فض "اشتباك"

04 اغسطس 2016
الصورة
الشرطة طوال الفيلم لم تقتل إلا شابا واحدا! (فيسبوك)
+ الخط -
في مشهد استجداء عاطفي كتب المخرج محمد دياب على صفحته الشخصية على الفيسبوك أن فيلمه الجديد "اشتباك"، والذي نال إعجاب الممثل الأميركي توم هانكس وتم تكريمه في مهرجان كان، يتعرض لمؤامرة من قبل جهاتٍ غير معلومة تريد للفيلم ألا يراه أحد دون منعه.

وقد يدهش القارئ حين يعلم أن الفيلم تمت تغطيته إخباريا من قبل عشرات المواقع الإخبارية والنشرات الفنية كما تم عرضه في 36 صالة عرض منذ اليوم الأول بالإضافة إلى استضافة صناع الفيلم في اثنين من أكثر البرامج مشاهدة في أكبر قناتين فضائيتين مصريتين.


غير أنه ينبغي التشديد هنا على أن الرقابة لم تقم بحذف أي مشهد كما أن المسؤولين في الرقابة احتفوا بالفيلم وصناعه حتى أنهم أخذوا صناع الفيلم بالأحضان وذرفوا الدموع بعد مشاهدتهم الفيلم على حدّ وصف المخرج بل وصل الأمر إلى أن بعض الجهات السيادية العليا قد أبلغت المخرج برغبتهم في تكريمهم.

مما يدفعنا لوضع الكثير من علامات الاستفهام على الطريقة التي تم بها تسويق الفيلم على أنه يقابل بنوعٍ من الاضطهاد والمنع، خصوصًا أن الدولة لن تتوانى في حظر الفيلم إذا أرادت ذلك فلدينا على سبيل المثال مسلسل "أهل إسكندرية" مازال يقابل بالمنع للسنة الثالثة على التوالي.

وكذلك لن يثني الدولة حصول الفيلم على تكريم دولي من منعها إياه. فالدولة لا تعبأ بالرأي العام العالمي مادامت قادرة على رشوته. ويظهر ذلك جليًا في قضية جمعيات حقوق الإنسان الممولة أوروبيا والتي لم تمنع علاقات القائمين عليها بالاتحاد الأوروبي الدولةَ من منعهم من السفر والتحفظ على أموالهم. ولكن ربما من باب أن "الممنوع مرغوب" أحبَّ صناع الفيلم تسويق الفيلم بهذه الطريقة وهو أمر يرجع لهم على كل حال.

صرّح صناع الفيلم في أكثر من مناسبة بأن الفيلم هو محض عمل فني لا يمت للسياسة بصلة. غير أن تصريحًا كهذا يبدو للمزح أقرب منه للجد، فاستخدام حدث تاريخي باستحضار الفاعلين الرئيسيين فيه وبناء عمل درامي على أكتافهم هو توثيق لهذا الحدث التاريخي من وجهة نظر صانعه إلا إذا اعتبرنا أن الأفلام التاريخية ليس لها علاقة بالتاريخ وأن فيلم أيام السادات ليس له علاقة بالسادات وأن فيلم الكرنك ليس له علاقة بفترة جمال عبد الناصر.

فالفيلم يرصد فترة زمنية محددة، بعيد أحداث فض ميدان رابعة العدوية، ويرصد أطراف الصراع والفاعلين الرئيسيين بشكل واضح وصريح ويرسم كيفية تعاطي كل فصيل مع الحدث وفق المنظومة الفكرية التي يتبناها، فهو فيلم أقرب للتأريخ السياسي. وبالتالي لا يمكن عزل الفيلم وأحداثه عن الحقائق التاريخية التي تدور أحداث الفيلم في رحابها.

فالأستاذ محمد دياب الذي شيطن الإخوان المسلمين في فيلمه السابق "الجزيرة2" وألبس الشرطة ثوب البراءة والحنية لم يفوت الفرصة أيضا هذه المرة غير أنه، وأشهد له بذلك، لعب الدور بطريقة أكثر ذكاءً وحرفية. فبدلًا من أن تظهر فصيل على أنه الملاك البريء وتظهر الفصيل الثاني بمظهر الشيطان، كما كانت تفعل مدرسة وحيد حامد، يمكنك ممارسة نوع أفضل من التضليل وهو أن تظهر الجميع بمظهر المخطئ دون أي اعتبار لنسب الأخطاء ولا ثقل هذه الأخطاء، ثم توظف هذه الأخطاء دراميا بحيث يصبح خطأ ما مقبولًا والخطأ الآخر غير مقبول.

يدّعي صناع الفيلم أنهم لم ينحازوا لأي فصيل على حساب الآخر، أو بعبارة سمير فريد التي لاقت إعجاب دياب، انحازوا لعدم الانحياز. لكن هذه النبرة الليبرالية التي تساوي بين القاتل والمقتول ولا تعطي أي اعتبار لعلاقات وخرائط القوة تبدو في غاية التضليل، فمهما حاول أي فصيل سياسي، الإخوان كمثال، ممارسة العنف لا يمكن مقارنته بالعنف الذي تمارسه الدولة، الشرطة والجيش، فليس لهم نفس المنظومة العسكرية وليس لهم نفس المنظومة الإعلامية التي توجه هذا العنف في سياق يجعله مقبول مجتمعيًا وليس لهم نفس الدعم المالي.. إلخ.

