فرنسيس المرّاش.. في باريس عام 1866 لدراسة الطب

04 ابريل 2020
الصورة
باريس عام 1920(Getty)

قليلة هي الرحلات التي قام بها مشرقيون إلى أوروبا في القرن التاسع عشر، مقارنةً بمئات بل بألوف الرحلات التي قام بها الغربيون إلى بلادنا العربية، ومن بين هذه الرحلات ما دوّنه الشاعر والطبيب والمثقف الحلبي فرنسيس فتح الله المراش عن رحلته إلى باريس طلباً للعلم.

فبعد أن درس العربية وأتقن كتابة الشعر، تنبه المراش إلى ضرورة أن يدرس علماً تطبيقياً، فاتجه نحو الطب ودرس على يد طبيب إنكليزي بعد أن أتقن الإنكليزية والفرنسية، ولم يُشبع ذلك نهمه، فذهب إلى باريس لإتمام تحصيله في هذا الميدان، فسجل وقائع رحلته من ميناء الإسكندرونة الذي يسميه ميناء مدينة حلب، إلى اللاذقية فطرابلس فبيروت فيافا فالإسكندرية. ومن هناك توجه إلى مرسيليا فليون فباريس عاصمة الفرنسيين، وكان ذلك عام 1866م.

كانت أوروبا عموماً، وباريس خصوصاً، في ذلك الزمن تمرّان بأبهى أوقاتهما، بينما كانت بلادنا ترسف تحت نير التخلف والجهل، فلذلك ظهر الانبهار على المراش الذي توصل إلى استخلاصات حول دور العقل في تقدم الأمم، أثبتها في نهاية نص رحلته.


مقتطفات من الرحلة

فما بلغت الإسكندرونة ميناء حلب، إلا وأنا نضو التعب والوصب، لأن المشقة التي كابدتها في طيّ هذه الشقة كانت غاية...

وفي إحدى مراحل هذه الطريق انفردت مساء إلى جهة في تلك البرية الساكنة وجلست على صخرة مضطجعة في حضن الوحدة وأخذت أتأمل هذه الفلاة الحزينة بينما كانت شمس الغروب تصبغ وجه الطبيعة بصفرة المنون والأفق يحيك على سراج الشفق ثوب الظلام، فهب هذا التأمل بأفكاري أخيراً إلى أوج تذكر من تركت ورائي.

أما الثائر الذي عراني عند مشاهدتي قرية الإسكندرية إنما كان صاعقاً لأنني رأيتها هاوية في أعمق هاوية من التقهقر والانحطاط وأي نفس لا تشعر بهذا الثائر إذا رأت ميناء حلب مدخل تجارة الزوراء وتركستان ومخرج أنسجة ومحصولات عربستان صائرة مسرحاً لملاعب الخراب ومشهداً لحركات الدثار وسوء الحال حتى تكاد ألا تعتبر سوى كمبصقة للبحر أو مداس للدهر...

ومع كل ذلك الهوان العجيب لهذه القرية فهي تبان أنها كانت مدينة عظيمة ولنا الدليل على هذا الأمر وجود كمية من الإشارات القديمة التي ربما تصعد إلى عهد بانيها، ولا ريب أنها هدمت باليد التي ضربت كثيراً من المدن سواها من أجل بقاع الأرض.

وما لبثت ثلاث ساعات أن امتطيت ظعن البخار وأخذ يطوي بيد البحار حتى عانقنا باع اللاذقية.
ولما كان الولوج في مرساها مساءً فلم يمكني الهبوط إليها لأشفي شوقاً قديماً إلى سكانها الشهيرين بالدعة وكرم الأخلاق ورقة المعشر.

وبعد برهة في هذا المرسى، خفقت بي أجنحة البخار إلى مدينة طرابلس. وكان البلوغ إليها صباحاً فحللتها وطفت ميناءها ومدينتها فوجدتها ظريفة وعليها أبهة العمار وكأنها تهمّ إلى التقدم فتدفعها نحوس الأقدار.

