عن القمة الثلاثية الأفريقية في أسمرة

31 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
استضافت العاصمة الإريترية أسمرة قمة ثلاثية جمعت قادة الصومال وإثيوبيا وإريتريا، لفترتين متقاربتين جداً في غضون شهر، وأجرى الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو جولة مكثفة في الدول الإقليمية، بالإضافة إلى دخول تحالف ثلاثي، بغض النظر عن حيثياته ودوافعه في خضم نشوء تكتلات عربية وأفريقية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، تشي بأن القرن الواحد والعشرين يحمل مستقبلاً مغايراً لأبناء المنطقة. فعلى الرغم من الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية التي تتمتع بها منطقتهم، إلا أن دولها تشكل قوس الأزمات في أفريقيا، أمنياً من حيث بؤر الإرهاب في الصومال، والنزاعات العرقية والإثنية في إثيوبيا، واقتصادياً بنسب الجوع وتردّي خدمات المعيشة، فذلك القاسم المشترك لأبناء المنطقة من النهر إلى المحيط. 
ثمّة تساؤلات عن أسباب الحلف الجديد الذي يتشكل في أسمرة، وبرغبة جامحة من رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، مع غياب جيبوتي، أو تهميش مكانتها في هذا التحالف الإقليمي. فهل ستنجح خطط هذا الحلف الثلاثي، في استبعاد جيبوتي التي يعرفها القاصي والداني أنها على نزاع تاريخي مرير مع أسمرة؟ وما هي حظوظ نجاح تحالف يكون الصومال جزءا فيه، أم أن مقديشو هي بمنزلة عنصر مكمل وديكور تجميل لتحالف إثيوبي وإريتري؟
كل هذه الأسئلة وغيرها ترد إلى الأذهان، في حال استبعاد جيبوتي التي تحظى بمكانة استراتيجية وموقع جيوسياسي حيوي، والتي تحولت، في العقدين الأخيرين، إلى ساحة تنافس دولية، نتيجة 
تزايد القواعد العسكرية الأجنبية فيها. لكن يرى كثيرون أن مصلحة الصومال تقتضي دخول تحالفات إقليمية وعربية ودولية، من دون الانكفاء في زاوية التهميش والإقصاء. وهذا ما سيصطدم حقاً مع القضية الجيبوتية، ويفجر صراعاً بين الإخوة والأشقاء في جيبوتي والصومال، نظراً إلى حساسية تحالف ترعاه أسمرة التي ما زالت على خلاف حدودي مع جارتها جيبوتي.
وبحسب تصريح مقتضب لمكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، فإن قادة الدول الثلاث ناقشوا قضايا اقتصادية وأمنية وسياسية، بغية توطيد العلاقات بين دولهم، ما يمهد الطريق إلى مرحلة جديدة، بعيدة عن الصراعات الدبلوماسية والتوترات العسكرية في المنطقة التي ظلت منذ عقود بمثابة بركان مشتعل بين حينٍ وآخر، لكن دبلوماسية رجل إثيوبيا تبدو أنها تحقق نجاحات في مجالات عدة. وقد وقّعت دول المنطقة، بما فيها جيبوتي، على حزمة مشاريع بقيمة 15 مليار دولار، لربط البنية التحتية والرقمية والكهربائية لهذه الدول. والصومال من أكبر المستفيدين من تلك المشاريع، حيث ستُنفذ ثلثاها في أراضي الصومال. وستستفيد إثيوبيا من هذا الانفتاح؛ حيث ستكون سوقاً مشتركة للتجارة الكهربائية، والتي يتم توليدها من الطاقة الكهرومائية من سد النهضة الإثيوبي، هذا إلى جانب إيجاد سوق رقمي موحّد بقيمة 1.7 مليار دولار، على غرار السوق الرقمية الأوروبية الموحّدة، والتي ستسمح بنقل البضائع والخدمات الرقمية وعبورهما بسلاسة بين هذه الدول. وستصبح مقديشو نقطة انطلاق هذا السوق الرقمي؛ حيث يستمر مشروع خطوط الكابل البحرية، والتي تنفذها شركات أميركية وصينية. وسيمد هذا المشروع خدمة إنترنت أسرع، عبر كابل جديد لدول القرن الأفريقي.
