قرصنة عائدات الضرائب الفلسطينية: هل تحل السلطة نفسها؟

قرصنة عائدات الضرائب الفلسطينية: هل تحل السلطة نفسها؟

21 فبراير 2019
الصورة
عباس يؤكد عدم تسلم أموال المقاصة منقوصةً (فرانس برس)
+ الخط -
لم ينتظر الرئيس الفلسطيني محمود عباس عقد اجتماع اللجنة العليا المكلفة بمتابعة تنفيذ قرارات المجلس المركزي عصر أمس الأربعاء، لإعلان موقفه رداً على القرار الإسرائيلي بقرصنة نحو 138 مليون دولار من عائدات الضرائب لأنها تُدفع لأهالي الشهداء والأسرى والجرحى، فكشف عن قراره أمام وفد من الكونغرس الأميركي مساء الثلاثاء، أنه "يرفض استلام كل المقاصة"(عائدات الضرائب التي تجنيها إسرائيل نيابةً عن السلطة)، لتخوض السلطة الفلسطينية فصلاً آخر من المعركة المالية ضدها، والتي بدأتها الإدارة الأميركية العام الماضي.
وعاد الرئيس الفلسطيني أمس، وجدّد لدى ترؤسه اجتماع اللجنة المكلفة بمتابعة تنفيذ قرارات المجلس المركزي، رفض وإدانة القرار الإسرائيلي الظالم بقرصنة أموال المقاصة، مؤكداً "أننا لن نستلم الأموال منقوصة قرشاً واحداً، ولن نقبل بذلك إطلاقا". وأكد عباس أن "قرار حكومة الاحتلال، قرصنة أموالنا، تحت ذريعة أنها تدفع لعائلات الشهداء والأسرى، هو إجراء احتلاليّ يأتي في سياق تشديد الحصار علينا بهدف تمرير (صفقة العار)"، في إشارة إلى "صفقة القرن"، مشدداً على أنّ "القرار الإسرائيلي هو مسمار في نعش اتفاق باريس (الاقتصادي الذي وقع عام 1994 ويحكم العلاقات الاقتصادية بين الجانبين)، وتنصّل واضح من كل الاتفاقات الموقعة، ويعني أن إسرائيل تستبيح كل الاتفاقات الموقعة بيننا، وليس اتفاق باريس فقط".
ويخشى اقتصاديون وسياسيون من أن يكون قرار الرئيس الفلسطيني، وتصريحه: "لا نريدها، لا نريد المقاصة كلها، خليها عندهم"، والذي يأتي في إطار التهديد والغضب غير المعتاد من قبل عباس، قد أتيا بغياب الاستعداد والجاهزية السياسية والاقتصادية التي تسمح للسلطة بالتغلّب على تبعاته المقبلة. ويرى هؤلاء أن قرار عباس ربما كان متسرعاً في ظلّ انقسام فلسطيني يتزايد، إذ تجلّى أخيراً في لقاء موسكو قبل أيام، حيث خرجت الفصائل منقسمة على نفسها بعد رفض كل من حركة "حماس" و"الجهاد الإسلامي" و"الجبهة الشعبية"، و"القيادة العامة" التوقيع على البيان الختامي، ما جعل عباس يقرر مقاطعة أي اجتماع تشارك فيه "الجهاد الإسلامي"، وذلك بعد شهور من مقاطعة أي لقاء مع "حماس".
كما أنّ هذا القرار يأتي في ظلّ مشاورات لم تنته بعد، ومن الواضح تعثرها بشأن تشكيل حكومة فصائلية سياسية بعد إقالة حكومة الوفاق الوطني التي كان يرأسها رامي الحمدلله، وتحويلها إلى حكومة تسيير أعمال منذ نحو ثلاثة أسابيع. هذا فضلاً عن العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية الأميركية المستمرة على السلطة الفلسطينية، وهو ما دفع عباس للقول أمام وفد الكونغرس مساء أول من أمس الثلاثاء: "أميركا قطعت عنا الهواء، عندما ترفض الاعتراف بالشرعية الدولية، وتنهي كل المساعدات التي كانت تقدمها لنا وهي 880 مليون دولار، تم قطعها جميعها بما فيها المقدمة للمستشفيات، وعندما يعتبرنا الكونغرس إرهابيين".

