عن سجن "رزاق" ماليزيا ورشوة السعودية

29 يوليو 2020
الصورة
القضاء الماليزي يدين نجيب عبد الرزاق بتهم الفساد (فرانس برس)

يوم 26 يناير 2016، قال المدعي العام الماليزي إن رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق تلقّى أموالاً ضخمة من الأسرة الحاكمة في السعودية قيمتها 681 مليون دولار، تم تحويلها إلى حسابه المصرفي الشخصي، حينها رددت أطراف محسوبة على عبد الرزاق بأن هذه الأموال هي هدية أو منحة مقدمة من شخصية بارزة بالأسرة الحاكمة في الرياض للمسؤول الماليزي بشكل شخصي، وليس كدعم مقدم لدولة ماليزيا.
كانت هذه الرشوة السعودية الضخمة لأهم مسؤول في ماليزيا كفيلة بإطاحة "رزاق"، كما كان يطلق عليه مؤيدوه، من منصبه، والقضاء على مستقبله السياسي، بل ودخوله السجن لسنوات طويلة.
لكن الرجل فلت لسنوات من الملاحقة القضائية بسبب نفوذه السياسي القوي، إذ تولّى رئاسة الوزراء لمدة تسعة أعوام، من دون أن ينفي تلقيه هذه الرشوة التي لا يعرف أحد سببها حتى الآن، وماذا كانت تريد الأسرة الحاكمة في السعودية من المسؤول الماليزي البارز مقابل منحه هذه الأموال الضخمة وإيداعها في حسابه الشخصي مباشرة، وليس في حساب الخزانة العامة للدولة.
لنفاجأ بعدها بأن رئيس الوزراء الماليزي هو واحد من كبار الفاسدين حول العالم، وأنه متورط في قضايا فساد مالي وجرائم لا حصر لها، منها غسل الأموال ونهب ثروات الدولة عبر تحويل أموال بمليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب إلى خارج البلاد، من خلال صندوق الاستثمار الحكومي (1 إم.دي.بي).
كما تم اكتشاف ملايين الدولارات في حساباته المصرفية الشخصية في الخارج، إضافة إلى جرائم أخرى، منها إساءة استخدام السلطة، وخيانة الأمانة، واستغلال النفوذ من أجل الحصول بشكل غير قانوني على نحو عشرة ملايين دولار من شركة إس.آر.سي التابعة للصندوق السيادي الماليزي، بل وأكدت جهات التحقيق في ماليزيا أن أكثر من مليار دولار من أموال الصندوق السيادي وصلت إلى حسابات رزاق الشخصية في البنوك العالمية وبتعليمات مباشرة منه.
ودخلت الولايات المتحدة على الخط، حينما كشفت عن أن 4.5 مليارات دولار سُرقت من الصندوق السيادي الذي أسسه نجيب عبد الرزاق، واستخدمت في أرجاء مختلفة من العالم لشراء قطع فنية ويخت فاخر وتمويل إنتاج فيلم وولف أوف وول ستريت أو "ذئب وول ستريت".

والمضحك أن المدافعين عن رزاق ومحاميه أكدوا تعرض الرجل للتضليل من جانب رجال أعمال ماليزيين ومسؤولين بالصندوق السيادي، "على نحو جعله يظن أن الأموال التي تدخل حساباته الشخصية منح من الأسرة الحاكمة في السعودية وليست مختلسة من أموال الدولة".
كان من الصعب أن يستمر نجيب عبد الرزاق ونموذجه وفساده في قيادة ماليزيا، والتي حققت معجزة اقتصادية خلال قيادة مهاتير محمد لها في الفترة من عام 1981 حتى العام 2003، خاصة أن الفساد لم يقتصر على رزاق فقط، بل طاول وزراءه وكبار المسؤولين وحاشيته، وفي المقدمة زوجته روزما منصور، التي ألقت هيئة مكافحة الفساد الماليزية القبض عليها يوم 10 أكتوبر 2018 بتهم الفساد وغسل الأموال وفضيحة صندوق الاستثمار الحكومي.

وخلال إلقاء القبض عليها، عثرت الشرطة على آلاف الحقائب اليدوية والمجوهرات الفاخرة، وأموال تبلغ قيمتها أكثر من 266 مليون دولار.
هنا تحرك مهاتير مرة أخرى لإنقاذ البلاد من الفساد المستشري على يد رزاق، على الرغم من اعتزاله السياسة وتجاوز عمره التسعين سنة، إذ كوّن تحالفاً سياسياً أطاح عبد الرزاق وحزبه في الانتخابات التي جرت في مايو/ أيار من عام 2018، وفتح سقوط رزاق الباب سريعاً أمام اعتقاله في 19 يوليو 2018، ثم محاكمته في 42 تهمة تم توجيهها إليه، ليسدل الستار اليوم الثلاثاء على صدور حكم بإدانته من المحكمة العليا في كوالالمبور في جميع التهم السبع التي وجهت إليه، والحكم بسجنه لمدة تصل إلى 65 سنة.
إدانة نجيب عبد الرزاق اليوم بتهم الفساد ستكون لها تداعيات سياسية على ماليزيا، التي تثبت مجدداً أنها جادّة في مكافحة الفساد، والحفاظ على تجربة التنمية الاقتصادية القائمة على الشفافية والتوزيع العادل للثروات وإزالة الفوارق الاجتماعية، والنهوض بالبلد في كل المجالات، كما تُعطي أملاً لكل الشعوب التي نهب كبار المسؤولين ثرواتها وحولوها لأرصدتهم في الخارج بأن إدانة هؤلاء اللصوص ممكنة، حتى ولو وصلوا إلى قمة هرم السلطة، وحتى ولو مرت سنوات على جرائمهم.