وإذ دخلت الشمس في دائرة الزوال حلّ الملاحون مراسيهم وأداروا مقدم السفينة إلى جهة بيروت، فكان الوصول إليها بعد بضع ساعات وكان المرسى على ثغرها نحو يومين، فلا بدع أن هذه المدينة قد جلست الآن على المرتبة الأولى ما بين مدن سوريا وأصبحت مبزغاً لكل نور يلوح في هذا الإقليم ففيها جملة علماء عظام ومدارس معتبرة وجمع غفير من المطابع وآلات البخار، وقد جد فيها كمية وافرة من الأبنية الجميلة والشوارع الرحبة المستقيمة، وبالإجمال فوجهها متجه على الدوام إلى آفاق التقدم والنجاح غصباً عن معارضة الظروف الساعية كل يوم بردع همم التمدن هناك.

وبعد نهاية أجل المرسى عاودت إلى المركب وطرت به إلى يافا وبعد انتشاب خصام عظيم بين حركتي الإرادة والخوف عمدت إلى الهبوط إلى المدينة مندفعاً بعزيمة الإرادة ضد مطاردة الأمواج الدائمة الهياج ومرتعداً خوف أن أماثل يونان [يونس] من وجه وأخالفه من وجه آخر. ولما أدركت القرية الهاربة من العالم على قدم الخراب والهبوط وجلت في حضيرتها بعض ساعات عدت أسفاً على الشجاعة التي بذلتها في منازلة أحط صعاليك المدن لأنني لم أجد هناك ما يُذكر سوى بعض حدائق غناء وبعض بقايا رسوم دارسة تدل على قدمية المحل وتدعو أن يندب على سقوط بلد كهذا في فلسطين ويعلن الزمان الممهَّد طريق دولة الخراب.


الإسكندرية والقاهرة

وبعد ذلك أخذت تخفق إلي أجنحة نسر البحر إلى جانب الإسكندرية فوصلت إليها في اليوم الخامس عشر من شهر أيلول سنة 1866.

أما الإسكندرية فهي مدينة قائمة على ساق التجدد وآخذة في طريق الاتساع والعظمة وقد أوشكت أن تنضم في صف مدن أوروبا، ولذلك دعوتها تاج المشرق وعنوان المغرب. فأسواقها رحبة مستقيمة وأبنيتها جميلة لطيفة وفيها وقود النور الإيدروجيني خاصة في الساحة المدعوة عندهم بالمنشية التي تعد ما بين نُخب ساحات الدنيا لعظم طولها واتساع عرضها.
وهناك أيضاً جملة كنائس معتبرة خاصة كنيسة الروم الأرثوذكسيين العديمة المثال في الشرق، وتجارتها واسعة للغاية وكلها إلا قليلاً في أيدي اليونانيين القاطنين فيها.

وبعد إقامتي في هذا البلد مدة أيام أوحت إلي شياطين الملل أن أرحل إلى القاهرة فركبت أجنحة عفريت البر فطار بي كالباشق وما زال أن أوقعني بعد خمس ساعات على مدينة الأهرام أعني الأثر الوحيد الذي أبقته القدمية تميمة على رأس هذه المدينة فلم يمكن لوحوش النحوس أن تفترس وجودها منذ ألوف الأعوام.


أسواق وسرايا

في القاهرة سيحاول الرحالة أن يجرب الدهشة، لكنه لم يعثر على ما يسلو الخاطر وما يدهش، يقول: "أخذت أجوب أسواق القاهرة وأطوف شوارعها وأتفرج على مشتهراتها مدة ستة أيام، فلم أعثر على ما يستحق الذكر أو يروق الخاطر سوى خزانة التحف المصرية وجامع القلعة الذي بناه محمد علي باشا من الحجر الكهربائي مع السرايا المحاذية له، فذاك وهذه يستحقان كل التفات لما يشتملان عليه من ظرافة البناء وحسن الهندسة وجمال ذلك الحجر.

أما قبلية الجامع فطولها مئتان وعشرة أقدام وعرضها مائة وستون قدماً ونيفاً، وهي قائمة على عضائد ضخمة عالية وعواميد مستديرة تحيط القبلية من كل جانب حاملة قبابها الشاهقة التي لا تستطيع العين إدراك مراكزها ما لم ينقلب الرأس إلى الخلف، وجميع ذلك له من النقوش والرقوش أجمل ما يمكن لصناعة الأيدي أن تسمح به.

