فوضى السياسة الأميركية في سورية

17 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
مع دخول الحرب في سورية مرحلة متقدّمة جدا من الصراع العسكري بين أطراف محلية وإقليمية ودولية مختلفة، تصبح الحقيقة الوحيدة أنه، بقدر ثقلك العسكري على الأرض، تكون قوتك التفاوضية على الطاولة. ولذلك، بدون وجود للقوات الأميركية على الأرض، لن تكون لدى الولايات المتحدة أي قدرة على تحقيق أهدافها في سورية، وفي مقدمتها صد المليشيات الإيرانية المتمركزة في الأراضي السورية، كما كرّر وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أكثر من مرة، أن طرد المليشيات الإيرانية هو أحد أهداف السياسة الأميركية في سورية. بكل تأكيد، سوف يستفيد كل من روسيا وإيران من الوضع الراهن الجديد، في ضوء إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، سحب قواته من سورية، وفرض عقوبات على تركيا بسبب العملية العسكرية التركية داخل الأراضي السورية، فروسيا التي يعتقد أنها في حوار دائم مع تركيا، ضمن ما يسمى مسار أستانة الذي لم تحترم نتائجه في ما تسمى مناطق خفض التصعيد، فإن روسيا الآن تهدّد، وبمساعدة قوات الأسد، بعملية عسكرية كبرى في إدلب، ربما تقود إلى أزمة إنسانية كارثية، سيما مع وجود أكثر من مليوني سوري في مناطق شمال شرقي سورية التي كانت تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية، ومناطق أخرى تخضع لسيطرة المعارضة السورية أو القوات التركية في مناطق درع الفرات.
كان على الولايات المتحدة اتخاذ هذا القرار (الانسحاب) ضمن مفاوضاتٍ دبلوماسيةٍ وسياسيةٍ وعسكريةٍ مطولةٍ مع تركيا، وليس فرض عقوبات عليها، وأن تقود إلى بناء استراتيجية كلية
 تضمن تحقيق الأهداف التي تمنع من ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أو التنظيمات المتطرفة الأخرى. والأهم تضمن تحقيق انتقال سياسي بدون بشار الأسد، يمكّن السوريين من العودة إلى بلدهم، والمساهمة في إعادة الإعمار، بدل أن تكون المفاوضات عبر "تويتر" الذي حول هذه المفاوضات إلى عبارات تهديد بين الرئيس ترامب وتركيا.
يمكن القول إن السياسة الأميركية في سورية لا تزال تعيش تخبّطاً لا مثيل له. صحيح أن هذه الأخطاء المتراكمة بدأت مع السنوات الأخيرة لإدارة الرئيس أوباما، ولكن الرئيس ترامب أوصل هذا التخبط إلى حدوده القصوى. ومن الصعب على الولايات المتحدة أن تستعيد مصداقيتها في المنطقة، بعد فقدانها التأثير العسكري والسياسي الضروري، بعد إعلانها الانسحاب الكامل من سورية.
واليوم يدخل صراع القوى في سورية مرحلة جديدة، حيث تخلو الساحة بشكل كامل من الوجود الأميركي، لكن الوجود التركي تعزّز بشكل كبير مع عمليتها العسكرية التي لا نعرف مداها، وما إذا كانت ستستطيع أن تستعيد كل الأراضي التي كانت تسيطر عليها مليشيات قوات الحماية الكردية، وهو ما يعني الانسحاب الأميركي الكامل من كل الأراضي، بما فيها الرقة التي لا تزال فيها قواعد عسكرية. وبسبب الصراع، بل والعقوبات الأميركية على تركيا، بسبب عمليتها العسكرية في سورية، سوف تدفع تركيا دفعا باتجاه روسيا، وهو ما يعني انتصار معسكر نظام الأسد على حساب معسكر المعارضة. وبسبب الانتقادات الشديدة لتركيا، ربما لن تستطيع الوصول إلى منطقة شرق الفرات، وهو ما يعني استفادة نظام الأسد كليا من هذه المناطق.
يمكن القول، إذاً، إن حصيلة الوجود الأميركي في سورية كانت كارثية بكل المعاني. صحيح أنها 
ساعدت السوريين في التخلص من تنظيم داعش الذي أثخن في دماء السوريين، وأشاع فوضى لا مثيل لها فكريا واجتماعيا وسياسيا وعسكريا داخل المجتمع السوري، لكن ترتيبات هذه الحرب ضد "داعش"، وما نتج عنها من تحالفاتٍ أوجد فوضى كبيرة، كان نظام الأسد أكبر المستفيدين منها، وهو اليوم يتقدّم باتجاه الشمال السوري، ليخلف المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات الحماية الكردية، وهو ما يعني أن الحليف القديم عاد إلى حضنه الجديد، بما يعنيه ذلك من تمكّن نظام الأسد من إعادة السيطرة على مناطق كثيرة كان لا يجرؤ على الاقتراب منها، بسبب الوجود الأميركي فيها.
من يتحمّل المسؤولية هو سياسات أوباما التي أصرّت على التحالف مع قوات الحماية الكردية على حساب الجيش السوري الحر، أو القوات المسلحة التركية، وحتى عندما عرضت السعودية في عام 2015 إدخال قوات عربية على سورية، أصرّت الولايات المتحدة على الاعتماد على هذه القوات الكردية التي هي امتداد لحزب العمال الكردستاني في تركيا، والتي ليس لها جذور في الأرض السورية. وفي الوقت نفسه، تريد أن تنقل معركتها مع تركيا إلى داخل الأرض السورية، وهذا ما حصل بالفعل، حيث الصراع العسكري بين قوات الحماية الكردية والقوات التركية على الأرض السورية كان نتيجة حتمية، في ظل الصراع الطويل والمرير الذي يمتد إلى عقود بين القوات التركية وحزب العمال الكردستاني، حيث لا ناقة للسوريين فيه ولا جمل.
باختصار، هذه هي السياسة الأميركية التي لا ترغب بالاستماع إلى المجتمعات التي تعتقد أنها تساعدها كما حصل في العراق من قبل. وبالتالي، تنتهي هذه السياسات كي تصب في مرحلة عداء لهذه المجتمعات، وتنتهي السياسة الأميركية حينها إلى فوضى يكرّرها اليسار الأميركي بالقول إن منطقة الشرق الأوسط في فوضى، من الأفضل عدم الاقتراب منها. ومعلوم أنه لا قدرة لنا على حل مشكلاتنا، بسبب نظام الأسد وغيره، وبالتالي نعود إلى المربع الأول، لا قدرة على نزع شوكنا بأيدينا، وعندما يأتي أحد ما لنزع هذا الشوك، فإنه يزيد غرزه في الجسد بدل شفائه منه.