غلاء بيروتيّ قاتل: أي صمت هذا؟

24 يوليو 2020
الصورة
غلاء المجلات الأجنبية أرحم من غلاء أسعار المأكل والمشرب والأدوية (Getty)

شهراً تلو آخر، ترتفع أسعار مجلاّت أجنبية تصل أعدادها إلى بيروت وإنْ متأخّرة بعض الوقت. ارتفاع جنونيّ، كذاك الذي يُصيب المتطلّبات الضرورية واليومية للناس، كالمأكل والمشرب وحاجات الأطفال، ومسائل طبيّة أساسية. وصف الغلاء بالـ"فاحش" مُضحك، فالغلاء متفوّق على الفحش في بلدٍ محكومٍ بأفرادٍ فاحشي ثراءٍ وفاقدي أخلاق. التنبّه إلى ارتفاع أسعار مجلاّت أجنبيّة لن يحول دون عيشٍ يوميّ في قلب الغلاء المتفشّي في السلع والمتطلّبات الضرورية، كتفشّي كورونا في بلداتٍ وشوارع وتجمّعاتٍ.

ارتفاع الأسعار مخيف. هذا يؤدّي إلى زيادة الفقر والقهر والفوضى. الجوع أفتك من القتل. مطلب رضيع أعنف من فسادٍ وهدر. لكن هذا غير متمكّن، إلى الآن، من دفع فقراء ومظلومين إلى تمرّد حقيقيّ، يواجه خراب فاسدين يستمرّون في نهب حقوق الناس. ما يُخيف في هذا أكثر من غيره أنّ ارتفاع الأسعار يطاول سلعاً مُصنّعة محلياً، لكن جشع أناسٍ يملكون سلطة التحكّم بهذه السلع أبشع من نهب الفاسدين المتحكّمين بالبلد وناسه.

للمجلاّت الأجنبيّة حضورٌ تاريخيّ في المكتبة اللبنانية. كثيرون يهتمّون بقراءتها وفقاً لاهتماماتهم ورغباتهم وميولهم الفكرية والثقافية والفنية. صحفٌ يومية يعتادها هؤلاء ورقياً، كالمجلات، قبل انتشار الإنترنت والمواقع الخاصة بها، ومعظمها يحتاج إلى اشتراك للاطّلاع على محتوياتها، وهذا أفضل في بلدٍ يعاني وطأة رقابة غير مُدركة أن عصر التقنيات أقوى من حماقة مراقبتها حرفاً أو كلمة أو جملة أو مقالة أو تعليقاً أو صورة منشورة في صحيفة أو مجلة. ورغم أنّ البعض مُصرّ على الورقيّ كمتعة قراءة في مقهى أو مكتب أو شرفة منزل، إلا أنّ الارتفاع الجنونيّ في الأسعار دافعٌ قوي إلى اعتماد منطقٍ آخر في القراءة، يتمثّل باشتراك شهري/ سنوي في المواقع الإلكترونية الخاصّة بصحيفة أو مجلّة.

بعض الأرقام الخاصّة بمجلات سينمائية فرنسية يُثير دهشة وقلقاً وغضباً: يبلغ السعر الشهري لـ"بوزيتيف" 7 يوروهات، والعدد المزدوج (يوليو/ تموز ـ أغسطس/ آب 2020) 10 يوروهات. في بيروت، يرتفع السعر من 17 ألفاً و500 ليرة لبنانية في مارس/ آذار الفائت إلى 75 ألف ليرة لبنانية للعدد المزدوج. لـ"دفاتر السينما" سعرٌ شهريّ واحد (5.90 يوروهات)، والعدد المزدوج (الفترة نفسها) 6.90 يوروهات. في بيروت، يبلغ السعر في مارس/ آذار 17 ألفاً و500 ليرة لبنانية، وفي يونيو/ حزيران 37 ألف ليرة لبنانية، والعدد المزدوج 80 ألفاً و500 ليرة لبنانية. أما "بروميير"، المحافظة على سعر واحد للعددين المفرد والمزدوج (4.90 يوروهات)، فينتقل السعر اللبناني من 15 ألف ليرة لبنانية في مارس/ آذار إلى 52 ألف ليرة لبنانية للعدد المزدوج، مروراً بـ19 ألفاً و500 ليرة لبنانية في يونيو/ حزيران.

أسباب ذلك معروفة. سعر صرف الدولار في السوق اللبنانية موزّع على أرقامٍ مختلفة، بين مصرفٍ وصرّاف وسوق سوداء (تتراوح الأسعار بين 1500 و8000 ليرة لبنانية وما فوق). هذا ينسحب على كلّ أشكال الحياة اليومية، في بلدٍ مُصابٍ بعطب الحياة أصلاً.

أمثلة مقتضبة. السلع الغذائية والحاجات الطبيّة أغلى، ويبلغ غلاؤها أحياناً أرقاماً لا تُصدَّق. المُصيبة واقعةٌ على عاطلين عن العمل، يبحثون عن مأكل ومشرب وأدوية لأبناء وبناتٍ، ولأهلٍ وعائلات. العاملون مصابون بهذا أيضاً، وإنْ بشكلٍ أخفّ بقليل، فجنون الأسعار يُصيب الجميع، والآلام تتوزّع عليهم، والرضوخ غالبٌ. الاستغناء عن مجلات أجنبية عادي، فمطالعتها سهلةٌ بفضل المواقع الإلكترونية والاشتراكات. لكنْ، أيُمكن للمرء أنْ يأكل ويشرب وأنْ يحصل على دواء، عبر اشتراك شهري أو سنوي بموقع إلكتروني لمأكل ومشرب ودواء؟

أي خرابٍ هذا؟ أي موت بطيء أو سريع؟ أي صمت قاتل؟