أما السرايا المحاذية فهي تنقسم إلى جملة قاعات وصروح وسرادق، وكلها مفروشة بالديباج الفاخر والأرجوان الثمين ومنمقة بالمرايا الكبيرة الحجم والغالية الثمن.

وفيها حمام ومغتسل وبسان أنيق ينفح بكل أرج زهر طيب. ومن هذا القبيل أيضاً سرايا شبرى ذات الحوض المرمري العظيم الذي أنشأه بانيها محمد علي لكي يتنزه فيه على قارب تجدفه جوار حسان. أما الأزبكية الشهيرة فما عادت تنطوي سوى على بعض أشجار بلح مغروسة بين أمواج الرمال".


في مرسيليا

من القاهرة سيعود المراش إلى الإسكندرية، ومن هذه الأخيرة سيبحر نحو مرسيليا، يكتب: "ثم رجعت إلى الإسكندرية وصرت أنتظر المركب الذي سيصحبني إلى أوروبا وبعد بضعة أيام ورد الصاحب المنتظر فقلعت معه في 14 تشرين الأول تاركاً برّ مصر يندفع ورائي بعد أن أكلت عيشه مدة ثلاثين يوماً، وفاقاً لمذهب البشر في هذا العالم.

وصباح العشرين منه انقض بي باشق البخار على مدينة مرسيليا حيثما وجدت ذاتي حينئذ مرتاحاً في حضن الغرب متخطراً تحت سماء أوروبا. وبعد إقامتي ثمانية أيام في هذه المدينة المصاغة من عسجد الظرافة والمطرزة بلؤلؤ الجمال عنوان السعادة البشرية وفاتحة كتاب التمدن، ركبت بخار البر في طريق الحديد وأخذت جهة ليون.

فأي عين تشاهد تلك الأرض الممتد فيها ذلك الطريق ولا تلبس حالة الاندهاش والتعجب وتسكب على القلب سلسبيل الابتهاج والطرب وتدفع إلى النفس أنبل الأدب والتهذيب فاتحة أبواب أجمد وأمنع القرائح. فلا يسعني هنا شرح ما رأيته من خصب وازدهار هذه الأرض السعيدة وما يلوح عليها من بديع عناية البشر المتمدنة ونتائج سمو أفكارهم لأن ذلك أمر يحتمل مجلدات كبيرة، ولكن أقول بأوجز المقال إن جميع تلك المسافات التي كنت أمرُّ عليها فلوات وجبالاً وهضاباً كانت بستاناً واحداً ومدينة واحدة وما كنت أشاهد لون التراب الطبيعي سوى بين أسطوانات طريق الحديد حيثما تكر العجلات.

وما سوى ذلك فجميعه بساتين نضرة وكروم مخصبة وغياض أنيقة تتخللها الينابيع والأنهار ورياض تبتسم بثغور الزهور المتنوعة الأشكال والألوان وتزهو رافلة بحللها السندسية النضرة التي لا تذبل غضاضتها ولا تجف بضاضتها، وعرائش زهرية أو جدران شجرية بديعة التأصيل والتفصيل تحت جانبي الطريق لنشر الروائح الزكية على المسافرين ووقايتهم من حر الضحى بالظل الممتد العديم التقلص، هذا عدا العمار المتواصل الذي لا تنقطع صلته ولا ينفصل شمله، فمن بلدان وقرى ومنازل وبيوت ودساكر ودكاكين ونحو ذلك.

ولم أزل مضطجعاً في المركبة الطائرة على أجنحة البخار مطلاً من كواتها البلورية على جمال هذه الطبيعة ونفائسها ناظراً الجبال تمر مر السحاب، إلى أن حط بي طائر النار على مدينة ليون نحو نصف الليل حينما كانت سابحةً في أنوارها المرمرية، فأطلقت الخطو إلى أحد المنازل وبت هناك...

ثم بعد تمضية ثلاثة أيام في ليون ركبت نسر البخار فطار بي إلى مدينة باريس على ذلك النسق المار ذكره فكان وصولي إليها قرب انفلاق الصباح.


