فيروس كورونا: إنها الحرب

29 فبراير 2020
الصورة
+ الخط -
ربما قد تكون هذه المرّة الأولى في التاريخ التي يشعر فيها جميع سكان كوكب الأرض بالارتباط بمصير مشترك، في قضية فيروس كورونا. الجميع معرّض له، والجميع يهدف إلى الوقاية منه، والجميع يسعى إلى ابتكار علاج يوقف تمدّده وانتشاره السريع. في تلك الكثافة الإعلامية والمعلوماتية والمعرفية، تخطت البشرية في لاوعيها محدودية انتشار أوبئةٍ، مثل الطاعون والإنفلونزا الإسبانية والجدري والسلّ والحمّى الصفراء والكوليرا وإيبولا، وتخطّت اعتبار أن كل وباء منها كان في منطقة محدّدة وزمن محدّد وغير منتشر في كل أرجاء الكوكب، بالتالي البشرية مقتنعة الآن بأن الفيروس يهدّد مصير الجميع. "كورونا" تخطى ذلك كله. همّ الفيروس مشترك بين فنلندي يسكن في ضواحي هلسنكي وتنزاني يجوب الغابات الأفريقية، ومواطن من بوتان في طريقه إلى معبد ديني. لم تعد القواسم المشتركة بين هؤلاء مقتصرةً على البديهيات (الطعام، الماء، النوم)، بل على كيفية الانتهاء من مأزق "كورونا".
انتشار الفيروس وعدم قدرة الدول على كبح جماحه أظهرا الكثير. إنسانياً، بدا أن العالم غير مستعد لانتشار وباء ما، على الرغم من التحذيرات الطبية سابقاً، بل عمدت معظم الدول إلى التركيز على أمور أخرى، مثل التسلّح والتمدّد العسكري، لأن تمويل العنف أكثر أمناً بالنسبة لهذه الدول من تمويل السلم. إنها ثقافة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ــ 1945) التي تدفع جميع الدول، خصوصاً الكبرى منها، إلى إبداء خشية بعضها من بعض، إلى درجة تجاهل كل النداءات الإنسانية، والاكتفاء بتجنيد البشر عسكرياً.
تكفي، مثلاً، متابعة أوضاع الصين والولايات المتحدة وفرنسا. بكين التي بدأت خططها الخمسية التنموية منذ أواخر السبعينات باتت عاجزة عن عرقلة الفيروس، علماً أن الجيش الصيني قدّم أكبر وأقوى عرض عسكري في تاريخه في سبتمبر/ أيلول الماضي بمناسبة الذكرى الـ70 لانتصار الثورة الشيوعية. واشنطن أفادت بعدم وجود كمامات كافية للشعب الأميركي، بينما نجحت في عام 2017 في تجربة قنبلة أُطلق عليها اسم "قنبلة الذخائر المكثفة الانفجارية بالهواء"، أو "أم القنابل" التي تزن 11 طناً، في أفغانستان. في باريس، المشغولة بتعزيز وجودها العسكري في الساحل الأفريقي، انتقد أحد الأطباء الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وجهاً لوجه، بسبب نقص التمويل والطواقم الطبية في المستشفيات.
ثقافة "محاربة الأمراض"، وبالتالي حماية الإنسان، غير منتشرة بشكل كافٍ في المنتديات الأممية. لذلك، تتزايد طوابير اللاجئين بسبب الحروب والمجاعة والتغيّر المناخي ونقص المياه. ولذلك، تتجاهل مختلف الدول حقيقة أن ترك الأمور على حالها لا يؤدي إلى كارثة إنسانية فحسب، بل إلى حرب عالمية ثالثة، مختلفة الشكل والمضمون، وفي أسوأ حالاتها ستُفضي إلى انقراض الجنس البشري.
في الجانب "الإيجابي"، يسمح التركيز الإعلامي على انتشار "كورونا" ببروز أدوار جديدة لأشخاصٍ يهمهم حقاً إنقاذ البشرية، على الرغم من أن دولاً عدة ستسعى إلى لعب دور "البطل" الذي حمى الكوكب من الموت المحتّم. بالطبع، الرئيس الأميركي دونالد ترامب والولايات المتحدة في مقدمة هؤلاء.
أدى إغراق الباخرة لوزيتانيا، في عام 1915، إلى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى (1914 ــ 1918) إلى جانب الحلفاء ضد ألمانيا. وفي عام 1941، أدّى الهجوم الياباني على بيرل هاربر إلى أمر مماثل، ودخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء ضد المحور. في الحربين، انتصر الطرف الذي يدعمه الأميركي. وفي الحالتين، تمّ إرساء منظومةٍ عالميةٍ أساسها واشنطن. قد يكون من المبالغ فيه حالياً اعتبار أن "عملية إنقاذ أميركية" قد تُنجد الكوكب من "كورونا"، وبالتالي تكريس نهجٍ أممي جديد بزعامة واشنطن، لكنه قد يصبح أمراً واقعاً في الأسابيع والأشهر المقبلة، إذا استمرّ تمدد الفيروس وانتشاره بين البشر، وحتى تطوّره، من دون عوائق. وحتى ذلك الحين، ما على البشرية سوى القيام بواجبها الدفاعي، لناحية الوقاية من الفيروس، والالتزام بالشروط الطبية لذلك.