عن القبيلة والكلاشنكوف في السودان

21 اغسطس 2020
الصورة

بندقية كلاشنكوف في جبال النوبة في كردفان (8/11/1995/Getty)

+ الخط -

استجابت النخب المركزية في السودان، للثقافة التي أنتجتها، وهي ثقافة الاستعلاء، أكثر ممّا استجابت لموضوع الديمقراطية المزعوم، فالديمقراطية تقرّ تعدّد الذوات وتشجعه، مهما كثرت وازدادت فوضاها، وتحثّ الكل على النظر إلى العالم من حيث هو نص، تكون أنماط الحياة تأويلاً، لا انعكاساً له. لا تقرّ النخب المركزية بتعدّد الذوات، ولم تتخذ خطوات لتحقيق الديمقراطية الفيدرالية، لأن ذلك يخرج الهامش عن وصايتها. 

عليه، نشهد ترتيبات دستورية، هي مسخٌ لا يُراد منه تحقيق هدف استراتيجي أعلى، ولا يعرف القائمون على الأمر لماذا تُقِرُّ الترتيبات المؤسسية وجود نظام رئاسي ونظام برلماني في الوقت نفسه، علماً أن ما يحتاجه السودان هو تحديداً نظام رئاسي يحمي البلاد من التشرذم، وبرلمانات ولائية تحثّ المجموعات الإثنية والقبلية على التكتل مدنياً. بترتيبٍ كهذا، نستطيع أن نتحرّر من قبضة الطائفية التي كانت ولا تزال تعتمد على الارتكاز مركزياً والتفرّغ لشراء الأشخاص فور انتهاء موسم الانتخابات، عوضاً عن شراء الأصوات!

قلما تتعدد الذوات، أو يتسع مجال الموضوعية مع تعميق الحقيقة. ولذا نحن نرى تقلد النخب المركزية "لمنطق السوق" في مقابل تقلد نخب الهامش "منطق الحالة"، فالأخيرة لا تسعى إلى تعميق الحقيقة، متقلدة بذلك "منطق المنفعة" الذي قد يجلب الخير لمواطنيها، إنما تكتفي بإعلان تحرّرها من السرديات الكبرى (هامش - مركز)، من دون أن تسعى إلى تفحص هذه الثنائية التي ربما أحرجتهم أو أحوجتهم لتبني منهجٍ أكثر علمية وموضوعية. 

ترتيبات دستورية هي مسخٌ لا يُراد منه تحقيق هدف استراتيجي أعلى، ولا يعرف القائمون على الأمر لماذا تُقِرُّ الترتيبات المؤسسية وجود نظام رئاسي ونظام برلماني في الوقت نفسه

ها نحن نلاحظ في السودان تراجع التنظيمات المدنية، مفسحةً المجال للتنظيمات القبلية في أول اختبار لها، الذي بيّنته إجراءات تعيين الولاة. ولا سيما أن أحداً من هؤلاء لم يشأ أن يعير الهياكل الإدارية أي نظرة، تحديداً تقليل الولايات بهدف إيجاد حكومة رشيقة، لأن ذلك يقلّل من فرصة أحدهم للحصول على منصب! ويعلم الكل أن التقسيمات الإدارية التي اعتمدها النظام السابق قبلية، الغرض منها إثارة النعرات والتسبب بتوتراتٍ تعوق إمكانية الهامش للزحف نحو الخرطوم، زحفاً قوامه الإرث الحضاري والإنساني، وليس فقط الاحترابي الاقتتالي. 

لوحظ في الأحداث في شرق السودان وغربه، أخيراً، تجاوز الدول الطامعة الأحزابَ إلى حد ما، ولجوءها إلى التعامل مباشرة مع زعماء العشائر والنافذين من قيادات القبائل، في محاولةٍ لإيجاد موضع قدم يؤهلها للاستحواذ على نفوذ إقليمي، والحصول على موقع جيوإستراتيجي، من دون الرجوع إلى قيادات المركز التي التهت بالوظائف الشاغرة في الخرطوم، ولم يعد يهمها موت مئات في الشرق أو الغرب. وها هو رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، يغرّد واثقاً من قدرته على العبور بنا إلى "وادي سينا"، ونحن لا نزال في متاهتنا الكبرى، والبلاد تنزاح رباها من تحت أرجلنا، والغول فاغر فاه صوب أعيننا. أي مصيبةٍ هذه، وأي بلية تلك؟

