فريدريش هولدرلين.. الشاعر لا يصل إلا متأخّراً

16 سبتمبر 2020
الصورة
تمثال لـ هولدرلين في نورتينغن الألمانية (NT)

من مجنونٍ محجور عليه، مقروء في دوائر محدودة، إلى عَلم أدبيّ بمرتبة "شاعر الأمة"؛ يبدو مسار فريدريش هولدرلين (1770 - 1843) عجائبياً، غير بعيد في ذلك عن أجواء كتاباته. بقي الشاعر الألماني لعقود تحت رحمة قرّاء صغار، قبل أن ينصت لترانيمه الفلاسفة من أمثال نيتشه وهايدغر فيقدّموه إلى الأزمنة الحديثة كأحد أنبياء الحداثة، وقبل ذلك كأحد آباء ألمانيا الجديدة. 

يصادف هذا العام الذكرى 250 لولادة هولدرلين، وضمنها يقام بداية من اليوم الأربعاء، في "متحف كوربفالزيش" بمدينة هايدلبرغ جنوب ألمانيا معرض يُعيد تركيب مسارات حياة الشاعر الألماني، ولكن هذه الحياة لا تتوقّف بتاريخ رحيله، إذ إنّ أثر هولدرلين له حياته أيضاً؛ المتقلّبة هي الأخرى. انفتح وعي هولدرلين في نهايات القرن الثامن عشر، أواخر عصر التنوير، بعيداً عن مركزه الباريسي، وقتها كان غوته وفان هومبولت وكانط وآخرون ينهضون بنقل الثقافة الألمانية من التبعية إلى أخذ موقع أساسي في عوالم الفكر والأدب والفن، وبمرور العقود استلم هذا المشروع النهضوي جيل جديد من المفكّرين والشعراء والموسيقيين وعلماء الرياضيات. 

تبدو 1770 سنة فارقة، فمع هولدرلين شهد العام ولادة بيتهوفن وهيغل؛ والثاني ستتقاطع مساراته مع هولدرلين في أكثر من محطة، خصوصاً في فرانكفورت في سنوات التكوين الذهني لكليهما، قبل أن يذهب أحدهما إلى أمجاده الفلسفية في برلين، ويظل الثاني هائماً بين مدن الجنوب وحتى بين الأجناس الأدبية. وإذا كانت الفلسفة قد قادت هيغل للقول بموت الشعر، فإن هايدغر - على بعد قرن تقريباً - سيشير إلى أن في شعر تِرب هيغل إشارات إلى المسالك التي تفضي خارج الطرق المسدودة.

كان هولدرلين يبني بالشعر والخيال روح أمّة لم تتجسّد بعدُ سياسياً

وجد هايدغر الكثير من مواد فلسفته الوجودية في نصوص هولدرلين، وجدها مبعثرة فحاول نظمها في رؤية موحّدة جامعة تؤسس لأفق جديد للشعر في عصرنا. لاحقاً، أصبحت القراءة الهايدغيرية مدخلاً إلزامياً إلى هولدرلين حاول كثيرون التخلّص منه، أبرزهم تيودور أدورنو، لكن صاحب "أصل العمل الفنّي" حافظ على موقعه لقلّة من يمكنه أن يتعامل مع نص هولدرلين بندّية، فقد كان الأخير يبني بالشعر والخيال روح أمّة (لم تتجسّد بعدُ سياسياً) بعناصر من ماضيها البعيد - التاريخي والميثولوجي - وأخرى من زمنه ويومياته، وكان من الطبيعي أن يتعرّض شعره بعد ذلك للتوظيف النازي فتُحوّل وجهتُه بحسب "المصالح القومية العليا".

حين نتابع مسارات أثر هولدرلين بعد رحيله، نتساءل ماذا عنّا، ونحن الحضارة العريقة شعرياً؟ هل يحضر شاعر بهذا الحجم في ثقافتنا؟ ماذا أعددنا لاستقباله؟ لقد وصل هولدرلين أساساً في أعطاف قراءة هايدغر له، وبالتالي يَعرفه أهل الفلسفة عندنا أكثر مما يعرفه أهل الشعر، وفي ما عدا ذلك ما زالت الثقافة العربية - في ما عدا بعض الترجمات المتفرّقة - تربطها بهولدرلين تلك المحاولة التعريفية التي قدّمها عبد الغفار مكاوي في سبعينيات القرن الماضي ضمن سلسلة "نوابغ الفكر الغربي".

وكما حدث له في ألمانيا، وفي ثقافات أخرى، يبدو هولدرلين في كل مرة وكأنه ينتظر من له القدرة على رفع صخرته إلى دائرة الضوء. إن الشعراء لمحكومون بالذائقة المزاجية للقرّاء والناشرين والمترجمين.