كما ادعى أيضًا السيد دياب التجرد وأنهم لم يريدوا أن يتحدثوا بلسان أي فصيل بل تركوا كل فصيل يتحدث عن نفسه. ربما يصح ادّعاء كهذا لو أن الإخوان شاركوا في كتابة السيناريو والحوار أو أنهم قبلوا بالصورة التي رسمها دياب واعتبروها ممثلة عنهم.

في الفيلم..
مع تغييبٍ واضح للجيش والذي كان الفاعل الرئيس في المشهد، يُظهر دياب، كما ذكر مع خيري رمضان، الانقسام في المجتمع المصري على أنه شعب مقابل إخوان، وكأن الإخوان ليسوا جزءا من الشعب لتصبح المعادلة: شعب في مقابل شعب، أو كأن من انحازوا من الشعب المصري للديمقراطية ورفضوا وأد التجربة الديمقراطية الوليدة باستدعاء العسكر مرة أخرى ممن هم خارج الإخوان ليسوا شعبا.

أظهر دياب الشرطة على أنها تتبع الأسلوب الأمثل في فض المظاهرات فكل المظاهرات فضت بخراطيم المياه باستثناء مظاهرة واحدة استخدم فيها الغاز نتيجة استخدام الإخوان الألعاب النارية والأحجار الثقيلة التي تؤدي للقتل.

كما أظهر الضابط بحسه الأخلاقي وشهامته النبيلة حين وعد الفتاة وأباها الشيخ الكبير والطفل الصغير وأسرته التي ساقتهم الصدفة بالخطأ لعربية الترحيلات بإطلاق سراحهم في مشاهد ربما تتوافق مع الشرطة في جزر الكناري لا الشرطة المصرية التي تعتقل الأطفال وتعذبهم.

حتى من قادتهم الصدفة بالخطأ لـ"عربية الترحيلات" وضعوا في سياق مبرر من قبل الشرطة إذ هم من قاموا بإلقاء الحجارة على السيارة حين ظنوا أن من بها هم من الإخوان.

والأكثر فداحة حين تم وضع مشهد القتل الوحيد من قبل الداخلية في سياق يجعلك تتفهم ردة الفعل. فالشرطة طوال الفيلم لم تقتل إلا شابا واحدا اعتلى أحد الأبنية وأطلق الرصاص الحي على الشرطة وقتل العقيد المكلف بمتابعة الأمر مما جعل الشرطة تقتص لقائدها بعد القبض على الشاب وتتركه غارقًا في دمائه ليلقى حتفه.

بينما على الجانب الآخر ظهر الإخوان بمظهر العنصريين الذين يفرقون بين أعضائهم ومن سواهم حتى بين المحب والمنتظم داخل التنظيم. كما يظهر طاعتهم العمياء لقادتهم والتي للمفارقة لم تكن موجودة عند عساكر الأمن المركزي الذين خالف بعضهم أوامر قائدهم انتصارا للشهامة والمروءة. بالإضافة لتحميلهم سبب ما وصلنا إليه بالكلية في المشهد الأخير حين قاد أحد أعضاء التنظيم السيارة إلى الهاوية.

مثل هذا الكلام وأكثر منه يمكن أن أقوله على تنظيم الإخوان المسلمين، وكاتب هذا المقال كما هو معلوم للجميع لا يتفق مع الإخوان لا في أفكار ولا ممارسات ولا تصورات.

لكن هذا الكلام ينبغي أن يذكر بعد عدّة حقائق: أن العسكر قاموا بالانقلاب العسكري، أن كل فصائل المعارضة التي استدعت العسكر قامت بجريمة أكبر من أي جريمة ارتكبها الإخوان، أن الشرطة المصرية قامت بأكبر عملية قتل ممنهج في تاريخ مصر الحديث في أحداث الفض وما تلاها، أن أخطاء الإخوان كانت أخطاء سياسية أم أن أفعال الفصائل الثلاثة سالفة الذكر هي جرائم إنسانية.

أخيرا أودّ الإشارة للسقوط الأخلاقي حين قام صناع الفيلم بدعوة الناس للتصوير داخل "عربية الترحيلات" كنوعٍ من الدعاية والبروباجندا. وعلى الرغم من اعتذار محمد دياب على الفيسبوك إلا أنه جاء كرد فعل لحظي على انزعاج الناس لا عن قناعة شخصية بأنها سقطة أخلاقية بدليل أن نفس الدعوة قام بها الممثل هاني عادل في حضور محمد دياب مع خيري رمضان مساء يوم الاعتذار دون أي تعليق من أي أحد من الحضور كما قامت الصفحة الرسمية للفيلم بدعوة الناس لعيش مغامرة "عربية الترحيلات".

حينما قرأت إعجاب توم هانكس وإشادته بالفيلم تساءلت ماذا لو شاهد هانكس فيلما بديع الإخراج والتصوير عن الهولوكوست يشيطن اليهود الألمان ويضع ما قامت به النازية في سياق مبرر أخلاقيًا. هل كان سيشيد هانكس بالفيلم؟ هل كان سيدعونا للاستمتاع بالسيناريو والحوار والإخراج أم كان سيعتبر فيلما كهذا بمثابة تزييف للحقائق ومعاداة للسامية؟

(مصر)

المساهمون