في مدينة الأنوار

باريس ذات شوارع رحبة العرض، مستقيمة الطول، حسنة التمهيد والتخطيط، مفروشة على الجانبين بأشجار مستوفية النظام والنسق، لكي ترد حرارة الشمس وتأذن لرطوبة النسيم، جامعة كل شروط النظافة والإتقان، فلا يقوم هناك للجيف الطاعونية انبعاث، ولا للأقذار الوبائية حشر، بل حدائق رياض وأزهار وساحات واسعة الفسحات محكمة الأسلوب.
فهناك البرك والأحواض تدفع مياهها على تناويع الأشكال والضروب، من أفواه تماثيل مرمرية أو نحاسية مختلفة الحقائق اختلاف التواريخ والروايات المرموزة فيها، أو فلتات قرائح عمالها. وهناك تنهض المقامات العتيقة الآجال، والمشادات الهائلة البنيان تعبيراً لما عبر عن المواقع، وتصويراً لما غبر من الوقائع. وهناك تلوح المظاهر التي تخطف الأبصار ببروق جمالها، والمناظر التي تسطو على الأفكار بكؤوس كمالها. وهناك تفتر الحدائق الغناء، وتبتسم الرياض الخضراء، حيثما يوجد لمن أثقله تعب المسير مقاعد ومجالس مختلفة المواد معدة لإراحة التعب وإزاحة الوصب.

وقصور وسرادق ملوكية شامخة الشمم بديعة البنيان تضحك على قوات الزمان، وتزري بطوارق الحدثان، بما لها من الجبروت البنائي والانضمام السامي التوقيع، الذي يدهش الناظر ويروق الخاطر، بما فيه من أحكام المناسبة ومراعاة الهندسة. فإذا نظر المتأمل إلى الخوارج، إنما يقف حائراً فيما يرى من النقش المكتسي بأجمل حلل الصناعة، والرقش المصور بأحسن ما يطلبه مجرى الأيدي ومجر القلم، تسديداً لكل حقوق الجمال والكمال، وإيفاءً لكل ما يستحق كونه نقشاً على حجر.

وإذا نفذ إلى الدواخل، وأخذ يطوف محلاً محلاً وقاعة قاعة، إنما يرى هناك غاية الغرائب الزخرفية، ومنتهى الغنى الذي لا يتنازل إلى حد، فيخال نفسه قائماً في سدرة عالم سماوي، محاطاً من صفوف صنوف العجائب والآيات، على أرض جديدة وتحت سماء جديدة.

هذا عدا ما تتلألأ به ليالي هذه المدينة من الأنوار الغازية المندفعة من أفواه ربوات أنابيبها تحت أشكال ألسن نارية تدعو باردي الروح إلى الدخول في كرة التمدن المتوقرة بلهيب الحكمة والآداب.

فحالما تنطفئ لهبات الشمس في عين المغيب تأخذ شموس هذه الألسنة النورانية بالبزوغ حتى إذا ما امتد ظلال الليل والتحفت الأفلاك بدخان ظلامه تبرز إزاء وجهه حالاً ثريا الأرض أعني باريس العالم مكمدة ثريا السماء ومخجلة كل نبارس عوالمها. فإذا وقعت عليها العين من عال إنما تراها كبحيرة واسعة من النور تتموج بالأضواء وتلتطم بالأشعة.

فليس هناك لحلول سلطان الليل نفع ولا إنس ولا لرحيل سلطان النهار ضرر ولا وحشة ولا لهجوم غارات الظلام رعدة ولا غبار، لأن العقل المستنبط في هذه الديار قد استخدم نواميس الصناعة فقهر شرائع الطبيعة بنفس أسلحتها، فكوّن من العناصر كواكب وشموساً، ومن المعادن أضواءً وأنواراً فجعل الظلام نهاراً، واستطلع فيه نجوماً وأقماراً وغار على شأنه فكان أمام الخليقة مغواراً فأحرز غاية ما يكون وقال للكائنات احذروا احذروا.

وكل هذا الجمال العجيب والكمال الغريب الذي رقت إليها هذه المدينة المعظمة إنما هو نتيجة ما بلغ إليه العقل عندهم من التقدم والنجاح. فلا ريب أن سلطان عقل هذا الجيل في هذه الديار قد جلس الآن على قمة عرش كماله وأخذ يشن على العالم غارات قواته ليفتتح معاقل الطبيعة ويقلب ممالك الظلام.

