عن الأوضاع الأمنية في مصر

07 اغسطس 2019
الصورة
+ الخط -
أعاد قرار شركات طيران أوروبية تعليق رحلاتها إلى مطار القاهرة عدة أيام في أواخر الشهر الماضي (يوليو/ تموز) إلى الواجهة تساؤلات مستحقة حول الأوضاع الأمنية في مصر، خصوصا وأن القرار المفاجئ جاء بعد عودة الهجمات الإرهابية ضد قوات الأمن والمدنيين في شمال سيناء في أواخر شهر يونيو/ حزيران الماضي، بعد هدوء نسبي دام شهورا. وتطرح تلك التطورات أسئلة مستحقة عن الأوضاع الأمنية في مصر، وما وصلت إليه بعد ست سنوات على الانقلاب العسكري على التحول الديمقراطي في مصر (يوليو/ تموز 2013)، والتفويض الشعبي لمحاربة العنف والإرهاب "المحتملين" الذي طالب به، في ذلك الحين، وزير الدفاع المنقلب عبد الفتاح السيسي؟
وهي أسئلة يسعى هذا المقال للإجابة عليها مسترشدا بثلاث دراسات حديثة عن الأوضاع الأمنية في مصر. يأتي في مقدمتها تقرير أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية، في مايو/ أيار الماضي عن الأوضاع الأمنية في سيناء، تحت عنوان "انتهاكات قوات الأمن المصرية ومسلحي داعش في شمال سيناء". وتقرير أصدره مشروع بنية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإقليمية، الممول من الاتحاد الأوروبي لدراسة مستقبل المنطقة، والذي نشر في أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي تحت عنوان "ديناميكيات انتشار الجماعات المسلحة في مصر وليبيا". وتقرير صدر في يوليو/ تموز 2018 "خمس سنوات من حرب مصر على الإرهاب"، عن معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، ومقره واشنطن، والذي يصدر تقارير دورية عن الأوضاع الأمنية في مصر.
تجمع التقارير الثلاثة على أن النظام المصري الحاكم فشل في القضاء على الإرهاب، والذي سيظل مشكلة مستمرة، ولو خفّت وتيرتها؛ حيث يقول تقرير معهد التحرير "على الرغم من تراجع عدد الهجمات المرصودة إلى درجة ما، ما زالت مصر في موقع مشابه لما كانت عليه حين أعلنت الحرب على الإرهاب (في يوليو/ تموز 2013)". ويقول تقرير "هيومن رايتس ووتش" إن "الجيش المصري فشل في تحقيق هزيمة حاسمة ضد ولاية سيناء".
في ما يتعلق بأسباب الفشل، تقول دراسة مشروع بنية الشرق الأوسط "إن القمع الذي يقوم به النظام لا يستطيع أن يفسّر وحده كل نمو الجماعات المسلحة في مصر منذ 2011، ولكنه 
السبب الأكثر أهمية". وذلك لأن الانقلاب العسكري، وما تبعه من قمع واسع للمعارضة وانتهاكات صارخة، أدّى إلى ظهور جماعات مسلحة جديدة، وتوجّه جماعات قائمة نحو العنف، وانتشار تلك الجماعات جغرافيا في الوادي وسيناء، وتطوّر عنف الجماعات القائمة كجماعة أنصار بيت المقدس، والتي انضمت لـ "داعش" في أواخر 2014.
باختصار، الانقلاب والقمع دفعا المعارضة السلمية باتجاه التشدّد وحمل السلاح، حيث تحول العنف في مصر بعد الانقلاب من طبيعته الاحتجاجية "العشوائية والتلقائية" و"الدفاعية" إلى عنف منظم، وإلى "أداة هجومية ضد الدولة"، كما يقول تقرير معهد التحرير. والذي يؤكد أن فشل النظام المصري في التعامل مع الإرهاب نابعٌ من استراتيجية النظام نفسها، والتي تعتمد على القمع المسلح والأمني بالأساس، وبدون أفق سياسي. حيث يوضح التقرير أن "إعادة الاستقرار لا تتطلب فقط هزيمة التكتلات المسلحة، ولكن تتطلب أيضا فرض النظام من خلال برنامج لنزع السلاح، وتخفيض التعبئة المسلحة، وإعادة التأهيل والدمج، وفرض القانون والاستثمار في عقد اجتماعي بين المواطن والدولة." ويحذّر من أن سياسة النظام تجعل مصر تراوح مكانها في ما يتعلق باستئصال التطرّف ومكافحة الإرهاب على المدى البعيد.
ويرصد تقرير هيومن رايتس ووتش كيف تتجاهل الحكومة المصرية توصيات أهالي سيناء واللجان المحلية التي شكلوها، للتعبير عن مواقفهم تجاه الصراع المسلح الدائر على أراضيهم منذ سنوات. وتقول المنظمة الحقوقية إن النزاع الدائر في شمال سيناء بات يرتقي قانونيا لمستوى "الصراع المسلح غير الدولي"، والذي تنطبق عليه قوانين الحرب الدولية، نظرا لطول أمده ومستوى العنف المسلح المستخدم فيه وطبيعة الجماعات المتصارعة، حيث يستخدم الجيش المصري حوالي 42 ألف جندي ومختلف الأسلحة، وفقا لوسائل إعلام إسرائيلية يشير لها التقرير.
