قضية خاشقجي: الإرباك السعودي يترجم روايات متناقضة

قضية خاشقجي: الإرباك السعودي يترجم روايات متناقضة

22 أكتوبر 2018
الصورة
لا تزال بعض تفاصل الجريمة داخل القنصيلة غامضة(فرانس برس)
+ الخط -
لم تصمد الرواية السعودية بشأن مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي نتيجة "اشتباك" داخل القنصلية أكثر من 24 ساعة بعدما دفعت المواقف الدولية والحقوقية، التي أجمعت على التشكيك بالرواية ووصفها بالسخيفة وغير ذات المصداقية، السعودية، إلى تقديم رواية أخرى على لسان مسؤول حكومي لم يفصح عن اسمه لوكالة "رويترز" تتحدث عن مقتل خاشقجي خنقاً، وتناقض في الكثير من تفاصيلها الرواية الأولى، ما يعكس حجم الإرباك السعودي في محاولة إخفاء كامل تفاصيل الجريمة. وفيما لم يعد مستبعداً أن تقدم الرياض رواية ثالثة ورابعة وربما خامسة، في إطار محاولاتها التضليل وتعطيل الوصول إلى جثمان خاشقجي من جهة، وحماية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من جهة ثانية عبر الادعاء المتكرر أن لا علاقة له بالجريمة على الرغم من الصلات الواضحة التي تربطه بعدد من أعضاء فريق الاغتيال، يبدو أن الثلاثاء سيكون حاسماً بالنسبة للقضية، بعد إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أمس الأحد، أنه سيتم غداً الكشف عن الحقيقة الكاملة بشأن قضية خاشقجي، مضيفاً "سأشرح لماذا جاء 15 شخصا إلى إسطنبول وتم اعتقال 18 في الرياض".



ويعول المتابعون لقضية خاشقجي على تركيا لدحض الروايات السعودية التي تتوالى نظراً لما تمتلكه من أدلة حاسمة فضلاً عن الدعم الدولي والحقوقي الذي تلقته منذ بداية تكشّف تفاصيل الجريمة، بما في ذلك البيان الفرنسي الألماني البريطاني المشترك الذي صدر أمس، وأكد أن فرضيات التحقيق السعودي بحاجة إلى حقائق تدعمها لتكون مقنعة.
وتعوض المواقف الدولية التي تتوالى رداً على محاولات التضليل السعودية جزءاً كبيراً من تردد إدارة دونالد ترامب في اتخاذ موقف حاسم من القضية وهو ما تصدى له أيضاً نواب الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بما في ذلك رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، السيناتور الجمهوري بوب كوركر، الذي قال إنه بحسب التقارير الاستخبارية التي قرأها فإن محمد بن سلمان يقف خلف قتل خاشقجي، مشيراً إلى أنه يجب أن يكون هناك عقاب جماعي.
ووفقا لأحدث نسخة من الرواية السعودية، قال المسؤول الحكومي الذي تحدث لوكالة "رويترز" أمس الأحد، إن الحكومة السعودية أرادت إقناع خاشقجي، "بالعودة إلى المملكة كجزء من حملة للحيلولة دون تجنيد أعداء البلاد للمعارضين السعوديين". وأضاف المسؤول إنه من أجل ذلك شكل نائب رئيس الاستخبارات العامة أحمد عسيري، الذي أقيل من منصبه فجر السبت، فريقاً من 15 فرداً من الاستخبارات والأمن للذهاب إلى إسطنبول ومقابلة خاشقجي في القنصلية ومحاولة إقناعه بالعودة. وقال المسؤول إن هناك أمراً دائماً بالتفاوض على عودة المعارضين بطريقة سلمية، مضيفا أن "أمر العمليات يمنحهم سلطة التصرف من دون الرجوع للقيادة". وأضاف أن "عسيري كوّن الفريق" وأن المستشار في الديوان الملكي سعود "القحطاني شارك في إعداد العملية". وتابع أن القحطاني وافق على أن يدير أحد موظفيه المفاوضات.
وقال المسؤول إنه وفقا للخطة كان سيحتجز الفريق خاشقجي في مكان آمن خارج إسطنبول لبعض الوقت ثم يفرج عنه إذا رفض في نهاية الأمر العودة للسعودية. وأضاف أن الأمور ساءت من البداية، إذ إن الفريق تجاوز التعليمات ولجأ سريعاً للعنف. ووفقاً لرواية المصدر تم توجيه خاشقجي لمكتب القنصل العام في إسطنبول محمد العتيبي، حيث تحدث معه ماهر مطرب، وهو أحد أعضاء الفريق السعودي الذي شارك في الجريمة وتظهره العديد من الصور برفقة بن سلمان، عن العودة للسعودية. وقال المسؤول إن خاشقجي رفض وأبلغ مطرب أن شخصاً ما ينتظره بالخارج وسيتصل بالسلطات التركية إذا لم يظهر خلال ساعة. ووفقاً لرواية المسؤول، قال خاشقجي لمطرب "هذا الأمر مخالف للأعراف الدبلوماسية والأنظمة الدولية. ماذا ستفعلون بي هل لديكم نية لخطفي؟". وردّ مطرب "نعم سنخدرك وسنقوم باختطافك"، وهو ما وصفه المسؤول بمحاولة تخويف تخالف هدف المهمة. وقال المسؤول إنه "نتيجة إصرار جمال على رفع صوته وإصراره على مغادرة المكتب حاولوا تهدئته، لكنّ الأمر تحوّل إلى عراك بينهم... ما اضطرهم لتقييد حركته وكتم نفسه". وأضاف "حاولوا أن يسكتوه لكنه مات. لم تكن هناك نية لقتله".