ولم يصعد العقل إلى هذه القمة العالية إلا بدرج المدارس التي لا يفتر تشييدها ولا يكف نظامها. فيوجد عندهم لكل قسم من العلوم مدرسة تحيط به وتجمع شمله جمعاً لا يقبل التفريق، وينتخبون لكل مدرسة معلمين مهرة في فنونها ويضعون لها نظامات وشرائع تجري بدون ضلل تثبيتاً لدوامها وإيجاباً لحصول الفائدة.

ولتسهيل الدراسة والمطالعات قد أقاموا في كل جانب من المدينة مكتبة عظيمة تحوي من الكتب كل ما يطلبه القارئ وكل هذه المكاتب معدة لقبول الجمهور مطلقاً فيدخل الناس إليها أفواجاً ويقرأون ما يريدون وينسخون ما يشتهون بكل راحة وهدوء بال.

ولما كان يوجد جانب كبير من العلوم يستلزم كونه عملياً وعيانياً بعد كونه نظرياً فقد شادوا لذلك محلات مخصوصة يسمونها بالموزيوم وشحنوها من كل المواد الضرورية لدراسة موضوعها. فمنها ما يشتمل على الاستحضارات التاريخية جيلاً فجيلاً، وأمة فأمة، إن يكن بالنظر إلى أعمال الأيدي، أو إلى الأديان والعقائد أو إلى العادات والأزياء.

ومنها ما يشتمل على استحضارات الجيل الحاضر بكل مشتملاته بحيث يستحضرون كل أنواع البشر المتفرقة على الأرض ويعرضون جميع ما عندهم من الصنائع والآلات ويرسمون كل نواميس حياتهم الأدبية أو الطبيعية حتى يخال الناظر أنه يحيط بالنظر إلى جميع العالم البشري ويحدق بكل ما فيه.

ومنها ما يشتمل على كل المواد التي يتألف منها جسم الأرض إفراداً وإجمالاً بسيطاً ومركباً معدنياً وعنصرياً حيواناً ونباتاً سائلاً وجماداً بحيث لا يتركون لجهالة شيء دخلاً أو لأحد أن يقول ما هو، أو أي شيء هو.

ومنها ما يشتمل على الأجسام المشرحة مع كل أعضائها وأجهزتها إن يكن حقيقية أو صناعية لا تختلف عن الحقيقة بحيث يمكن للإنسان أن يشاهد نفسه هناك باطناً وظاهراً إذ يرى كل أعضائه مبسوطة وجميع قوانين حياته جارية إزاء عينيه ويتأمل كل نواميس نموه منذ كونه دودة وليس بإنسان، إلى كونه إنساناً عظيماً. وهكذا يرى الطرق التي بها تصل الأمراض إلى عضويته وكيفية تصرفها على بنيته وماهية الأسباب التي تقودها فيروح مغتنماً فائدتي العلم والعمل.

ومنها ما يشتمل على العالم النباتي بكل طوائفه وفصائله وكل شرائع نموه وحياته على كل قطر من دائرة الأرض وفي كل طول وعرض.
ومنها ما يشتمل على العالم الحيواني بكل أجناسه وأنواعه وخاصياته وأعراضه على حالتي الحياة والموت اشتمالاً لا يستثنى منه شيء حتى أن الدارس يرى كل سكان البر والبحر تتخطر أمام عينيه فيدرسها ويفحصها محيط علم بجميع مشتملاتها الجوهرية والعرضية ويفهم كل أعضائها ووظائفها، وكافة نسبها إلى بعضها البعض، ويدري كل اختلاف يميز نوعاً من آخر ويدرك نظام حياة كل نوع وفرد، فيعلم أخيراً أن الحيوان كلما انتصب هيكله ارتفع نوعه، حتى إذا ما وقع رأسه عموداً على محور سلسلته كان إنساناً.