وبسبب السياسات السابقة، يستمر الصراع كما ترتفع تكاليفه البشرية بشكل مخيف، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن تعداد مقالتي ولاية سيناء قد لا يتعدّى الألف وفقا لتقديرات الحكومة المصرية، وأن جماعات عنيفة كثيرة ظهرت بعد 2013 صغيرة وغير متطورة، وكان يمكن منع ظهورها أصلا بتبنّي سياسات أقل اعتمادا على العنف والقبضة الأمنية في غياب أفق سياسي.
تقول إحصاءات معهد التحرير الذي يرصد التطورات الأمنية في مصر بشكل منتظم، أن قوات الأمن المصرية أعلنت رسميا شن 1800 عملية أمنية منذ 2014. ووفقا لوسائل الإعلام، 
يبلغ العدد الإجمالي لتلك العمليات حوالي 3500 عملية، 40% منها في شمال سيناء. هذا في مقابل وقوع حوالي 2500 هجوم إرهابي في السنوات الخمس التالية للانقلاب.
وقد أدت تلك العمليات إلى مقتل سبعة آلاف شخص 95% منهم في شمال سيناء، مع العلم أن قوات الأمن المصرية تواجه جماعة قد لا يتعدّى عدد أفرادها الألف. ومع ذلك، قتل سبعة أضعاف إجمالي المسلحين. كما قتل سبعمائة فرد من أفراد قوات الأمن المصرية في السنوات الثلاث التالية للانقلاب العسكري، وهو ضعف قتلى قوات الأمن المصرية خلال عقد الثمانينات، والذي شهد صراعا مسلحة بين النظام المصري والجماعات الدينية المسلحة. وقد وصل عدد قتلى قوات الأمن المصرية في شمال سيناء من يناير/ كانون الثاني 2014 وحتى يونيو/ حزيران 2018 إلى 1226 فردا.
ولا يعرف بالضبط عدد الضحايا المدنيين الذين سقطوا بسبب تلك المواجهات. وتقدر تقارير إعلامية عددهم بأكثر من ستمائة شخص في شمال سيناء وحدها من يوليو/ تموز 2013 وحتى منتصف 2018. هذا بالإضافة إلى القبض على عشرات آلاف من المعارضين السياسيين والمشتبه فيهم ووضعهم في المعتقلات والسجون، وإزالة حوالي 6850 مبنى في رفح وترحيل عشرات آلاف من المواطنين.
ويمثّل شمال سيناء الساحة الأبرز لهذه المواجهة، وللمأزق الذي تواجهه الحكومة المصرية، 
والتي أطلقت أكثر من عملية أمنية كبرى للقضاء على الإرهاب هناك بلا جدوى. حيث يرصد تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش انتشار الانتهاكات الصارخة في حق أهالي شمال سيناء، كالقتل خارج إطار القانون، والاعتقال التعسّفي، والتعذيب وتدمير الممتلكات، والقبضة الأمنية الخانقة على حياة المواطنين. ويوضح التقرير أن أهالي سيناء يتعرّضون للعنف من أربع قوى مسلحة، وهي الجيش المصري، وولاية سيناء، والمليشيات المحلية التي يستخدمها الجيش، وإسرائيل والتي تشارك بحملات جوية على أهداف للمسلحين في سيناء. وترتكب الجهات الأربع انتهاكات في حق الأهالي ولا يخضع أي منهم للرقابة القانونية والمحاسبة. وهو ما أدى إلى فقدان أهالي سيناء آمالهم في أن ينصفهم تدخل الجيش المصري في الحرب على الإرهاب الدائرة في مناطقهم منذ أواخر 2013، بعد أن كانوا يعتقدون أن المشكلة تكمن في قوات الأمن الأخرى التي أدارت الصراع في الماضي.
ويرفض النظام المصري، المشغول بالقبضة الأمنية والتخلص من أي منافسة له داخل المؤسسات الأمنية، الدخول في أي نقاش حول سياساته السابقة، فلا يلعب البرلمان المنتخب أي دور رقابي، وتخشى النخب السياسية الاعتراض على "الحرب على الإرهاب"، وتتم ملاحقة وسائل الإعلام وإسكاتها بشكل مستمر. هذا في ظل صمت دولي على مختلف الانتهاكات. وتبقى فاتورة السياسة الأمنية الباهظة داخلية بالأساس، فالأزمة ممتدة. والهجمات الإرهابية تتكرّر، ولو على فترات أبعد. والتكلفة البشرية مؤسفة. والمظالم في تزايد. ولا تغيير في الأفق. لتبقى البلاد في حلقة مفرغة من الصراع الممتد والمكلف مع الإرهاب، والذي تمثل سياسات النظام الحالي القمعية أهم أسبابه.