واتفق قادة الدول الثلاث على معالجة قضايا الإرهاب ومحاربة التنظيمات ذات الصبغة الأيديولوجية، ومكافحة المخدرات والاتجار بالبشر. ففي حال تنامي الاقتصادات المحلية، خصوصا للدول الثلاث، فإن في وسعهم التخلص من الفقر والجوع والتصحر البيئي، وإذا فشلت تلك المخططات والاتفاقيات، فإن خيبة أمل كبيرة ستواجه المشاريع الاقتصادية الواعدة. هذا فضلاً عن استمرار الفوضى الأمنية في أنحاء من القرن الأفريقي، لا سيما الصومال الذي ما زال يئن من وجع الحروب الأهلية والتمرّد والحرب بالوكالة، وهو ما يجعله بؤرة صراعات وتصفية حسابات إقليمية ودولية.
لكن التحدّي الأبرز الذي تواجهه الدولتان، إثيوبيا والصومال، هو التقلبات السياسية، إذ إنّ عدم وجود استمرارية لسياسات اقتصادية أو أمنية كفيل بفشل تلك الاتفاقيات، أو عدم تنفيذها على 
الأقل. فالصومال يتقدّم حالياً نحو مشهد انتخابي أواخر عام 2020، لا يمكن التكهن بما ستؤول إليه الأمور فيه. ويرجّح أغلب المحللين عدم فرضية عودة الرئيس الحالي، محمد عبد الله فرماجو، طبقاً للعرف السائد في البلاد، أي أن الرئيس الحالي لن يحظى بولاية ثانية. كما أن إثيوبيا مقبلة على انتخابات رئاسية منتصف 2020، فهل ستزيح رياح التغيير رجل إثيوبيا وصانع سلامها من المشهد؟ تلك التحدّيات هي التي تهدد مسار نهضة اقتصادية لدول القرن الأفريقي.
مهما كانت تحديات دول المشرق الأفريقي، وفي مقدمتها غياب رؤية اقتصادية مشتركة، فإن التردّي الأمني في الصومال يهدد طموحات إثيوبيا الاقتصادية في امتلاك موانئ صومالية واستثمارها، فضلاً عن تدشين موانئ جديدة على السواحل الصومالية، بدعم من دول عربية. ولهذا، يجعل تضارب المصالح الإقليمية والعربية في المنطقة، الصومال غير قادر على مجابهة تحدّياتٍ محلية أو إقليمية، نظراً إلى عدم وجود أرضية صومالية جاهزة لدخول أحلاف اقتصادية أو تكتلات إقليمية. ولهذا، تبدو نظرية التوازن وعدم الإفراط في دخول تلك الأحلاف دبلوماسية ناجعة وهادئة، من دون أن تُحدث جلبة ضخمة بأدوات ومبادئ فارغة، حتى لا تنطبق عليه مقولة "أسمع جعجعة ولا أرى طحناً".
في النهاية، يبدو أن فترة الصراعات والمؤامرات بالنسبة لدول القرن الأفريقي شارفت على النهاية، وحلت محلها سياسات تتسم بالانفتاح والمرونة، وحل القضايا العالقة بالطرق الدبلوماسية وسياسة التنازلات، وهذا ما أثبت نجاحاً سياسياً فتح الحدود، وأعاد الأحضان إلى مهدها، ولو بعد حين. ولكن السياسات الاقتصادية والأمنية، والتي اتفق عليها قادة الدول الثلاث، لن تمر من دون أشواك وتحدّيات، فنجاحها مرهونٌ بمدى جدية هؤلاء القادة وإصرارهم على تنفيذ ما اتفقوا عليه.