ولما كان حظ الدارسين والعلماء عندهم نوال الارتقاء والتقدم بين الجمهور ومنح علامات الشرف من الحكومة لا عدم العبء والاكتراث كان إسراع الناس إلى طلب العلم والمعارف يشبه انحدار الغدران من أعالي الجبال فترى الآباء يسرعون إلى وضع أولادهم في المكاتب [المدارس] حالاً بعد فطامهم والأولاد تتراكض إلى المعلمين كالفراخ إلى مرابيها والشبان تنقض على المدارس كالنسور على جبالها وهكذا فلم يبق عندهم للجهل أدنى مجال.

ولا عار عندهم أقبح من قول الإنسان لا أعرف فكل منهم ملزوم في شريعة حسن التربية أن يدري شيئاً من التاريخ وعلم الأرض والحساب وبعض أصول الهندسة لتوسيع دائرة أفكاره وتقوية قوة إدراكه، وخاصة شريعة لا يمكن تعديها؛ أن يعلم كل منهم قواعد لغته ويفهم أصولها والذي يجهل ذلك يعتبر عندهم كالحيوان العديم النطق لعدم معرفته صحة النطق لأنه متى زاغ الدليل زاغ المدلول فلا جرم إذاً أن يعتبر زائغ الفكر بهيمة لكون زيغان الأفكار دوماً يستلزم زيغان الإنسانية.

وكلما ازداد الشخص معرفة وتعمقاً بلغته ازداد اعتباراً وكرامة وارتقاء إلى أن يجعلوه قاضياً في محكمة اللغة بعد أن يمنحوه كل علامات الشرف والافتخار. وهكذا يفعلون مع مشاهير كل صنف من العلوم.

فيا لسوء حظنا نحن بني المشرق ويا لشدة نحسنا لأنه إذا وجدت الصدف عندنا من له هوس ما في العلم عاش مقطوع الخرج وربما يحتقر ويهان فلا ينال من علامات الشرف سوى الجهل به والسخرية ولا يحصل على شيء من الجوائز سوى قول الناس عنه هذا نحوي بارد أو شاعر مشعر أو بعرفينو أو فلفسوس وإذا كان يروي شيئاً من التاريخ يقولون عنه هذا حكاكاتي (هناك كثيرون يقلبون شاعر إلى مشعر وعارف إلى بعرفينو وفيلسوف إلى فلفسوس وحكاياتي إلى حكاكاتي إما لجهلهم بصحة اللفظ فيشوهون هذه الألفاظ حسبما يفعلون بألوف نظيرها في العربية وإما لتعبير الاحتقار).

ولذلك فلا يجرؤ أحد منا أن يوجه خطوة واحدة نحو طلب العلم لئلا يكسب العار والخزي، بل جميعنا نتراكض وراء جمع المال والجهل المتولد عنه وبمقدار ما يزيد مال أحد منا يزيد اعتباره وجهله بينما إذا اتفق وجود غني جاهل في هذه الديار فلا يعرف له اسم ولا موضع ولا يعطى أدنى مرتبة بين الجماعة ولذلك فأكثر الأغنياء الشهيرين عندهم إنما غناهم نتيجة علومهم ومعارفهم واختراعاتهم.


كلية الطب

ومع كل ذلك فلا يمكن لأحد عندهم الحصول على ثمرة دراسته وجائزة أتعابه ما لم يحصل أولاً على شهادة مدرسته على أنه بدون رنين هذه الشهادة لا يسمع أحد به ولا يكون له اعتبار وربما كان ساقطاً من أعين الناس لكونه دارساً سيما إذا كان يدرس الطب أو الشريعة [أي الحقوق].

وما ذاك إلا لأن صيت دراسة هاتين الصنعتين لا يوجد عندهم أقبح منه، ولا جرم في شيوع هذا الصيت الرديء لأنه يوجد حقيقة قسم كبير من هؤلاء الدارسين مطلوق العنان إلى ارتكاب الكبائر والجرائم عوض الانصباب على الدراسة والمطالعة، فترى جماعة هذا القسم تائهين في عالم الشهوات وضاربين في أودية المعاصي فهم يطوون النهار ويحيون الليل ما بين الدساكر والخمارات ومحلات الانهماك على الفساد حيثما لا تفتر زمرات سكرهم ولا تسكت رنات أقداحهم فتراهم هناك مفصومي العرى محلولي الثياب مشوشي الشعور وبرانيطهم مقلوبة إلى الوراء كأنها مجفلة من أماراتهم، ومن هذه الفئة عينها تخرج غالباً الشرور وتضرم نيران الثورات والفتن.