الدولة في مجتمعاتنا، ونتيجة للتكلس الثقافي والمؤسسي، تبدو انعكاساً لمصفوفة التحالفات القائمة في المجتمع الذي ينزع أفراده نحو تفضيل التراتبية القائمة على العرق واللون والقبيلة على البنى الديمقراطية القائمة على العدالة والمساواة وسيادة القانون. يجب أن تمثل الدولة والمجتمع كينونتين منفصلتين عن بعضهما، حتى تنتظم العلاقة بينهما وفق حدود تساعد كلتيهما على التطور، وتوظيف العائد من رأس المال الاجتماعي في توجيهات سلوكيات الأفراد والجماعات.

ما يحتاجه السودان نظام رئاسي يحمي البلاد من التشرذم، وبرلمانات ولائية تحثّ المجموعات الإثنية والقبلية على التكتل مدنياً

قد يبدو الشخص ليبرالياً، أو حداثياً، لكنه في أيسر امتحان ربما كشف عن أنه غير متجاوز للمعطى الذاتي (قبلي أو إثني أو طائفي) في تكوينه الفكري وبنائه السياسي. لعلَّ تعيينات الولاة أخيراً تكشف بؤس الإجراء الذي لم يفتقد فقط لمعايير مهنية، بل اعتمد أيضاً الموازنات القبلية تحديداً، معطى في ترشيح المرشح الأول، وهي الأساليب والمعايير نفسها التي اعتمدها النظام السابق طوال فترته، بغرض تفتيت الأقاليم وإضعاف قدرتها على المقاومة، مقاومة استبداد نخب المركز أو مقاومة حيل عملاء الإستخبارات الذين يعمل بعضهم لجهاتٍ من وراء الحدود. 

لا يجدي تبني بعض الأفكار والمعارف الحديثة لإدارة المؤسسات، إلا إذا تغيرت الثقافة السياسية التي تدار بها هذه المؤسسات التي لا تزال متأثرة "بانسداداتها العصبوية المتباينة"، (بتعبير باقر النجار) وحرصها على الحفاظ على الروابط التقليدية التي تربط بين مؤسسات المجتمع المختلفة.

عملية دمج جميع قطاعات الهامش مُعَطَّلة، بسبب التلكؤ في عملية التحديث التي تتطلب، قبل كل شيء، تكافؤ الفرص بين مكونات المجتمع المختلفة، إقرار الحقوق الدستورية للمواطنين وإقرار قيم المساواة والعدل. لحظتئذ تستطيع الجماعات (المتمايزة) التنازل طوعاً عن فائض القيمة (وفائض السلاح الذي ترسله نخب المركز والدويلات الطامعة في ثروات السودان) في المنافع والمكاسب، لتلكم المحرومة والمُعْدَمة، بغرض التأسيس لمجتمع يتساوى أفراده في الحقوق والواجبات. 

تردّد نخب المركز في اتخاذ هذه الخطوة بالذات، وإمعانها في حرمان الهامش التعبير عن هويته الثقافية والسياسية، دفعا بعض مكونات الهامش إلى التعبير عن هذا الحرمان بصورة منفلتة وموغلة في العصبية والشوفينية، بيد أن الدولة السودانية لا تدرك أن هذا العبث سرعان ما سيرتدّ عليها، مثلما حدث في العراق وسورية اللتين استخدمتا الإقصاء وسيلة لتأمين مركز متميز لمجموعات عرقية ومذهبية على حساب الآخرين. 

المجتمع ينزع أفراده نحو تفضيل التراتبية القائمة على العرق واللون والقبيلة على البنى الديمقراطية القائمة على العدالة والمساواة وسيادة القانون

وفيما يتبارى أعضاء الليغ السياسي القديم في العمالة وتقنين حيل الاستيطان، تتخذ الجماهير الباسلة في شرق البلاد وغربها الخطوات اللازمة لتطبيق الفيدرالية، والخروج عملياً من وصاية النخب المركزية. لقد اتخذ أهلنا في شرق السودان، منذ وقت بعيد، خطوات صارمة لاستنقاذ هويتهم من الاضمحلال وثروتهم من الضياع، وذلك بتكوين منصّاتٍ مدنيةٍ تُعنى بالتنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. 

