قراءة بتلويح "حماس" بإحداث فراغ سلطوي في غزة

قراءة بتلويح "حماس" بإحداث فراغ سلطوي في غزة

14 اغسطس 2017
الصورة
إسرائيل ستواصل النظر لـ"حماس" كطرف للضغط عليه(محمود حمص/فرانس برس)
+ الخط -
يرى مراقبون أن الأنباء المسربة التي تحدثت عن تقديم "كتائب القسام"، الجناح العسكري لحركة "حماس"، توصية لقيادتها السياسية بإحداث فراغ سلطوي في قطاع غزة وانسحاب الحركة من إدارة حكم القطاع، هدفت إلى توجيه رسائل مفادها بأن الحركة لن تتردد في قلب الطاولة والدفع نحو الفوضى في حال تواصلت مظاهر الحصار على غزة، الذي يوشك على شل مرافق الحياة في القطاع. وجاء نفي أحد المتحدثين باسم "حماس" لهذه الأنباء، بعد أكثر من 20 ساعة على تعميمها، وبعد أن بادرت فضائية "الأقصى" المتحدثة باسم الحركة بمناقشة أبعادها، في سلوك فُسر على أن الحركة كانت معنية بإثارة الجدل حوله.

ونظراً لأن التسريب قد تزامن مع بدء السلطات الإسرائيلية بناء العوائق المادية على طول الحدود مع القطاع بهدف تدمير الأنفاق، التي تشتبه تل أبيب بأن "حماس" تواصل حفرها، فإن التهديد بإحداث فراغ سلطوي وتمكين الفصائل الفلسطينية من العمل بحرية ضد إسرائيل، هدف إلى تحذير الأخيرة من أن "حماس" لن تسمح بأن يتم تحييد الأنفاق القتالية، التي ثبت حتى الآن أنها من أهم المركّبات في منظومتها الهجومية والدفاعية، ولو بثمن المخاطرة بفتح مواجهة عسكرية جديدة.

كذلك حمل التسريب رسالة واضحة لقيادة السلطة الفلسطينية التي تواصل فرض العقوبات على القطاع، بحجة رفض "حماس" حل اللجنة التي شكّلتها لإدارة غزة، مفادها بأن الحركة لن تتردد في تعويم الواقع السياسي في قطاع غزة بشكل لا يسمح بتحقيق رهانات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على العقوبات التي يفرضها.
إلى جانب ذلك، يدل التسريب بشكل واضح على عدم ثقة "حماس" بإمكانية تحقيق الرهانات على التفاهمات التي توصلت إليها مع القيادي المفصول من حركة "فتح" محمد دحلان. فهناك خشية أن تتم مقايضة رفع الحصار ومشاريع إعادة الإعمار التي يعد بها دحلان، والتي يفترض أن يمولها المحور الإقليمي المرتبط به، بتعهّد الحركة بالتخلي عن سلاحها. وبالفعل، طالبت أوساط تقدير استراتيجي في تل أبيب بأن تشترط الدول الخليجية الداعمة لدحلان، لا سيما الإمارات، تمويلها مشاريع إعادة الإعمار بالتزام "حماس" بوقف أنشطتها الهادفة لتعزيز قوتها العسكرية.


وبغض النظر عن دوافع هذا التسريب، فإن إحداث الفراغ السلطوي ينطوي على مخاطر كبيرة في هذا الوقت تحديداً. فإعلان حركة "حماس" تخليها عن إدارة حكم القطاع لن يعفيها من تبعات أي عمليات تنفذها الفصائل الفلسطينية الأخرى. فإسرائيل ستواصل النظر إلى حركة "حماس" كالعنوان الذي يتوجب ممارسة الضغوط عليه للجم الفصائل الأخرى، وذلك من خلال مواصلة ضرب أهداف الحركة العسكرية. ومما يزيد الأمور تعقيداً، حقيقة أن اضطراب الأوضاع السياسية الداخلية في إسرائيل والتوصية بتقديم لوائح اتهام ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في قضايا فساد، ستجعله أكثر حماساً لتبنّي خط متشدد في الرد على أية عمليات عسكرية مصدرها القطاع.

وإذا شاركت "حماس" في الجهد الحربي، فإن هذا يعني فتح مواجهة شاملة على غرار تلك التي حدثت في صيف 2014، لكن في ظروف أكثر صعوبة بالنسبة للمقاومة، على اعتبار أن الظروف الإقليمية والعالمية ستتيح لإسرائيل هامش مناورة أكبر في استنفاد أهداف عملياتها العسكرية في القطاع. في الوقت ذاته، فإن عودة دحلان للمشهد السياسي الفلسطيني وتحديداً في قطاع غزة، قد تسهل على إسرائيل اتخاذ قرار بإسقاط حكم "حماس" بشكل نهائي في القطاع، على اعتبار أن ثمة بديلاً يمكن أن يملأ الفراغ ويمنع حالة الفوضى التي خشيت إسرائيل من تعرضها لتبعاتها في حال تم إسقاط حكم "حماس" من دون وجود بديل. وحتى لو تبيّن لإسرائيل أن دحلان ليس جاهزاً بعد لتولي إدارة شؤون القطاع، فإن الحرب المقبلة ستنتهي إلى النتائج نفسها التي انتهت إليها حرب 2014، مع فارق مهم، وهو، وبخلاف سلوك قطر في أعقاب الحرب الأخيرة، فلن يكون هناك أطراف إقليمية مستعدة لتمويل إعادة إعمار القطاع من دون ثمن سياسي وعسكري تدفعه حركة "حماس".

المساهمون