عودة شكيب خليل إلى الجزائر: بوتفليقة يسترجع حلفاءه؟

عودة شكيب خليل إلى الجزائر: بوتفليقة يسترجع حلفاءه؟

20 مارس 2016
الصورة
لم يُقدَّم خليل للمحاكمة بتهم الفساد (فايز نورالدين/فرانس برس)
+ الخط -
أثارت عودة وزير الطاقة والمناجم الجزائري السابق شكيب خليل إلى الجزائر، بعد ثلاث سنوات من هروبه من البلاد، بسبب اتهامه بالتورط في قضايا فساد متعلقة بـ"صفقات مشبوهة" في الشركة الجزائرية للمحروقات "سوناطراك" وشركات أجنبية، خلافاً داخلياً بين الأطراف الجزائرية المختلفة. وبعد ثلاث سنوات من رحيل خليل من البلاد في مارس/آذار 2013، شغل فيها الرأي العام بعدما نُسبت إليه تهم الفساد المالي، جاءت عودته الغامضة من دون أن يكون للعدالة أي تدخّل فيها، إذ لم يُقدَّم خليل للمحاكمة، لأجل إدانته أو تبرئته، لتبقى الكثير من خيوط هذه القضية غامضة، مع تداخل الضغوط السياسية والسطوة على العدالة والصراع بين الرئاسة والاستخبارات فيها.

وكانت لافتة الحملة التي شنتها فجأة قيادات الأحزاب السياسية الموالية للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، والداعية إلى إعادة الاعتبار لمن وصفتهم بـ"القيادات المظلومة"، مع التركيز على خليل، ووصفه بالكفاءة والخسارة للجزائر جراء اتهامه بالفساد، وهي حملة حملت في طياتها تهيئة المناخ لتقبّل عودة خليل من قبل الرأي العام. وبرز في هذا السياق مطالبة الأمين العام لجبهة التحرير الوطني (حزب الأغلبية البرلمانية) عمار سعداني بالعفو عن وزير الطاقة السابق، واعتباره أحد الكوادر التي ظُلمت ووقعت ضحية تقارير مغلوطة لجهاز الاستخبارات. كذلك جاءت تصريحات رئيس حزب "تجمّع أمل الجزائر" عمار غول في الاتجاه نفسه. كما اصطفت بعض وسائل الإعلام الجزائرية إلى جانب السلطة، واعتبرت أن خليل تعرّض لحملة "شرسة" قادها ضباط من جهاز الاستخبارات الجزائرية، وقالت إن ملف التهم الموجّهة ضد الوزير السابق "أعدّه ضباط من خلال قصاصات صحف نُشرت لتشويه صورته والتقليل من كفاءته". وظل خليل لفترة في صلب الخلاف بين بوتفليقة وجهاز الاستخبارات، حتى أنصفته ما اعتُبرت تحقيقات "مضادة" أمر بها الرئيس الجزائري بشأن القضية، بعدما شكك في خلفية التحقيقات التي أجراها جهاز الاستخبارات. ويعتقد مراقبون أن إثارة جهاز الاستخبارات لملف تورط خليل في الفساد، كانت الدافع لبوتفليقة للحسم في قرار تفكيك جهاز الاستخبارات وإقالة عدد من قياداته، وصولاً إلى إقالة مديره العام الفريق محمد مدين في 13 سبتمبر/أيلول 2015.

اقرأ أيضاً: رجال بوتفليقة والاستخبارات... اتهامات جديدة وتصفية حسابات مستمرة

في المقابل، فإن أغلب الأحزاب السياسية المعارضة، وجدت في عودة خليل من دون خضوعه للمحاكمة، فرصة للإجهاز على ما تبقى من مصداقية السلطة السياسية في الجزائر. فقد تساءل رئيس حركة "مجتمع السلم"، كبرى الأحزاب الإسلامية في الجزائر، عبد الرزاق مقري، "كيف يريدون أن يثق الشعب الجزائري في حكامه عندما يعود شكيب خليل إلى الجزائر مبرأ معززاً مكرماً؟". وأضاف: "الدولة التي يرأسها عبدالعزيز بوتفليقة هي التي قالت للجزائريين بأن خليل خرب الاقتصاد الوطني وأسس جمعية أشرار عابرة للقارات وعاث فساداً في سوناطراك فخرج هارباً من الجزائر، والدولة نفسها التي يرأسها بوتفليقة قالت لهم إنه بريء وشريف وصاحب كفاءة". واعتبر مقري أن هذا الأمر يمثّل "منطق الغالب داخل هذه الدولة لا أقل ولا أكثر".

من جهته، اعتبر المتحدث باسم حزب "جيل جديد"، اسماعيل سعداني، أن عودة شكيب خليل لا تهدم فقط ما تبقى من مصداقية السلطة، لكنها تشكك أيضاً في جدية تحرير العدالة واستقلاليتها عن سطوة السلطة.