وكثيرون منهم لا يدخلون قاعات الخطاب في المدرسة إلا عندما يكونون قاصدين إثارة فتنة ما كخلب قانون أو عزل معلم، وقد شهدت شيئاً من ذلك ضد أعظم معلمي النباتات عندهم.

وهو أنني دخلت إلى القاعة المعدة للخطابات حينما كان هذا المعلم مزمعاً أن يفتتح كلامه على النباتات فرأيت المحفل مضاعف الاحتفال، أي أنني وجدت عدداً وافراً من الدارسين الذين لم أصادفهم قط في محلات الدراسة.

فحالما دخل المعلم لابساً ثيابه الرسمية وصعد على منبر الخطابة أخذ هؤلاء الدارسون يصيحون ضده ويصفرون ويزمرون ويدبدبون بأرجلهم حتى لم يتركوا له سبيلاً للفظ كلمة وكلما رأوا شفته تتحرك أو تهم بالحركة زادوا الضوضاء والصراخ. وفي أثناء ذلك دخل رئيس المدرسة نفسه ليرجوهم أن يستمعوا لهذا المعلم فما نجم عن دخوله سوى تضاعف مربع الحركة ولم يلبثوا أن هبط الخطيب من منبره فارفض المجلس.

أما أنا فقد عرتني جمودة البهتة وصرت مهوى لتيار القشعرار وكان قلبي يقابل ارتجاف المحل بارتجاف الرعدة لأنني كنت أظن أن تلك القاعة العظيمة موشكة أن تهبط بجميع دعائمها تحت زلزلة الأقدام أو تطير إلى السحب بمهب عواصف تلك الصرخات المهولة فما عدت أدري وقتئذ في دار ندوةٍ أنا أم في قاعة خطاب، وفي مأسرة أم مدرسة وفي جهنم أم باريس.

ولدى خروجي سألت البعض عن سبب اندفاع هذا البركان البليغ فقيل لي إن هؤلاء الدرسة يمقتون كل معلم يدقق مسائل الامتحان لكونهم لا يدرسون إلا نادراً وقليلاً ولذلك يريدون عزل هذا أو تنكيس أعلامه لشدة تدقيقه عليهم في الامتحان النباتي بحيث لا يمكنهم احتمال ذلك لضعف دراستهم.

والنظر الساذج إلى أولئك الدارسين يوشي بقبح سلوكهم لأن ملابسهم تعبر عن منافسهم فهم يلبسون بنطلونات ضيقة حتى تكاد تتمزق بين أفخاذهم وسترات هكذا قصيرة حتى لا يختفي شيء من الإليتين إلا قليلاً. وشعورهم طويلة منفوشة، وبرانيطهم عريضة كثيرة الانفراج هضيمة الكشح، وكلما كانت البرنيطة تامة في هذا الشكل كان صاحبها أكثر تقدماً في ذلك الضرب حتى تخال البعض من هذه البرانيط نظير غمامة سوداء على رأس حاملها. فمتى لاح هكذا شخص قال الناس هو ذا الدارس.

فوجود هكذا سرب بين دُرَّسِ الطب والشريعة أوجب سقوط الجميع من أعين العامة طول مدة الدراسة أو التلمذة مع أن جماعة القسم الأكبر والذي عليه المعول لا يسلكون في تلك الطريق أصالةً، بل يسيرون في سبيل مضاد على الخط المستقيم فتراهم دائماً على الدراسة منصبين وعلى الكتب والمطالعات منكبين إما في المدارس والمكاتب أو يخلون في أكنانهم الضنكة حيث يشغلون بياض النهار بالتسويد ويشغلون سواد الليل بالتبييض، وعوض أن يطفئوا بمياه الشباب لهبات الشهوات إنما يستقطرونها بأنابيق أدمغتهم المضطرمة بنار الاجتهاد والحمية فلا يصاحبون إلا العلماء ولا يتناقشون إلا مع الفهماء، ولا يتباحثون إلا في دقائق المسائل وحل مشكلاتها ولذلك فعقولهم تسمو كل يوم إلى الكمال وخزائن قلوبهم تمتلئ من الحكمة والفطنة وخطواتهم تتقدم في طريق الارتقاء والاعتبار.