وفيما يؤكد مسؤولون أتراك أنهم يمتلكون تسجيلات تثبت تقطيع جثة خاشقجي، قال المسؤول إنه لتغطية الجريمة لف الفريق جثة خاشقجي في سجادة وأخرجوها في سيارة تابعة للقنصلية وسلّموها إلى "متعاون محلي" للتخلص منها. وفيما أفاد بأن طبيب التشريح صلاح الطبيقي حاول إزالة أي أثر للحادث، أشار إلى أنه في الوقت ذاته ارتدى أحد أفراد الفريق ويدعى مصطفى المدني ملابس خاشقجي ونظارته وساعته الأبل وغادر من الباب الخلفي للقنصلية في محاولة لإظهار أن خاشقجي خرج من المبنى. وقال المسؤول إن الفريق كتب بعد ذلك تقريراً مزوراً لرؤسائه، قائلاً إنه سمح لخاشقجي بالمغادرة. وردّاً على سؤال عن تعذيب خاشقجي وقطع رأسه قال المسؤول إن النتائج الأولية للتحقيق لا تشير إلى ذلك، ما يعني ترك الباب مفتوحاً أمام تراجع جديد وتقديم رواية ثالثة.
لكن هذه الرواية الثانية، كما الأولى، لم تقنع أحداً. وفشلت في تقديم تفسيرات حول عدد من التساؤلات بما في ذلك الصلات بين ولي العهد السعودي، وعلى الأقل أربعة من فريق الاغتيال ممن يعدون ضمن فريق أمن ولي العهد السعودي. كما لم يقدم السعوديون أي تفسير حول سبب إرسال طبيب متخصص في عمليات التشريح للمشاركة في "مهمة خطف" بدلاً من إرسال طبيب متخصص في علاج المرضى أو طبيب متخصص في الأدلة الجنائية والطب الشرعي، في ما لو كان الادعاء السعودي بأن مهمته كانت إخفاء الأدلة بما في ذلك البصمات.
وفي السياق نفسه، نقلت قناة الجزيرة عن مصدر في مكتب المدعي العام التركي قوله بعد الرواية السعودية الثانية إنه تتوفر "أدلة على أن ما جرى في القنصلية خطط له مسبقا"، مشيراً إلى أن فريق البحث الجنائي توصل إلى أدلة تدعم وبشكل كامل تصور المدعي العام للجريمة. فيما أكد أن السعودية سلمت تركيا إفادات المتهمين الخمسة عشر بجريمة القنصلية، لفت إلى أنه لم يطلب من السعودية، حتى الآن، جلب المتهمين. وشدد على أن تركيا ستقدم كل الأدلة والتحقيقات للرأي العام في الوقت المناسب، لافتاً إلى أنه تم حتى الآن استجواب 25 شخصا من موظفي القنصلية السعودية في إسطنبول.
كما أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، أمس الأحد، بأنّ مستشار العاهل السعودي، أمير منطقة مكة، خالد الفيصل، الذي زار تركيا بعد أيام على تكشف الجريمة، استمع إلى تسجيل صوتي يدحض الرواية السعودية التي تشير إلى أنّ خاشقجي قتل إثر "شجار"، ويكشف حقيقة تعرض الصحافي للقتل، ومن ثم التقطيع. واستندت الصحيفة الأميركية في معلوماتها على تصريحات اثنين تقول إنهم ينتمون إلى العائلة المالكة في السعودية (لم تكشف عن هويتهما). وقال أحد المصدرين لـ"وول ستريت": "التسجيل الصوتي لا يحمل هذا الهراء حول اندلاع شجار".

دلالات

المساهمون