة للاتحادي الديمقراطي، وأيضاً لحزب "ألستر الاتحادي"، فإنّ أي إجراء يقوّض أو يضعف الاتحاد يعدّ مرفوضاً كلياً. وإلى ذلك، يقترح "الاتحادي الديمقراطي" حلاً يقول بمعاملة أيرلندا الشمالية كبقية المملكة المتحدة. وهذا الموقف الضعيف يعتمد على حلول تقنية غير مجرّبة وغير ملائمة للتفتيش الجمركي. كما يفشل هذا الحلّ في التعامل مع التأثيرات العكسية لـ"بريكست" على أيرلندا الشمالية.

وكانت قد برزت نقاشات مسبقة عن احتمال إدخال بعض التعديلات على اتفاق "الجمعة العظيمة"، بحيث تتوافق مع الواقع الجديد بعد "بريكست". إلا أنّ فينمور يرى أنّ "كلا من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي ملتزمان في مفاوضات بريكست بالحفاظ على اتفاقية الجمعة العظيمة بأجزائها كافة". وتنصّ مسودة اتفاقية "بريكست" التي أصدرها الاتحاد الأوروبي في فبراير/شباط 2018 على رؤيته الخاصة بتطبيق ذلك. وفي قلب هذه الرؤية، يقبع تجنّب الحدود الصلبة والذي يتم من خلال إبقاء أيرلندا الشمالية في الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، على الأقل بالنسبة للبضائع. كما توجد فقرات خاصة تشمل التوافق التنظيمي على جانبي الحدود للحفاظ على التعاون في العديد من المجالات والتي تشمل المواصلات والبيئة والصحة والطاقة والزراعة والقضاء والأمن.

ويضاف إلى ذلك الالتزامات الخاصة بحقوق المواطنين الأيرلنديين المقيمين في أيرلندا الشمالية. فالمملكة المتحدة وافقت على عناصر رئيسية في مقترح الاتحاد الأوروبي. إلا أنّ الخلافات الرئيسية تكمن في كيفية تطبيق ذلك وبالأخصّ حول التجارة، ولكن أيضاً بوجود خلافات أخرى حول طريقة تطبيق الاتفاقيات المستقبلية. فمثلاً هل ستكون أيرلندا الشمالية في هذا السياق تحت سلطة محكمة العدل الأوروبية؟ ويذكر أنّ أيرلندا ليست عضواً في منطقة الشنغن الأوروبية، مثلها مثل بريطانيا. وتربط الدولتين اتفاقية تعرف باسم منطقة السفر المشتركة، والتي تتيح لمواطني الدولتين التنقل بحرية بينهما.

ويرى فينمور أنّ الحديث عن احتمال إعادة التفاوض على اتفاقية "الجمعة العظيمة"، "لا يمتلك الثقل الكافي، فالاتفاقية هي تفاهم هشّ يشمل العديد من التسويات التي تم التوصّل إليها بصعوبة، ويرغب القليلون بتقويضها"، مضيفاً أنّ "القوميين، وهم من يعرفون عن أنفسهم بأنهم أيرلنديون، يخافون من أن تؤدي إعادة التفاوض إلى فقدانهم للميزات الأساسية وخصوصاً الحقوق التي اكتسبوها. أمّا الاتحاديون، وخصوصاً الاتحادي الديمقراطي، الذي عارض تبنّي اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، فيرحّب بإعادة التفاوض أو التخلّص من الاتفاقية كلياً". وفي مثل هذه الظروف تصعب رؤية أي أحد في الحكومة الأيرلندية أو البريطانية ساعياً لفتح باب التفاوض مجدداً. بل يكمن التركيز على تطبيق الاتفاقية وإعادة تأسيس حكومة فعّالة في أيرلندا الشمالية التي لا تزال من دون مجلسها وحكومتها لأكثر من ثمانية عشر شهراً.

ذات صلة

الصورة

سياسة

أغلق محتجون مؤيّدون للفلسطينيين اليوم السبت طرقاً خارج البرلمان البريطاني في لندن، مطالبين بوقف فوري للحرب على غزة.
الصورة
تظاهرة تضامنية مع فلسطين وغزة في كتالونيا 26/11/2023 (روبرت بونيت/Getty)

سياسة

منذ صباح 7 أكتوبر الماضي بدا الاتّحاد الأوروبي، أو القوى الكبرى والرئيسية فيه، موحدًا في الاصطفاف إلى جانب إسرائيل، ورفض عملية طوفان الأقصى ووصمها بالإرهاب
الصورة

منوعات

يواصل نجوم وفنانون من أنحاء العالم توقيع الالتماسات والدعوات، ويدلون بالتصريحات، ويدوّنون عبر مواقع التواصل، لوقف إطلاق النار
الصورة

سياسة

شارك مئات الآلاف من المحتجين في مسيرة مؤيدة للفلسطينيين في وسط العاصمة البريطانية لندن اليوم السبت للمطالبة بوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وهي الأحدث في سلسلة من المظاهرات المماثلة التي خرجت في مطلع الأسبوع بالمدينة منذ بدء الحرب قبل سبعة أسابي

المساهمون