وفي السياق، يقول مصدر رفيع في حركة "فتح" لـ"العربي الجديد"، إنّ "قرار الرئيس الرافض لتسلّم جميع عائدات الضرائب (المقاصة) يأتي من نقاط عدة؛ أولاً، إنه يعلم أنّ تسلّم أموال المقاصة منقوصة يعني موافقته على الاقتطاع؛ وثانياً، إنّ هذا الابتزاز المالي سيتكرّر لاحقاً أكثر من مرة، والأهم أنّ الرئيس عباس ما زال يمسك بورقة التنسيق الأمني مع إسرائيل والتي لم تتوقف يوماً، وهو الأمر الذي تأخذه مؤسسة الاحتلال الأمنية في الاعتبار، وتضعه على رأس توصياتها للمستوى السياسي في دولة الاحتلال". ويتابع المصدر: "ستكون نهاية أي رئيس فلسطيني بوقف مخصصات عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، وعباس لن يقع في هذه المصيدة، لذلك يؤكد مراراً وتكراراً: إذا لم يكن لدى السلطة أي قرش غير هذه الأموال فسأدفعها لهذه العائلات".
ولعل أسوأ ما في قرار حكومة الاحتلال قرصنة عائدات الضرائب هو ضرب الروح الوطنية الفلسطينية، إذ يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية، عادل شديد، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ "الأمر البالغ الخطورة هو أنّ قانون اقتطاع أموال الشعب الفلسطيني المخصصة لذوي الشهداء والأسرى، تضمّن تحويل تلك المبالغ لتعويض من سمّاهم الاحتلال بضحايا الإرهاب الفلسطيني، من عملاء فلسطينيين هربوا إلى الأراضي المحتلة، أو عائلات يهودية قُتل أو أُصيب أحد أفرادها بعمليات المقاومة الفلسطينية، اعتقاداً من إسرائيل أنّ هذا قد يؤدي لضرب المعنويات الفلسطينية عبر تحويل الأموال للعملاء واليهود، وتجويع خيرة الشعب الفلسطيني الذين ضحوا من أجل حرية وكرامة شعبه".
من جهته، يعتبر الخبير الاقتصادي، نصر عبد الكريم، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ قرار عباس برفض تسلم أموال عائدات الضرائب، "يجب أن يأتي في إطار شمولي أكبر، يبدأ بترتيب البيت الداخلي، وتوحيد الشعب خلف حكومة جديدة تنال ثقة الناس، وخلق قيادة لها رؤية وموقف من الكيان الإسرائيلي، فعندما تتخذ هذه القيادة قرار المواجهة السياسية، والشارع يشعر بأنّ هذه المواجهة سيكون لها مردود جيّد على المدى الطويل، حينئذ سيحتمل (الشارع) دفع أثمان اقتصادية، كما جرى في عامي 2002 و2003، وكما يحدث الآن في قطاع غزة. ولذلك هذا ممكن، لكن شرط أن يكون القرار في إطار شمولي".
ويتابع عبد الكريم: "أتمنى أن يكون هذا القرار استراتيجياً، لكن إذا جاء ليزيد من صعوبة حياة الفلسطينيين، مع بقاء العلاقات الأخرى على حالها، وفقط أن يكون شغلنا الشاغل هو محاولة إيجاد تسوية مع حكومة الاحتلال بشروط أفضل للفلسطينيين مع بقاء الإطار العام كما هو، فإنني أخشى أن هذا يُرّحل أزمة ولا يحلها، لأن إسرائيل تدرك أن لديها أوراق قوة تستطيع أن تضغط من خلالها على السلطة، وتلجأ لهذه الأوراق متى أرادت".
وبحسب الخبير الاقتصادي، "تبلغ قيمة عائدات الضرائب تقريباً من 220 إلى 250 مليون دولار شهرياً، وتبلغ قيمتها السنوية نحو 3 مليارات دولار، تشكل 70 في المائة من الإيرادات الكلية للسلطة الفلسطينية، أي بواقع ثلثي الإيرادات، أما الباقي فيأتي من جباية فلسطينية محلية للضرائب والرسوم". ويوضح: "إذا أضفنا للجباية الفلسطينية المساعدات العربية والدولية بنحو 600 إلى 700 مليون دولار كما حصل في العام الماضي، ففي هذه الحالة نحن نتحدث عن أن ما بقي متاحاً للسلطة هو مليار و700 مليون دولار سنوياً، أي 170 مليون دولار شهرياً، وهذا مبلغ ربما يكفي لدفع فاتورة الرواتب، لكن بدون نفقات أخرى؛ ما يعني أن السلطة لن تستطيع الإيفاء بالتزاماتها نحو القطاع الخاص الذي تشتري منه خدمات وسلعاً، إلى جانب التزامات ونفقات أخرى، سيتأثر بها هذا القطاع بحيث تصبح الأزمة متدحرجة ومركبة".
من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، في حديث مع "العربي الجديد"، إنّ "مثل هذا القرار على أهميته، يجب أن يكون مدروساً وجزءاً من استراتيجية متكاملة. فمثلاً إذا كان التوجه لحلّ السلطة أو إعادة النظر بوظائفها والتزاماتها وموازنتها، واعتماد مقاربة جديدة، فيمكن أن يكون مفهوماً، أما إذا كان مجرّد ردة فعل غاضبة لا توجد رؤية شاملة وراءها، ولا حساب لما يمكن أن يحدث بعدها، ولا كيف سيتم التصرف معها، فهذا شيء خطير". ويتابع: "وإذا كان قرار الرئيس عباس ناجماً عن تقدير بأنّ إسرائيل لن تسمح بانهيار السلطة لأنها تساهم بنجاح في توفير الأمن للاحتلال، فهذا تقدير قد يصيب وقد يخطئ، فهناك خطط في إسرائيل تريد تغيير السلطة أو إقامة عدة سلطات بدلاً منها، لأنها لا تسير في ركب صفقة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب".
ويخلص المصري إلى القول: "الأفضل توفير مستلزمات المواجهة المفروضة على الفلسطينيين، وعلى رأسها الوحدة، بالترافق مع رفض القرصنة الإسرائيلية بكل الأشكال الممكنة، ووضع خطة ولو متدرجة لتنفيذ قرارات المجلس الوطني في ما يخص إعادة النظر في العلاقات مع الاحتلال ووقف الالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية المترتبة على اتفاق أوسلو البغيض".

المساهمون