أما رئيس الهيئة المدنية لمكافحة الرشوة والفساد رشيد عوين، فرأى أن قضية شكيب خليل منذ بدايتها عام 2013 كانت موجّهة لشغل الرأي العام من دون أية نية جدية لمحاسبته، لافتاً إلى أن "ذلك كان واضحاً من خلال الخطأ الإجرائي المتعمد من قبل النائب العام بشأن إصدار مذكرة التوقيف، لكون الوزراء ومن يتقلدون مناصب سيادية في الدولة تصدر مذكرات توقيفهم من قِبل المحكمة العليا، وهذا الإجراء خطأ ومقصود حتى لا تأخذه الإنتربول بعين الاعتبار". واستغرب عوين أن "يتم سجن المدير العام لشركة سوناطراك وابنيه، فيما شكيب خليل لا يطاوله أي شيء"، مشيراً إلى أن هناك مخاوف لدى بعض الأطراف النافذة التي قد تكون على صلة بقضايا الفساد هذه، مضيفاً: "الأمر واضح وقد قالها فريد بجاوي نجل شقيق وزير الخارجية في أحد تصريحاته بصحيفة أجنبية، أنه في حال تم توقيفه سيكشف كل من شارك معه في الصفقات وهنا يعني المقربين من محيط بوتفليقة".

وبغض النظر عن الجدل السياسي الذي خلّفته عودة خليل، فإنها تعيد طرح النقاش بشأن سطوة المؤسسة السياسية على المؤسسة القضائية والعدالة، وتوظيف الأخيرة لصالح التوجهات والقرارات التي ترغب فيها السلطة، وتشكّك إلى حد كبير في جدية الخيارات التي أعلنها بوتفليقة عند طرحه مشروع تعديل الدستور المصادق عليه في شهر فبراير/شباط الماضي، وتشوش على مسعى الدولة المدنية التي يبشر بها الرئيس الجزائري ومحيطه السياسي.
وفي السياق، يعتقد المتحدث باسم "لجنة البطالين" الناشط المدني الطاهر بلعباس، أن "عودة خليل تحت حماية كبير مختلسي الأموال العامة وبمباركة مسؤولين لديهم أصلاً سوابق في الفساد واختلاس المال العام، هو مؤشر سيئ على مفهوم الدولة المدنية الذي يروّج له المحيط السياسي للرئيس بوتفليقة، ويؤشر مرة أخرى إلى أن الفساد ترعاه أيادٍ نافذة في الحكم تضع يدها بقوة على مؤسسات الدولة"، على حد قوله.

ولم ينس الجزائريون حتى اليوم تفاصيل قضية شكيب خليل التي أثارت جدلاً واسعاً منذ العام 2013، ليس فقط لمستوى القضية الصادم وقيمة العمولات والرشى المتعلقة بها، وإنما أيضاً للعلاقة الوطيدة بين بوتفليقة وخليل، وهي العلاقة التي يعتقد الكثيرون أنها أدت الدور الحاسم لصالح خليل، وعملت على إخراجه من صلب القضية من دون إدانة. ففي فبراير/شباط 2013 قرر الرئيس الجزائري إقالة وزير الطاقة بسبب توالي الفضائح المالية في شركة "سوناطراك"، وفي مارس/آذار من العام نفسه، أعلن النائب العام في الجزائر فتح تحقيق قضائي في صفقات تخص شركة "سوناطراك" النفطية مع شركات أجنبية، وفي "ضلوع شخصيات جزائرية في تلقي رشوة خلال ممارسة وظائفهم على مستوى مؤسسات الدولة". وقال وزير العدل السابق محمد شرفي حينها إن "التحقيقات أفضت إلى وجود شبكة دولية عبر كل القارات تنشط في الفساد في مجال الطاقة بواسطة آليات مالية معقدة".

وفي 11 أغسطس/آب 2013، أعلن النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر العاصمة في مؤتمر صحافي عن وجود شبكة دولية للفساد تنشط في عدة دول تخصّصت في نهب شركة النفط الجزائرية "سوناطراك" التي تدير النفط الجزائري وتدر 98 في المائة من مداخيل البلاد السنوية. وكان أبرز من وردت أسماؤهم في الشبكة، شكيب خليل وزوجته ونجلاه، وقريب لوزير الخارجية الجزائري الأسبق محمد بجاوي، والمدير العام السابق للشركة محمد مزيان ونائبه عبد القادر فغولي، وثلاثة من كبار مدراء الشركة. وكشف النائب العام حينها أن قيمة الرشاوى بلغت 190 مليون دولار. وأعلن أيضاً أنه تم إصدار أمر دولي بالقبض على المتهمين من قِبل الشرطة الدولية. وأثبتت التحقيقات بحسب النائب العام، تورط شركات أجنبية في منح رشاوى إلى مسؤولين جزائريين مقابل تسهيل فوز الشركات بعقود وصفقات نفطية بينها شركات "أسانسي لافلان" الكندية، و"سايبام" و"ايني" الإيطاليتان، و"جي آل ايفان"، ودلت التحقيقات على أن هذه الصفقات رُتبت في إيطاليا وهونغ كونغ، ودفعت في حسابات شخصيات جزائرية في مصارف عدد من الدول.

اقرأ أيضاً: الجزائر: صدام أحزاب المعارضة والسلطة يحتدم

المساهمون