وهكذا ترى بحار التمدن متدفقة من محابرهم وأنهار الآداب جارية من ينابيع أفكارهم وجبال القواعد راسخة على أقلامهم. فمن مثل هؤلاء ضاء عالم العقل وتمزقت سجون ظلامه وانقلبت ممالك الأباطيل والأضاليل وتشيدت عروش الحقائق والهدى وانحطت العبودية في حضيض العدم وارتفعت الحرية على أوج الوجود، وأخيراً أقول إن العالم الأدبي الحاضر لم يثبت قوياً على مراكزه إلا بقوة فكر جماعة كهذه.

لما كان سياق الكلام هنا منتهياً بذكر قوة الفكر فلم أتمالك أن أعدل عن بسط بعض خطاب عليها ولو كان ذلك استطراداً يمجه ذوق بعض المنتقدين فأقول:
إن للفكر قوة تغلب جميع القوات وانطلاقاً يقاوم كل العوارض لها... ولنا مثال على ذلك من جهات كثيرة فأي قوة أوقفت حركة الأرض بعدما أدارها غالليلي على محورها ودفعها تكر على محيط دائرة البروج، وأي قوة هدمت بناية الإصلاح بعد ما شاهدها فكر هوس وجيروم وأي قوة نبشت السحراء بعدما دفنهم فكر يوحنا ديار في قبر الأراديف، وأي قوة أوقفت دوران الدم في أوعيته بعدما أجراه فكر هارفي، مع أن ذلك حبس وذاك سرق وهذا شجب وذا اضطهد.

فلم تصدع نغمات الآداب إلا من أفواه السيوف، ولم تنبثق أنوار الحقائق إلا من ظلمات الحبوس، ولم يناد بالتهذيب إلا بألسنة النيران ولم تنطلق المبادئ الراهنة إلا من القيود والأغلال. وكل ذلك جرى بقوة الفكر وضرب من المحال قمع هذه القوة إلا بمثلها.

لأن الإنسان إلا كان مزيناً بمزية النطق فلا يمكنه عدم الفكر، وإذا كان يفتكر فلا يستطيع الصمت لأن النطق يستلزم التكلم لإيقاع الشركة بين الأفكار لساناً أو قلماً، ومتى حصل التكلم نهضت قوة الفكر، ولا عاد يمكن ردعها إلا بقوة فكر آخر اقتضاء لمدافعه الشيء بمثله، فالفكر بالفكر والسيف بالسيف، ومتى نزل الواحد منزلة الآخر زاغت المدافعة وحصل نقيض المطلوب.

هذا إذا كانت قوة الفكر زائغة عن خط الصواب ولكن إذا كانت مندفعة على هدى إنما يستحيل رد جماحها على كل مقاوم. ومن عادة الهدى أن ينشأ عن التهاب المسائل الدقيقة في معترك الأفكار كما ينشأ النور عن احتراق الذرات العنصرية في محك أسطحة الأثير العام بين الأجرام العظيمة.

ولما عرف بنو المغرب كونهم مجملين بقوة جليلة فضلاً على المخلوقات أخذوا يهذبونها ويتقنونها ويستظهرون نتائجها بدون التفات إلى تهديدات المغرضين أو معارضات المبغضين، وبذلك بلغوا هذا المبلغ العظيم من الفلاح والنجاح وتركوا بقية العالم يتقهقر وراءهم ويتساقط تحت أحمال كبريائه وأثقال ثقلائه فاقد الفكر وعديم النطق. فهنا ظهر المراد من ذلك الاستطراد.

هذا ما أمكن للقلم الآن أن يتمخض به نثراً في الكلام على هذه المدينة البديعة، من باريس، سيدة المدن، وعلى بعض أحوالها، ولكن من يأتي إليها ويشاهد محاسنها عياناً إنما يراها فوق كل كلام وشرح.