لطالما استمرأت النخب المركزية الاستهبال، وفسَّرت النبلَ ضعفاً، والصبرَ عجزاً. يلزم كل أهل السودان مؤازرة هؤلاء الأبطال والنفرة لنصرتهم. الأهم، حثّهم على وقف الاقتتال وعدم الالتفات إلى محاولات الاستقطاب العرقي أو القبلي، فذاك تصريف بائس للعداوة التي يجب ألّا تضمر إلا للمغتصب الحقيقي (تحديداً العدو الأجنبي)، إذ يجب أن توجه الجهود إلى تكوين جبهة للخلاص الوطني، تضمّ كل أهل الهامش الجغرافي والاجتماعي.

الحروب القبلية والعرقية في الساحة السودانية هي الجانب المرئي للإخفاقات الكبرى على الأصعدة، السياسية والاقتصادية والمؤسساتية

تنبئ الأحداث أخيراً (صيف 2020) في أنحاء السودان المختلفة بأن الانتماء الجهوي ووحدة المصير الوطني لم يشكلا سياجاً رادعاً لوقف الاقتتال بينهم، وذلك كله ناتج من حشد الدولة عنصر التضامن القبلي في مواجهة الآخر الداخلي أو الخارجي المختلف معها (قرية مستري/ احتراب بين رزيقات ومساليت، مدينة كاس/ رزيقات وفور، قرية نيرتتي/ فور ومتفلتين منسوبين إلى الدعم السريع (رزيقات)، قرية قريضة/ مساليت وفلاتة، قرية سعدون/ رزيقات وفلاتة، قرية مجنقري/ تعايشة وفلاتة، مدينة كادوقلي/ الحوازمة وكنانة، مدينة كادوقلي/ النوبة والحوازمة، مدينة بورتسودان/ النوبة والبني عامر، مدينة حلفا الجديدة/ الحلفاويين والزغاوة، إلى آخره). وهنا الخطورة، لأن بعض القبائل الحدودية ذات انتماءات مزدوجة، يمكن تغليبها حسب المصلحة الآنية أو المستقبلية. 

ختاماً، الحروب القبلية والعرقية (بالكلاشينكوف وغيره) التي تشهدها الساحة السودانية هي الجانب المرئي للإخفاقات الكبرى على الأصعدة، السياسية والاقتصادية والمؤسساتية. إن واحداً من إشكالات الدولة القُطرية السودانية هو ضعف قدراتها التحويلية – التغييرية، الأمر الذي يجعلها غير قادرة على التكيف، وعاجزة عن ضبط اختلال القوة تماشياً مع وعي المواطنين بالحقوق والواجبات. لا ننسى طبعاً تباطؤ النمو الاقتصادي الذي يجعل الدولة غير قادرة على الإيفاء بمطلوبات البنى الأساسية، وتوفير احتياجات المواطنين المعيشية.

واحد من إشكالات الدولة القُطرية السودانية ضعف قدراتها التحويلية – التغييرية، الأمر الذي يجعلها غير قادرة على التكيف

قلة حدّة التوتر في العالم المتقدم تُعزى إلى قدرة الدولة على احتكار عنصر القوة المسلحة، وتوفر السياقات الثقافية والفكرية التي تُصَمِّم سياسات الدمج في إطارها، وتُسْهِم في تشكل الفضاء العمومي الذي يقنن قنوات التعبير، ويحول دون تحولها إلى خاناتٍ للعنف، فالتعويل، أولاً وأخيراً، ينبغي أن يكون على تجذّر ثقافة الحوكمة في نسيج المجتمع، بحيث تُضْبَط شبكة علاقاته الرأسية والعمودية. 

ينبّه عبد الله العروي، في كتاباته، إلى التمايز الدلالي بين الثقافة والسلطة، بيد أنه يؤكد حجم التداخل العضوي بين الحقلين. الثقافة هي حجر الزاوية في المشروع النهضوي، لأنها تكسب الإنسان (أو القبيلة في هذه الحالة) فاعلية تساعده على تنظيم حياته الاجتماعية والفكرية والروحية والجمالية، وتجعله على استعداد للتواصل مع الآخرين، لا الانقطاع أو الازورار عن إرثهم ومكنوناتهم.