قراءة نوري الجرّاح: حدائق دمشقية بقناع إنكليزي

23 يوليو 2019
الصورة
(نوري الجراح)
+ الخط -

تحت عنوان "ماذا يحدث في حدائق هاملت؟" (منشورات المتوسّط، 2019)، يُقدّم الشاعر والناقد المغربي عبد القادر الجموسي قراءة أسلوبية في مجموعة شعرية اختار لها صاحبها الشاعر السوري نوري الجرّاح عنوان "حدائق هاملت" (2002). ويبدو أن اسم هاملت بطلِ مسرحية شكسبير الشهيرة أوحى للناقد، كما أوحى لخلدون الشمعة الذي قدّم لكتابه الصادر حديثاً، أنَّ ما بين أيديهما هو "قصيدة" واحدة، على الرغم من قول الشاعر إنها مجموعة قصائد مكتوبة بين عامَي 1986 و1997.

وحتى حين اكتشف الناقد بألمعية تعدُّد النصوص التي تداخلت معها قصائد المجموعة، بين نصوص أسطورية وشعرية وقصص ملحمية، بالإضافة إلى نص شكسبير المسرحي الذي لم يكن الوحيد في إثراء قصائد هذه المجموعة، ظلّ يتحدّث عن "نص" واحد.

لا يقلّل هذا بالطبع من قيمة هذه القراءة، إلّا أنه يُضيّع على القارئ فرصة التعرُّف على تجارب شعرية، وليس تجربة واحدة، لم تكن استدراجاً لنص شكسبير إلى مدارات الكتابة الشعرية المعاصرة فقط، بل استدراجاً لنصوص متنوّعة، على رأسها مسرحية هاملت بالطبع. فالتركيز على أن ها هنا قصيدة "تشتغل" على مسرحية هاملت في الجزء الأعظم من القراءة، صرَف الانتباه عن تجربة شخصية بدأت ملامحها منذ القصيدة الأولى، قصيدة "تفّاح المطر" التي يخاطب فيها الشاعر طفله بعد تجربة فقدان تُلقي بظلالها المأساوية على سطور هذه القصيدة.

تبدأ الدراسة بهذا النوع من الأسئلة: ما الذي يصنعه شاعرٌ في "حدائق هاملت" إزاء النص المركزي؟ كيف يتفاعل مع أحداثه ودلالاته؟ ثم كيف يستثمر إشاراته وعناصره الحيوية المستشفَّة من أسئلته المتجدّدة عن الموت والخيانة والجرح الوجودي للكائن؟ ثم تحاول اقتفاء أثر هذه الأسئلة والتماس عناصر إضاءة لها عبر قراءة أسلوبية للنص الشعري العربي وحواره مع جماليات النص الآخر.

ويتولّى القارئ وهو يرافق هذه القراءة شعورٌ بأن الشاعر يقيم "تناصّاً" مع مسرحية هاملت بقصيدة واحدة متعدّدة المداخل، رحلة يغمرها الإيحاء بحضور نص مسرحية شكسبير، ويظلّ هذا الشعور ماثلاً حتى حين تنعطف بعض قصائد المجموعة وتُحدث تناصاً مع قصائد أخرى وأساطير، وليس مسرحيات هذه المرة. مثال ذلك إلقاء ظلال بعض من قصائد الشاعر الإنكليزي ت. س. إليوت؛ قصائد "أغنية العاشق بروفروك" و"الأرض الخراب" و"الرجال الجوف"، على جولاته في لندن التي قدم إليها في ثمانينيات القرن الماضي.

ومثال ذلك ظلال أسطورة أورفيوس ويوريدسي، وقل مثل ذلك عن ظلال رحلات يوليسس البحرية.. إلخ. ولأن لكلّ ظل من هذه الظلال حكايته وشخصيته المتميّزة، سيبدو غريباً بعض الشيء أن يحاول الناقد قراءة كل هذه الظلال على أنها ممّا يلقيه نص شكسبير أو يوحي به أو أنها تتشابك معه.

هل كان التقمُّص لنص أو لشخص، أو التناص كما شاع القول، أو القناع كما يُقال أحياناً، هو غاية الشعر والشاعر كما تقول لنا هذه القراءة؟ أم أن الأمر عبارة عن تجارب شخصية تبحث عن معادلات لها تحوّلها إلى تجارب تتخطّى الفردي إلى الجماعي الإنساني، كما سيكتشف الناقد متأخّراً بعد أن استهلك ثلاثة أرباع دراسته في ملاحقة شبح قصيدة تقيم حواراً مع مسرحية واحدة؟

في الصفحات الأخيرة فقط يحيلنا الناقد إلى كلمة إهداء هذه القصائد؛ إلى "رامي"، ابن الشاعر الطفل في تلك السنوات، ويعتبر أن هذه قراءة ثانية "تقودنا إلى استكشاف طبيعة العلاقة بين الأب/ المرسل والابن/ المرسَل إليه، من أجل تبيان فحوى الرسالة في تُعامل مع القصيدة كرسالة شعرية... قراءة تدفع في اتجاه توسيع دائرة الانتباه ليشمل نصوصاً عديدة متوزّعة على فضاء القصيدة". أمّا القراءة الأولى فهي قراءة ركّز فيها، كما يقول، "على علاقة هاملت/ أوفيليا كقناعين يجسّدان ثنائية العاشق والحبيبة.. تَعرّفنا من خلالهما على الموضوعة الرئيسية المتمثّلة في موضوعة الحب العاثر أو المستحيل".

وكأنه يقف أمام نص "واحد" ذي وجوه متعدّدة، وكل هذا بسبب إيحاء خطأ مصدره العنوان العام الذي اختاره الشاعر لهذه المجموعة من القصائد متنوّعة الأجواء والوجوه والمرجعيات النصية، فأخذ الناقد بهذا الإيحاء وركّز بؤرة قراءته على حكاية هاملت وأوفيليا، من دون إشارة حتى إلى أن اسم هذه الشخصية المسرحية التي لم يرد إلّا في عنوان إحدى القصائد هو اسم مستعار أو قناع لشخصية امرأة أخرى واقعية تسير على قدمين على مسرح الحياة. وحتى حين تبيّن له أن الشاعر منح أوفيليا ملامح غير ملامحها في المسرحية، بل وعلى النقيض منها تماماً، أرجع الأمر إلى مسألة أسلوبية، وليس إلى أن استخدام ظلّ أوفيليا لم يكن مناسباً ليُلقَى على قامة شخصية مختلفة تعرّضت علاقة الشاعر بها إلى غير ما تعرّضت له علاقة هاملت بأوفيليا.

هل تقمُّص الشاعر لشخصية في مسرحية مثل شخصية هاملت، أو ما يُسمّى "التناص" كان تقمُّصاً أيضاً لنص المسرحية؟ لا تشير قصائد هذه المجموعة إلى تقمُّصٍ نصي حتى مع وجود "إلماعات" أو تلميحات، كما هي تسمية الناقد خلدون الشمعة في مقدّمته لطريقة الشاعر في التعامل مع نص شكسبير.

صحيح أن هناك فيضا يكاد يكون طامياً من التلميحات في قصائد هذه المجموعة، إلّا أن حشره في جلباب شكسبير لم يكن كاشفاً بقدر ما كان مانعاً من اكتشاف الثراء الثقافي الكامن وراء تجربة نوري الجرّاح التي لم يكن هاملت إلّا واحداً ممن تقمّصت في تجوالها في عوالم الشعر والأساطير والملاحم القديمة، وخاصة في هذه المجموعة.

المساهمون